07/08/2007

الممرضات البلغاريات .. القانون ورقة مفاوضات فرنسا وليبيا ؟!
ربيع الحافظ - معهد المشرق العربي

 

إسقاط حكم الإعدام الذي أصدرته المحكة الليبية العليا بحق الممرضات البلغاريات المدانات بحقن أطفال ليبيين بجرثومة الإيدز، يعيدنا مجدداً إلى الحديث عن دولة المؤسسات والقانون، وإلى ذات السؤال: هل مجتمعاتنا مؤهلة لأن يكون لديها دولة قانون ومؤسسات؟
 
ثمة من يشكك حتى بجدوى مناقشة هذه القضايا في الوسط العربي باعتبارها ضرباً من اللاواقعية، والحجج؛ هي أننا مجتمعات حكمتها أنظمة سياسية استبداية مزمنة وتركت بصمتها على الشخصية الجماعية، ومجتمعات ترتفع فيها نسبة الأمية ولم تبلغ من التمدن ما بلغه غيرها.
 
الحدث الليبي والحجج والحجج المضادة أعاد إلى الذهن كتاباً صدر قبل بضعة أعوام بعنوان "مسيرة الصين الطويلة نحو دولة القانون"، والسبب هو أن المؤلف جعل من أمرين اثنين مرتكزاً لكتابه العلمي الضخم ولكن الممتع، الأول: إصرار صين ما بعد ماو تسي تونغ على تحقيق الانفتاح الخارجي وفك الخناق، والثاني هو جبال العقبات التي واجهت هذا الهدف المتمثل بغياب دولة القانون والقضاء، لأن الدولة التي ليس لديها قانون وقضاء مستقلين لا تحظى بثقة أحد، ولا وزن لها في عالم الاقتصاد، ولن تتحول إلى قبلة لرؤوس الأموال والاستثمارات الخارجية.
 
في عام 1978 كان قد مضى عامان على رحيل ماو تسي تونغ، وكانت الثورة الثقافية التي قادها لازالت حية في الأذهان، الاقتصاد في حالة انهيار شبه تام، النظام القضائي مدمر، وزارة العدل ملغاة، معاهد القانون محدودة، فيها أساتذة قانون ولكن من دون طلاب، لا أحد يرغب بدراسة القانون، عدد المحامين لا يتجاوز 2000 معظمهم تخرجوا قبل الثورة الشيوعية عام 1949. من هذه المحطة وفي هذه الأجواء ولد قرار الصين للانطلاق نحو التغيير.
 
في عام 2005 وبعد عشرين عاماً ونيف من الإصلاحات كانت الصين أشبه بساحة انفجار قانوني، التشريعات الجديدة تطال كل مرفق من مرافق الحياة، وزارة العدل عادت إلى الحياة، صحف يومية لا تخلو صفحاتها من موضوع حول حكم القانون، لافتات تكسو واجهات المباني في المناطق الريفية تحث على الالتزام بالقانون والاستفادة منه، مئات الكتب الجديدة حول القانون في الأعوام العشرة الأخيرة، أعداد المحامين تجاوزت 150 ألفاً، تخصصات قانونية تتنوع وتتشعب بتنوع الحاجة، معاهد تدريس القانون في أنحاء البلاد تقذف بعشرات الآلاف من القانونيين كل عام، القانون على رأس اختيارات الشاب الصيني كمورد معاشي واعد.
 
في عام 1999 وبعد عقدين من الإصلاحات الشاقة كانت الصين على موعد مع التتويج، عندما اتخذ الحزب الحاكم قراراً بتعديل الدستور تعديلاً ينص على إقامة "دولة حكم القانون الاشتراكية" التي تلتزم فيها الحكومة بحكم القانون، وتم إقرار قانون القضاة الجديد، وقانون المحاماة، وقانون الشرطة، وقانون الجنايات وقانون المحاكمات، وأصبح المواطن الصيني يتمتع بحق مقاضاة الحكومة، ويستفيد الصينيون اليوم بشكل متزايد وباستمتاع من حقوقهم الجديدة.
 
أرادت الصين الانفتاح وكسب ثقة العالم، فاقتضاها الأمر إعادة الحياة إلى المواطن، وردّ حقوقه التي صادرتها الدولة والحزب، وإقامة الثقة بين المجتمع والحكومة لتنال البلاد في النهاية ثقة العالم الخارجي وشركاته ورؤوس أمواله.
 
تمزيق الحكومة البلغارية للإتفاق القضائي مع ليبيا، وإخلاء سبيل الممرضات البلغاريات حال ملامسة أقدامهن أرض بلغاريا امتهان منتظر للحكومة الليبية، التي كان لها السبق بتمزيق الوفاق مع شعبها وتجاوز مشاعره وضربها بأدلة القضاء عرض الحائط. الامتهان البلغاري سيتكرر بأشكال مختلفة، هذا إذا لم تكن القضية برمتها فصلاً مسرحياً في مشروع الانفتاح الليبي.
 
المخاض الصيني أكثر عسراً من المخاضات العربية المجزأة، فهي دولة المليار والربع، ودولة النظام السياسي العقائدي الأكثر هرمية ومركزية. ما يستدعي وقفة إكبار أمام المشروع الصيني هو أن حاجة الصين إلى العالم الخارجي لم توهن عنادها الحضاري، ويؤكد متابعون للشأن الصيني أن الصين لن ترغب في التحول إلى "ديمقراطية ليبرالية" على النمط الغربي وأن الأمر خاضع لحسابات حضارية، والنتيجة في النهاية سبيكة من التحديث والثوابت الكنفوشية الصينية التي تظهر معالمها على قسمات التوجه الجديد، أو بتعبير أحد المحللين "رأسمالية صينية". وعلى الرغم من تشابه العناد الصيني بالعناد الياباني وتشابه البدايات مع نهضة اليابان بعد الحرب العالمية الثانية، إلا أن الصين تبدي حرصاً محسوباً لتفادي انزلاقات اليابان في منزلقات الديمقراطية المطلقة وتلاشي الشخصية اليابانية.
 
المثير هو أن قادة الحزب الشيوعي هم المشرفون على فصول التحديث وعلى شطب الآيديولوجية. الأكثر إثارة هو قرار الحزب التاريخي بالانسحاب الاستراتيجي التدريجي من الحياة الاقتصادية والقضائية على نحو يقطع الطريق على فوضى كالتي حصلت في روسيا، لكنه انسحاب لن يسلم البلاد في النهاية إلى ثالوث الديمقراطية الغربية: المال والإعلام والأحزاب السياسية التي تعمل لحسابهما، ويبقى الحزب من بعيد رقيباً على المشروع الذي صنعه، ولا يخفي المراقبون الغربيون الذين انفلتت مجتمعاتهم من قبضة الحكماء وسقطت في مستنقع الحرية المطلقة اهتمامهم بالمسار الصيني ونتائجه.
 
انسحاب الحزب الشيوعي من الحياة اليومية هو الشطر المكمل للاصلاحات، والإقرار العملي بأن بقاءه كان سبب الشلل الجماعي. وهو أنموذج يستحق الوقوف الطويل بل أن يكون مادة للدراسات والبحوث العليا في المجتمعات المتكلسة تحت حكم الحزب الواحد. لو كان الأوربيون في موضعنا لتقاطر علماؤهم وباحثوهم على الصين؛ للوقوف على التجربة الجديدة، ولعادوا إلى أوطانهم ببيانات ميدانية لا غنى عنها في رسم استراتيجيات التغيير.
 
في ربع قرن ـ وهي ومضة في عمر الشعوب ـ أزالت الصين عن وجهها ندباً غائرة لآيديولوجية دامت أربعة عقود، وتحولت الدولة المعدمة التي يقتات شعبها على الرديء من الغلات الزراعية المستوردة التي تنتجها الشعوب الأخرى إلى دولة تغزو أسواق العالم، وتتحكم بمقدرات الدولار، ويزحف اقتصادها على القارات.
 
هل الصين مثال مع الفارق بالنسبة لنا نحن العرب والمسلمين؟ الجواب نعم ولا في آن واحد، وتجربة ماليزيا لا تختلف كثيراً ولكن بقوالب تناسب خصوصياتنا. كل الحجج التي يسوقها المشككون اشتركنا بها مع الصين القديمة إلا شيء واحد هو صدق النية والتمسك بالجذور.
 
الدهس على القانون لن يكون نقطة البداية في اتجاه التغيير. الدرس ليس للحكومة الليبية وحدها، فما فعلته لم يكن سبقاً عربياً. ليبيا والدول العربية لن يوقفوا امتهان الأمم لهم ولن يفكوا الطوق عن دولهم بهذه الطريقة، ولن تنال أكبر دول عربية الاحترام الدولي الذي تحصل عليه أصغر دولة أوربية أو دولة كسنغافورة.
 
المشروع الصيني برهان على أن الإصلاح ممكن تحت أصعب الظروف وأقساها، وأشكاله يمكن أن تتعدد، وليس ضرورياً أن يكون استنساخاً لما عليه الغير.
 
مشكلتنا الحقيقية هي غياب نية الإصلاح، وإن وجدت فبمعايير ومقاسات أجنبية، وكلا الحالين أسوء من الآخر.
 
عن موقع (المصريون)

 


 

libyaalmostakbal@yahoo.com