بالكاد تخرج ليبيا
من مشكلة دولية حتى تدخل في اخرى، وكأن نظامها يتقصد ان يظل
موضع نقاش مفتوح وأزمة مطروحة في الحيز الدولي، كمن يعتاش
ويتنفس من رئة خارج جسده. وفضيحة التعذيب التي تعرض لها
الطبيب الفلسطيني والممرضات البلغاريات تهدد بالتحول، بعد
لوكربي والطائرة الفرنسية ومقهى لابيل والسلاح النووي
وسواها، الى قضية دولية تُدخل طرابلس مجدداً في مماحكات
قضائية قد تنتهي بدفع تعويضات لا يعرف حجمها، وخصوصاً بعدما
اعترف احد اركان النظام ونجل زعيمه بالتعذيب والابتزاز
اللذين انطوى عليهما احتجاز هؤلاء لثماني سنوات، لكن يبدو ان
المهم هو ان يظل اسم ليبيا يتردد على الشاشات أياً كان
السبب.
وكان سياسي عربي
قال عن «الجماهيرية» في بداياتها عندما كانت تقرر فجأة
السماح بدخول مئات آلاف العمال المصريين او السودانيين او
التونسيين او المغاربة او الفلسطينيين، ثم تقرر فجأة ايضاً
ابعادهم، بأنها تمتلك ربما كل مقومات الدولة باستثناء
الجمهور، فهو مغيب، فتضطر بشكل دائم الى «استئجار» جمهور من
الخارج، لكنها سرعان ما تتخلى عنه لتستبدله بآخر بسبب من
الاضطراب الدائم في علاقتها بالدول من حولها، ولأنها تسعى
الى استغلال هذا الجمهور في فرض شروطها و «افكارها» على بلده
الاصلي.
فعلاقة النظام
الجماهيري الملتبسة هذه مع العالم تصدر ضجيجاً متواصلاً يهدف
في الحقيقة الى اخفاء الاهمال التام الذي يعانيه شعب ليبيا
منذ قامت ثورة العقيد على نظام ملكي ربما يتحسر عليه معظم
الليبيين اليوم، فالثروة النفطية الهائلة تبدد على أمور
الخارج وقضاياه، وبينها على سبيل المثال فضائح تسليح وتمويل
«الجيش الجمهوري الايرلندي» وجبهات المتمردين في تشاد
ودارفور والفيليبين، وعلى مشاريع في الداخل لا تهدف سوى الى
ارضاء طموحات خيالية، مثل مشروع النهر الصناعي العظيم الذي
كلف حتى الآن ثروة خرافية قدرت بثلاثين بليون دولار حتى مطلع
2006، لكن أحداً لا يعرف حقيقة جدواها.
وقد يحدث، وحدث
فعلا، ان يغضب العقيد القذافي مثلا من العرب، هكذا جميعا
ولأسباب لا يعرفها سواه وبطانته، فيقرر النكوص التام عن
الاهتمام بكل ما يخصهم، وكأنه ليس منهم، بعدما أشبعهم طوال
عقود شعارات ومحاضرات عن العروبة والالتزام والتثوير وحكم
الشعب والديموقراطية الخضراء وملأ معارض كتبهم بإنتاجه في
نظريات ادارة الدول والشعوب، فيختار ان ينقل اهتمامه الى دول
افريقيا السوداء المعوزة التي لا تكلفه كثيرا، ويوزع على
فقرائها الذين لا يملكون ثمن قميص ملايين القمصان القطنية
التي تحمل صورته ليلبسوها مضطرين، ويلقي خطباً في استاداتها
الرياضية ليكون الحشد المسوق أكبر ما يمكن، وينصب خيمته في
باحات القصور الرئاسية اينما حلّ لمزيد من الضجة الاعلامية.
وقبل أيام، حين
قال وريثه المرجّح سيف الاسلام، انه سيهدي والده لوحة لساحل
ليبيا الطويل جداً ويقول له ان بإمكان من لا يعجبه حكمه ان
يشرب من مياه البحر، تأكد الليبيون ان آمالهم بحصول تغيير في
اسلوب حكمهم ليست في محلها، وتندر بعضهم بأنه كان بإمكان
القذافي تحلية مياه البحر لري الساحل بكلفة بسيطة طالما ان
النفط والغاز موجودان، بدلاً من هدر البلايين على جر المياه
من الصحراء لمجرد تحقيق «إنجاز» على غرار السد العالي
المصري.
عن
صحيفة الحياة
اللندنية
|