تكاد كل الأزمات
التي اندلعت في العالم، منذ مطلع سبعينات القرن الماضي،
ترتبط بشكل او بآخر مباشرة او مداورة بالعقيد معمر القذافي.
ووردت اسماء أجهزة او شخصيات ليبية في قضايا متباعدة لا رابط
بينها، من الفيليبين الى ايرلندا، مروراً بأميركا اللاتينية،
مع كل ما احتوته هذه البلدان من حركات معارضة منشقة ومسلحة.
وإنخرطت ليبيا في كل النزاعات الافريقية والعربية، لتأخذ
جانب هذا الفريق مرة وجانب الفريق الآخر مرة أخرى. وليس من
السهل ايجاد دولة لم تشتبك معها ليبيا في وقت او آخر،
وغالباً لأسباب غير مبررة. ويمكن ان تنتقل العلاقة الليبية
الخارجية في لحظة من وضع الى نقيضه، من دون ان يترافق ذلك مع
تبريرات مقنعة دائماً.
حتى تكاد ان تكون
وظيفة السلطة الليبية، في عصر الجماهيرية العظمى، وظيفة
موجهة الى الخارج فحسب، مستفيدة من محرك قوي جدا تمثله
ثروتها النفطية. وليكون استمرار السلطة الليبية مستمدا من
هذه الوظيفة الخارجية، بغض النظر عن طبيعة ما يربط البلد مع
الخارج، عداء أو صداقة!.
اما الداخل
الليبي، فكل ما يعرفه المراقب عنه هو ان السلطة تقدمه على
انه ضحية دائمة للمؤامرات الخارجية. هذه المؤامرات التي، على
رغم استمرار إعلان تحطمها على صخرة الصمود، ابقت ليبيا
وشعبها في حال متدنية جدا على المستويين المعيشي والسياسي.
لا بل لم يطرأ على البنية التحتية الخدماتية والاقتصادية أي
تحسن منذ عقود، رغم توافر المال الكثير. ولم توفر السلطة
وسيلة عنفية في مواجهة أي اعتراض او مطالبة، وصولاً الى
مطاردة المعارضين في الداخل والخارج على انهم «كلاب ضالة».
حتى تكاد ليبيا ان تتساوى، على الصعيدين الاجتماعي والسياسي،
مع اكثر البلدان الافريقية فقرا وتخلفا.
كل ذلك، في الوقت
الذي يوفر تصدير الطاقة الليبية اموالا طائلة، مع ما تثيره
هذه الطاقة من شهيات كثيرة، تستفيد منها في حملاتها
الخارجية. وجاءت، بعد قضية لوكربي، سنوات العقوبات الدولية
التي لم تطاول الطاقة لتراكم السلطة الليبية عشرات بلايين
الدولارات من دون اي إنفاق على البنية الداخلية. هذه القضية
التي كانت مفتاحا جديدا لمعاودة الإطلالة الليبية على
العالم، والتي كلفت طرابلس بلايين من الاموال المتجمعة من
الثروة النفطية.
وقد تمكن القذافي،
بفعل الثروة المتراكمة والموعودة، من ان يعطي لنظامه هذا
الدور الخارجي. فالأموال يمكن ان تستقطب اي معارض في أي بلد،
قريب او بعيد، ليهدد بلاده او يدخل في مصالحة مع نظامها. كما
يمكن ان تكون حافزاً مهماً لحل الأزمات، عندما يقتضي الحل
دفع اموال. فيكسب القذافي سمعة «عظمى» سواء بتهديد أمن أي
بلد كان أم بإجراء مصالحة فيه. لكن المصالحات تتوقف عند
الحدود الليبية من دون ان تسعى السلطة الى اعتمادها في
الداخل. فهي لا تتسع الا للذين ينخرطون في مشروع الجماهيرية
العظمى ومقتضياته.
في موازاة ذلك،
تراوح سياسة القذافي، في علاقة بلاده مع الدول المتطورة، بين
حد العداء وحد استدراج عروض شركاتها الى المشاريع الباهظة
الكلفة. ففي حال العداء، يمكنه ان يعلن امام شعبه مقاومته
للامبريالية والغرب. وفي الحال الثانية، يستقبل قادة هذه
الدول الساعين الى ان يوفروا للشركات في بلدانهم استثمارات
كبيرة تعود اليها من ريع النفط الليبي. لكن في كل الأحوال،
لم تنعكس هذه الاستثمارات تحسناً في الوضع الليبي المعيشي
والسياسي. لأن هدفها في الأساس صورة قائد الجماهيرية. فمن
البرنامج النووي وقبله النهر العظيم وبرامج التسلح التقليدي
وغيرها الكثير من المشاريع المكلفة، لم يحصد الليبيون ما
يحسن مستوى حياتهم اليومية. لكن كثيراً من الكتب والخطب
دُبجت للاشادة بمنجزات قائد الثورة.
وقضية الفريق
الطبي البلغاري تلخص الى حد كبير واقع السلطة الليبية. ففيها
اختلط التدهور المتراكم في البنية الطبية، في بلد يعوم على
بحيرة نفط، بنظام قضائي يستمد احكامه من حاجات السلطة
السياسية. واختلطت المصادر الملتبسة لأموال التعويضات بعقود
تسليحية واستثمارات في البنية التحتية. وقبل حل القضية وخلال
السعي اليه، كان يمكن ملاحظة النشوة على وجه العقيد الذي
تحول مركزاً للمناشدات وخطب الود.
والأهم من كل ذلك،
ساد الشعور بأن الروايات الليبية لملابسات القضية، من
البداية حتى النهاية، تتعدد بتعدد المتحدثين عنها. ما أوحى
ان مركز القرار الحديدي الذي مثله القذافي منذ استيلائه على
السلطة بدأ يشهد حالات تصدع، وان قوى من داخل السلطة اكثر
عقلانية ونفتاحاً على الداخل بدأت بالبروز. لكن توقعات
مماثلة، في ازمات سابقة، لم تجد أي ترجمة فعلية لها. ما قد
يحمل على الاعتقاد بأن ظهور التعدد وظيفته هي فتح ثغرات
التفاوض مع الخارج. وهو التفاوض الذي يدفع ثمنه دائماً
الداخل.
عن
صحيفة الحياة
اللندنية
|