01/08/2007

هل اشترت الجماهيرية أَسْهُماً في قناة الجزيرة ؟!
البيادر – باريس برس

 

 

 

البعض يتهمها بإحداث "انقلاب اميركي" في داخلها.. ولكن السؤال الأدق: هل اشترت الجماهيرية أَسْهُماً في قناة الجزيرة ؟! من يقف وراء البث من الرباط.. ولماذا يجري انتقاد أوضاع كل البلدان المغاربية.. إلاّ.. الجماهيرية ؟!
 

ما هي آخر أخبار فضائية "الجزيرة"، القناة الأكثر شهرة والأكثر إثارة للضجّة في العالم، وليس في منطقتنا فحسب؟ هل صحيح أن انقلاباً أميركياً قد نُفّذ داخل تركيبتها المسؤولة من أجل تعديل مسارها المشاغب على إدارة المحافظين الجدد، ولو "على الخفيف" بداية، أم أن هناك - على النقيض - من استطاع أن يكسب "حظْوة" له فيها عن طريق شراء بعض الأسهم أو ساعات البثّ، دون انقلاب ولا من يحزنون ؟

 
تعود مناسبة طرح السؤال الأول الى ما نشرته بعض الصحف والمواقع الألكترونية المتخصّصة بنبش الخفايا والأسرار داخل وطننا وخارجه، حول "تكويعة" الجزيرة، وبدء فقدانها لمصداقيتها الاخبارية مدلّلين على ذلك بإجراءات إتُخذت وعمليات نقل واستبدال للمواقع شهدتها الفضائية القطرية.
 
أما مناسبة طرح السؤال الثاني فتعود الى ما يمكن أن يرصده أي مشاهد لهذه القناة، والى ما يمكن أن يلمسه لمس اليد والتأكّد منه بالعين واللسان، خصوصاً في السنة الأخيرة، ولنبدأ من البداية:
 
انعكاسات حرب فتح وحماس
 
كانت قد أشيعت أخبار عن تغييرات جذرية في "الجزيرة" أدت إلى ابعاد مديرها وضاح خنفر واستبدال مجلس الإدارة أو تطعيمه بآخرين. وقيل أن ذلك حصل أثناء غياب خنفر. ومن الأسباب التي أدت الى ذلك – رغم النجاح الذي حققه الرجل طوال فترة إدارته لهذه القناة – كونه من المقربين الى الاخوان المسلمين، والمتعاطفين أو حتى المنتسبين الى حركة حماس. وأنه قد أخذ هذه القناة في منحى ضد مواقف حركة فتح وقيادتها.
 
وتأكيداً لهذه الإشاعات تردّد أن السلطة الفلسطينية – وقيل رئاستها تحديداً – قد بعثت بملف فلسطيني وآخر أردني "!" حول ماضي خنفر وارتباطاته السياسية "الاسلامية"... الخ، وأن هذا الملف قد سلّمه مبعوث خاص لأمير دولة قطر حمد بن خليفة آل ثاني، وبناء عليه تم التحرّك و"اجراء اللازم"، مع أن خنفر متهم من بعض القطريين المتشددين بأنه أخذ "الجزيرة" الى حضن الفلسطينيين!
 
لكن الذين اكتشفناه بعد ذلك، أن خنفر ما زال على رأس عمله في القناة، عندما استضافه غسان بن جدّو في برنامج خاص بثّ من لبنان حول دور الفضائيات بمناسبة الذكرى الأولى للحرب الاسرائيلية التي شنّت ضد هذا البلد العربي، كما تبيّن على ألسن المنتقدين للجزيرة من أنصار فتح أن القضية لم تكن تتعلق بملفّ سرّي خطير وما شابه كما تردّد، بل بالنهج الذي تسير عليه القناة، الذي أصبح يتمثّل بالتغطية على "أخبار فتح الايجابية"، والتركيز على أخبار حماس وقياداتها ومواقعها، ثم استبعاد استضافة قيادات فتح في الوقت الذي يجري فيه فتح أبواب ونوافذ الجزيرة لقيادات حماس وأنصارها.
 
ولم تمضِ أيام على ترويج هذا الكلام في العديد من الصحف والمواقع، ومنها مواقع مقرّبة من الاخوان المسلمين في غير بلد عربي، حتى قامت "الجزيرة" باستضافة السيد هاني الحسن/عضو قيادة "فتح" في برنامج "بلا حدود" الذي يقدّمه أحمد منصور.
 
لا شيء تغيّر..!
 
وشاءت الأقدار أن يحشره المذيع في أكثر من سؤال صعب ومحرج حول الموقف مما جرى في غزة، ورأيه بمسؤولي الأمن الفتحاويين في غزة، كما شاءت الصدف النادرة أن يدخل الحسن بين الألغام برجليه فيتحدث بما لا يطيق الأخوة داخل الحركة سماعه، وبما يؤكد لهم في المقابل انحياز "الجزيرة" حتى داخل فتح الى جانب خطّ ضد آخر!
 
على أي حال، مراجع داخل "الجزيرة" ما زالت تؤكد أنها لم تتغيّر عن نهجها قيد أنملة، وأنها تَزنْ كل الأمور بميزان حيادي حسّاس، مستندة في ذلك الى صحة المصدر وصدقه، وهي على العكس مما بدأ يروّجه البعض، تحرص عند مقابلتها لأحد من المسؤولين في أي حزب أو تيّار، أن تستضيف واحداً من الطرف الآخر الذي يمثّل بالنسبة إليه وإليها "الرأي الآخر". أما القول بأن القناة قد شهدت تغييرات وتنقّلات ودخلتها وجوه جديدة فلا داعي للرد عليه، لأن ذلك من طبيعة أي عمل وأي مؤسسة.
 
يبقى المهم – والكلام لمراجع داخل "الجزيرة" - أن القناة باقية على خطّها الذي هو رأس مالها وسرّ نجاحها حتى لدى الذين لا يوافقونها الرأي، فكيف تُفرّط برأس مالها، فالنجاح الذي حقّقته في تغطية الحرب ضد العراق، وإبراز ما عتّمت عليه الآلة الاعلامية الاميركية والسائرين على دربها، حقّقت مثله أيضاً في تغطية الحرب التي شنّت ضد لبنان، كما تُحقّق كل يوم مثيلاً له في تغطيتها لأحداث الساحة الفلسطينية، وليس الحمساوية أو الفتحاوية فقط!
 
ثمة ملاحظة أخيرة حول ما روّج عن "الانقلاب الاميركي" في الجزيرة، وهي أن معظم المعلومات الذي ارتكز عليها الترويج قد سُربّت من الداخل، ومن جهة على بيّنة بما يجري داخل القناة، فالأسماء التي تم ذكرها، والتفاصيل التي تحدّثت عن تنقلات من الجزيرة العربية الى الانكليزية – مثلاً -، كلها لا يعرفها إلاّ من يعيش داخل أسوار القناة، بالاضافة – ربما – إلى عدد قليل من الإعلاميين القطريين. وإذا علمنا أن بعض المعلومات كانت دقيقة يمكننا تلمّس الهدف من وراء خلط "شعبان برمضان" كما يقولون!
 
لماذا ليبيا ؟
 
نأتي للسؤال الآخر الذي يمكن لأي مشاهد أن يجيب عليه إذا دقّق في متابعته لبرامج القناة واهتماماتها "المغاربية" بشكل خاص، ونعيد طرحه بصيغة أكثر صراحة وتحديداً: هل اشترت "الجماهيرية الليبية أسهماً أو ساعات بثّ في هذه القناة"؟
 
ليس غريباً أن يردّ البعض على هذا السؤال بسؤال آخر: .. وهل تحتاج قطر الى دعم مالي حتى تبيع جزءاً من قناتها التي أصبحت مع الأيام أهم منها، الى درجة أن ثمة من يعتبر "الجزيرة" هي الإمارة وقطر عاصمة لها؟! لكن المعلومات المغاربية الشحيحة مع الملاحظة بالعقل المجرّد قد يحملان الجواب الشافي على ذلك، مع الأخذ بعين الاعتبار أن قناة بهذه الصيغة لا يمكن أن تصّب لصالح خط بعينه مباشرة وعلى الدوام، ولا لبلد ما أو حزب أو جهة. إنها فعلاً كبرنامج فيصل القاسم "الرأي والرأي الآخر"، حتى لو كان هو شخصياً مع رأي ضد آخر، ولهذا نجحت ولاقت رواجاً. فمواطننا الذي لم يحقق له القوميون والتقدميون، ولا رموز النضال واليسار.. الخ، منبراً إعلامياً يعطيه المعلومة والرأي مع الرأي المخالف في آن، لا يمكن، إلاّ أن يتعلق بمن يوفّر له هذه المعلومة كما هي، ويلاحق له الحدث على أرضه، ويضعه في صورة المستجدات ساعة بساعة وهو في بيته، فإنسان هذا الزمان لم يعد قاصراً على الفهم والتحليل دون أن تضخّه بالتعبئة ليل نهار.
 
من هذه الزاوية يبدو أن ليبيا الأخ القذافي قد انتبهت الى الشيء الذي تفتقده ولا تستطيع أن تُنشئه أو تنجح فيه على الإطلاق. وطالما أنها لا تستطيع أيضاً أن تشتريه، فقد وجدت الحلّ مثلما تحلّ كل القضايا العالقة بالمال والأخذ والرّد، والحل لا يضير قطر ولا يحرف "جزيرتها" عن خطّها إلاّ بالقدر الذي يتلمّسه الذكي المتابع..
 
وحتى نختصر الحديث، دعونا نستعرض بالذهن برامجها ونشرات أخبارها المتعلقة بالمغرب العربي الكبير ومن ضمنه جماهيرية الأخ القذافي. في البدء، لا يغيب عن ذهن أحد تخصيص "الجزيرة" ليلة رأس السنة للمرة الثانية في مطلع هذا العام والذي سبقه لاستضافة القذّافي في حوار "مفتوح شامل"، لا جديد منه سوى تكرار اسطوانة افريقيا.. والكفر بالعروبة.. مع بعض التفاصيل المضحكة. ثم تخصيصه بلقاءات يُحدّد هو مناسبتها ومعظمها بلا مناسبة!
 
حدث ذلك مراراً، بينما في هذا العالم مئات الزعماء والقادة والملوك والسلاطين.. والمفكّرين "الجماهيريين" أيضاَ، فلماذا الأخ القذافي دون سواه؟
 
الساعات المغاربية لمصلحة الجماهيرية!
 
ومع ذلك، إذا تجاوزنا هذه الخصوصية المميّزة لقائد الجماهيرية وزعيمها - كما تصفه الجزيرة دوماً - ولاحظنا تخصيص الفضائية القطرية ساعتين "مغاربيتين" يومياً للبث من الرباط، سوف نكتشف بسهولة أن ملك المغرب لم يدفع درهماً لدعم هذا البث، بل تمّ اختيار المكان بذكاء وخبث لإبعاد العين عن الجهة الحقيقية التي تقف وراء "مشروع الساعتين"، ولكن الشمس لا يمكن اخفاؤها بغربال. فساعات بث "الجزيرة" من الرباط تُركّز – لكل من يتابعها يومياً – على انتقاد الوضع في هذا البلد، والحديث عن أمنه الفلتان، وعن وضعه الاقتصادي المتردّي ومجموعات المهاجرين السريين الهاربين بقوارب الموت من أرضه الى الشمال الأوروبي، عدا حكايات المتطرفين وقاعدة بلاد المغرب العربي.. وما شابه.
 
والحديث عن الجزائر يدور في نفس السياق مع التركيز على خصوصية هذا البلد المتعلقة بالصدام القديم المتجدد بين الجماعات المسلحة وقوات الأمن والجيش. أما تونس – البلد الجار – فلها نصيبها من نفس "الكأس"، وهو يركّز على فقدان الديمقراطية وملاحقة أصحاب الرأي، وماذا تفعل لجان حقوق الانسان وكيف تُهان.. الخ، رغم التغّني الليبي الرسمي بنموذجية العلاقة مع الشقيقة تونس!
 
الجدير بالتوقف أمامه هنا هو اذا كانت كل هذه الانتقادات صحيحة وموجودة، وأغلب الظن أنها كذلك، فماذا عن الجماهيرية نفسها؟ هل تعيش وحدها في "غابة" المغرب العربي هانئة مطمئنة، أم أنها تعيش مشاكل لا حصر لها داخلية وخارجية أبرزها مزاج الحكم ورجاله من عسكر وشرطة ولجان ثورية وشعبية بالاضافة الى "شطحات" الأخ العقيد وأولاده؟
 
الجماهيرية - الليبية لا تغطّي "الجزيرة" من أخبارها إلاّ ما يتعلّق بالوجه البشوش،/مقابلات القائد، والنشاط الجماهيري والثوري.. والتوجهات الافريقية الجديدة.. وأخيراً وليس آخراً أخبار الممرضات البلغاريات والطبيب الفلسطيني الذي حُوّل الى بلغاري لكي يسلم من الإعدام، ويعود مع أهل بلده الجديد ليكمل حياته بسلام، بعيداً عن جنّة الجماهيرية!
 
وبالمناسبة - لم تجر "الجزيرة" تحقيقاً واحداً كافياً حول مصدر الدم الملوث بالإيدز ومن المسؤول عن إحضاره، وعن ابرام صفقته، بل رضيت بترداد الإتهام للبلغاريات كما لو كنّ قد اخترعن هذا الدم مع زميلهم الطبيب المسكين لتنفيذ جريمة حقن الأطفال.
 
بيت القصيد: ان الإعلام المتزمّت لا يمكن أن يجد له سوقاً، حتى لو كان محقاً ويحمل قضية عادلة، والاعلام المنفتح مع التزام عام بقضايا أمته يجد من يسمعه، حتى لو خرج عن خطه أحياناً وتحيّز للعقيد على حساب إخوانه.. الحكام الآخرين لبلدان المغرب العربي، أما إشاعة حدوث الانقلاب، وصوابية شراء الساعات – إن صحّت – فليست إلاّ دليلاً على ذلك.
 
عن مجلة البيادر

 


 

libyaalmostakbal@yahoo.com