03/08/2007

 
 
هل هناك دول “تربية شوارع” ؟
 
إبراهيم دقش: الخليج

 
أثارت قضية الممرضات البلغاريات الخمس والطبيب الفلسطيني لغطاً وردود أفعال واسعة بعد أن أصدرت محكمة جنائية في ليبيا أحكاماً بالإعدام على الستة في 6 مايو/ أيار 2004 إثر ثبوت قيام المتهمين بحقن “فيروس” نقص المناعة المكتسبة (الإيدز) لمئات الأطفال الليبييين. فقد استهجن الكثيرون عملية تقصير أعمار أطفال أبرياء وتعريضهم لما لا طاقة لهم به، فيما استبعد آخرون أن تعمد رسل رحمة إلى مثل هذا العمل غير الانساني. وروجت قلة إلى أن العملية برمتها “مطبوخة” أخذا بإنكار المتهمات ورفضهن للتهمة من أساسها. وفي هذا الخضم استأنف المتهمون الحكم الذي نقضته المحكمة العليا مع إحالته إلى هيئة حكم جديدة في بنغازي قضت بالإعدام مجددا وأيدته المحكمة العليا، بيد أن بضع منظمات تطوعية وإنسانية ليبية وأجنبية- توسطت لدى أسر الأطفال المتضررين وقبلت الأخيرة بجبر الضرر ومن ثم تحول حكم الإعدام إلى السجن المؤبد.
 
ويبدو أن السلطات الليبية كانت قد دخلت في عملية تفاوض مضنية حول مصير الممرضات البلغاريات نتيجة تدخل من بعض الدول والمنظمات ومن الاتحاد الأوروبي، أمكن في نهايتها توقيع اتفاق يقضي بترحيل المحكوم عليهم إلى “صوفيا” عاصمة بلغاريا لقضاء مدة السجن هناك على خلفية اتفاقية ثنائية لتبادل المحكوم عليهم في البلدين موقعة بين ليبيا وبلغاريا في العام ،1984 بيد أن الرئيس البلغاري غورغي بارفا نوف سارع الى استخدام صلاحياته الدستورية بالعفو عن الممرضات لحظة هبوطهن في مطار صوفيا مما اعتبرته الجماهيرية الليبية استفزازاً موجهاً ضدها باعتبار أن الرئيس البلغاري كان يتوجب عليه الانتظار حتى تودع السجينات في سجن بلغاري ويتم تشكيل لجنة قضائية لبحث أمرهن ويعتمد على تقريرها في العفو عنهن بعد مرور فسحة من الزمن حتى وإن اقتصرت على أسبوع واحد.
 
وهكذا خرج رئيس الوزراء الليبي البغدادي المحمودي في واحدة من مرات ظهوره النادرة ليدين تصرف الرئيس البلغاري عبر مؤتمر صحافي مفتوح قال فيه إن ذلك التصرف “يشكل سابقة خطيرة قد تؤثر في مسار ومستقبل الاتفاقيات الدولية”، وأعلن أن ليبيا تلقت من دول خارجية ما مقداره خمسمائة مليون دولار لتعويض أسر الأطفال المعنيين مع التزامات من دول أخرى بينها فرنسا بتطوير وتحديث وإدارة مواقع طبية وعلاجية في ليبيا إضافة إلى التزام الاتحاد الأوروبي بفتح مستشفيات “دوله” ومستوصفاتها أمام الأطفال الليبيين المنكوبين مدى الحياة. ويبدو من هذه المحصلة أن علاقة ليبيا ببلغاريا مرشحة للتدهور خاصة وأن صحيفة ليبية ذهبت إلى حد القول إنه مثلما هناك “أولاد ناس” و”أولاد شوارع” فإن هناك دولا “بنات ناس” ودولا “بنات شوارع”، وعلقت أخرى بأن منح الرئيس البلغاري العفو للممرضات فيه اعتراف ضمني بجرمهن.
 
ويجد المرء نفسه محتاراً إزاء هذه القضية اللاأخلاقية، فكيف تسمح من هن في عداد ملائكة الرحمة أن يقضين على حياة طفل وديع يحلم بالمستقبل والغد من خلال تسريب فيروس مرض قاتل إلى مسامات جسمه؟ وكيف اتفق خمستهن على هذه العملية؟ بل وكيف انضم إليهن ذلك الطبيب الفلسطيني الذي نفترض أن يراعي قسم “ابوقراط” الذي أداه؟ ثم لماذا تلويث دماء أولئك الأطفال الأبرياء ولمصلحة من؟ وهناك سؤال نائم.. هل للسياسة دخل في الموضوع ومن أي زاوية أو ركن؟ فذاك هو بيت القصيد في ما يبدو.
 
أما النقطة الثانية فتتعلق بنقض المواثيق والعهود وهو أمر ليس بالجديد وظل يتكرر في كل العصور لكن الذي يرتبط اسما أو تاريخا بنقض العهد يكون في عداد الساقطين، فكيف ترضى بلد مثل بلغاريا جربت حكم الجبابرة وقهر الديكتاتوريين أن تتصرف هكذا في عهدها الديمقراطي؟
 
والنقطة الثالثة تتمثل في الصمت المطبق الذي عم دول أوروبا الشرقية القديمة وأوروبا الغربية والاتحاد الأوروبي وبينها من تدخل ومن توسط وحتى من تبرع مثل تشيكيا وسلوفاكيا والنمسا والاتحاد الأوروبي بعد أن تلاعب رئيس بلغاريا بصلاحياته الدستورية.
 
لقد كشفت ليبيا كل الأوراق، ونشرت نصوص الاتفاق وتوقيعات الشهود.. ورفعت أسر الأطفال الليبيين الضحايا أكفها إلى السماء بدعوة المظلوم.. ومع هذا فالستار ينسدل على مأساة أطفال ليبيا المحقونين بفيروس الإيدز، ولا إعادة، وكل احتجاج بعد ذلك خارج على النص.. أي نص؟
 
عن موقع الخليج
 

 

libyaalmostakbal@yahoo.com