آخر كلام عن
الصفقة.. أن تزويد ليبيا بمفاعل نووي من قبل فرنسا لتحلية
مياه البحر كلام غير مؤكد ومازال تحت الدرس، وان باريس وقعت
عقدا لبيع سلاح الى طرابلس الغرب بقيمة 400 مليون دولار، وأن
قضية الممرضات البلغاريات أساسا افتعلتها طرابلس الغرب.. وأن
مبلغ ال 477 مليون دولار التي ستدفع لضحايا أطفال الإيدز
الليبيين تم جمعها من قبل قطر والتشيك والسلوفاك والبلغار
تحت عنوان 'إصلاح الضرر'.. وأن حوالي عشرين دولة وأجهزة
مخابرات من بينها بريطانيا وإسرائيل ساهمت بالإفراج عن
الفريق الطبي البلغاري والطبيب الفلسطيني. هذا كلام قيل في
وضح النهار في معرض جردة الحساب بعد إعلان الاتفاق بين ليبيا
والاتحاد الأوروبي فيما بشبه 'الصحوة' بعد الصفقة!
لا شيء في السياسة
من دون ثمن والمصالح تفرض نفسها بقوة على لغة التفاوض
والتنازل. ليبيا قدمت نماذج مختلفة من التفاوض والتنازل في
علاقتها مع الغرب والاتحاد الأوروبي، وبخاصة مع الولايات
المتحدة الأميركية، التي لم يبق منها شيء عالق كما يقول
أصحاب الشأن سوى قضية انفجار ملهى ليلي عام 1986 في برلين
قتل فيه ثلاثة أشخاص وجرح 200 آخرون.
اتفاق الصفحتين
إتفاق الصفحتين
كما أطلق عليه الناطق باسم المفوضية الأوربية جاء على خلفية
إطلاق سراح الممرضات البلغاريات والطبيب الفلسطيني بعد
اعتقالهم منذ عام 1999 وإبقائهم في السجن لمدة 8 سنوات
ومحاكمتهم بتهمة قتل 438 طفلا ليبيا بحقن ملوثة بالإيدز.. ثم
صدر عليهم حكم بالإعدام وخفض بعد ذلك إلى السجن المؤبد وعلى
مدار السنوات الثماني كانت ليبيا ونظامها السياسي تحت المجهر
نالت من النقد والحملات الإعلامية الشيء الكثير بسبب هذا
الحكم، وأثارت حنق الأوروبيين الغربيين، وتسببت سياستها هذه
بعواقب سياسية وخيمة.. وبعد السنوات الثماني ودخول الوساطات
الخفية جاءت الصفقة بإخراج فرنسي، وعلى يد الرئيس الشاب
ساركوزي.. فماذا كانت النتيجة، وما هو الثمن الذي حصلت عليه
؟
ما نشر من معلومات
حتى الآن يفيد بأن بلدان الاتحاد الأوروبي تعهدت بفتح
أسواقها للمنتجات الزراعية والسمكية الليبية وبتقديم مساعدات
في مجالات الصحة والتعليم والبيئة وخبرات فنية لترميم
الآثار، ومنح دراسة للطلبة الليبيين في بريطانيا وتدريس
اللغة الإنكليزية في الجامعات والمعاهد الليبية ضمن برنامج
بقيمة 5 ملايين دولار، وتجهيز وتأثيث مركز بنغازي الطبي
وإدارته لمدة خمس سنوات من قبل فرنسا وتدريب 50 طبيبا ليبيا
كذلك وإصلاح مستشفى بنغازي الذي حصلت فيه حادثة تسمم
الأطفال. مضمون التعهدات هو إعادة الشراكة والتطبيع الكامل
مع المجموعة الأوروبية مقابل إطلاق سراح الممرضات.. هذا
باختصار وإن كان موضوع المفاعل النووي للأغراض السلمية الذي
ستديره فرنسا لم يحسم بعد لاسيما أن باريس أخذت 'وديعة
اليورانيوم' مسبقا من القيادة الليبية حتى لا ينافسها أحد
عليها، باعتبار أن ليبيا تملك مخزونا من اليورانيوم يبلغ
1600 طن، وان مجموعة 'أريف' الفرنسية النووية تحتاج إلى هذا
اليورانيوم.
بهذه الصفقة طوت
ليبيا قصة الممرضات البلغاريات لتكسب عودتها إلى الساحة
الأوروبية كدولة ملتزمة بالمواثيق الدولية وبالشروط التي من
شأنها إضفاء الشرعية عليها بعد أن كانت نموذجا للإرهاب وللشر
في العالم!
ما هو الثمن ؟
النموذج الآخر
يتمثل بالتخلي عن البرنامج النووي الذي تقدمت به طواعية عام
2003 بعد سقوط نظام صدام حسين على يد القوات الأميركية
مباشرة.. وخلاصتها تقوم على تقديم كل المعلومات المتعلقة
ببرنامجها النووي وتسليم الوثائق الخاصة بتصميمات الأسلحة
النووية والسماح للوكالة الدولية للطاقة النووية بالتفتيش
المفاجيء لمنشأتها وتشكيل لجنة من 'الدول العظمى ' استمرت 9
أشهر للتحقيق في تدمير الترسانة النووية التي اعلن عنها عام
2004 وأعلنت انضمامها لمعاهدة تدمير الأسلحة الكيماوية
والتفتيش المفاجئ وان تعيد إلى روسيا أكثر من 15 كيلوغراما
من الوقود المنتج حديثا لمفاعلات اليورانيوم العالي التخصيب،
وتقوم بتدمير 3600 قنبلة كيماوية غير معبأة في حضور المفتشين
الدوليين. فماذا كان الثمن الذي حصلت عليه مقابل تسليمها
'طواعية' برنامجها النووي الذي كلفها مليارات الدولارات
وعقوبات اقتصادية وصلت إلى حدود ال 20 مليار دولار تقريبا ؟
شطبت الإدارة
الإدارة الأميركية اسم ليبيا من قائمة الإرهاب، وأعادت فتح
سفارتها في طرابلس الغرب، ورفعت الحظر الاقتصادي المفروض
عليها وكذلك حظر السلاح، وسمحت واشنطن ببيع وتجديد طائرات من
طراز سي 130 عائدة إلى ليبيا محتجزة لديها، وقدمت وعودا
وتعهدات بالتبرع ب 50 ألف جهاز كمبيوتر لإصلاح التعليم
الليبي وعدم معارضة واشنطن انضمام ليبيا إلى منظمة التجارة
العالمية.
إذا بمفهوم الربح
والخسارة يمكن القول ان أميركا ربحت ليبيا كدولة مصدرة
للإرهاب والسلاح النووي وجعلتها 'نموذجا'.. هكذا تقول للدول
التي تتخلى عن برامجها النووية في إشارة إلى إيران وكوريا
الشمالية فإنها ستستفيد من 'مزايا كثيرة' وأهمها أن من يحترم
القواعد الدولية حول الطاقة النووية يمكنه امتلاك المعدات
اللازمة لاحتياجاتها المدنية.. والرهان يبقى على المستقبل.
التسوية بالدفع ؟
أيضا نموذج مختلف
من سياسة التفاوض والتنازل هي أزمة لوكيربي التي وقعت في
ديسمبر 1988 عندما تم تفجير طائرة بان أميركان فوق مدينة
لوكيربي في اسكتلندا وقتل فيها 270 شخصا واتهمت ليبيا
بالحادثة مما أدى الى فرض عقوبات دولية عليها وبعد مفاوضات
دبلوماسية مطولة سلم القذافي اثنين من عملاء مخابراته
للمحاكمة، وتمت محاكمتهما بعد أن جرت مفاوضات ووساطات تقضي
بعدم زج القيادة السياسية في الموضوع، وصدر الحكم عام 2001
وكأنه نوع من 'التسوية الوسطية' الذي قضي بالسجن مدى الحياة
لعبدالباسط المقراحي وتبرئة الأمين خليفة دفعت بموجبه ليبيا
نحو 2.7 مليار دولار كتعويضات وخرجت القضية من التداول
السياسي العام. وهناك العديد من الأمثلة أتت في سياق التحول
الليبي إلى 'العصر الأميركي' بعدما أعلنت في بيان للأمة عام
1992 عن تخليها عن الإرهاب بكل أشكاله وقطع أي علاقة لها مع
المنظمات ذات الصلة.
بالطبع هذا
التغيير له انعكاسات سياسية واقتصادية مع أوروبا وأميركا
وقياس التحولات على الأرض سيأخذ مدى من الوقت قد يكون رهنا
بسلوك النظام الليبي والتزامة بالشروط التي وافق عليها، إنما
تبقى مؤشرات لا بد من النظر إليها وهي أن هذا البلد وصل إلى
حالة 'مزرية' في الميادين كافة قياسا بما حققته دول نفطية
أخرى على حد تعبير ابن النظام سيف الإسلام القذافي. فالبنية
التحتية تتراجع، وهناك استنزاف لموارد الدولة بمشاريع خاسرة
وسوء تطبيق للديموقراطية، ومافيات تجني الأرباح والمكاسب
وعقوبات دولية قاسية.. إلى ما هنالك من سوء إدارة وتخلف
لدرجة أن أحد الشروط التي طالبت بها ليبيا في صفقة الممرضات
هو التزام فرنسا بإعادة بناء وتأثيث وتجهيز مستشفى بنغازي
الذي تنقصه المعدات والتجهيزات اللازمة.
يبقى السؤال: هل الثمن الذي
قدمته ليبيا يتناسب مع حجم التنازلات ؟
سؤال يجيب عنه
العقيد القذافي نفسة عندما صرح بالقول 'إن بلاده تسعى إلى
صداقة الولايات المتحدة الأميركية لأن زمن المواجهة مع هذه
القوة العظمى قد ولى وحل محله زمن المصالح المشتركة
والعلاقات الندية.. نحن نحتاج إلى الصداقة مع أميركا لكي لا
تفرض علينا حظرا وهي تحتاج إلينا كي تدخل شركاتها التي كانت
محرومة إلى ليبيا'. ألم نقل إن المسألة في الأخير هي حسبة
ربح وخسارة ؟!
عن
جريدة القبس
|