05/08/2007

 
لغز الصفقة الليبية (افتتاحية لوموند)
 
 
نقلا عن جريدة الدستور

 
من الكاذب ؟ ومن ينطق بالصدق ؟ تصريحات نجل القذافي حول الصفقة التي عقدتها ليبيا مقابل إطلاق سراح الطبيب والممرضات البلغاريات مقابل برنامج صناعي واقتصادي متطور وبرنامج آخر للتسلح تثير الكثير من الشكوك حول مصداقية ما أذيع من أنباء وما خفي منها. تسليم أحد أهم المطلوبين في قضية لوكربي من قبل المملكة المتحدة إلى السلطات الليبية يرتبط بلا شك بملف الممرضات العائدات إلى بلادهن.
 
ساركوزي يؤكد من جهة: "لا وجود لأي صفقات غير معلنة"، فيما تأتي التصريحات الليبية تباعا بعكس هذا الكلام. الإيليزيه أكد غير مرة أنه لا وجود لأي برنامج للتسلح وعدت به فرنسا مقابل حل سريع للملف الأكثر جدلا، بعد أن انتقل فيروس الإيدز لعشرات الأطفال الليبيين، وبعد أن توعد نظام القذافي المسؤولين عن الحادث بأشد العقوبات قبل أن يتغير الموقف بشكل لافت.
 
الشك يلف القضية من كل الجهات، خاصة لدى الجهة الشمالية من شواطئ البحر المتوسط، لأن ليبيا لم تكن المبادرة لعقد الصفقة. ومهما كان قرار القذافي أو بنود اتفاقه مع الجانب الفرنسي، تبقى النية الوحيدة والهدف الأكبر بالنسبة لطرابلس هو العودة إلى أحضان المجتمع الدولي لكن الدوافع بالنسبة لأطراف الاتفاق الأخرى قد تكون مغايرة.
 
من الواضح أن فرنسا تخطط لمصالح اقتصادية وسياسية بعيدة المدى بالإضافة إلى الجهود الإنسانية.
 
تدخل فرنسا لتعويض عائلات الأطفال الذين اصابتهم عدوى الفيروس لم يكن مطلقا السبب الوحيد لتدخل باريس في حل القضية ، حتى مع يقيننا ويقين المجتمع الدولي بأن فرنسا لا ينقصها الحكمة ولا النية الحسنة لحل الخلافات الدولية هنا وهناك. لكن المسألة أبعد من ذلك ويبدو أن مصالحا أخرى لم يتم الإعلان عنها ستكشفها الأيام بشكل تدريجي. كما أن المنطق يقول أن شخصا متسلطا مثل القذافي لن تقنعه فرنسا بسهولة بالدوافع الإنسانية.
 
الإيليزيه يتدخل ولأول مرة بهذا الحجم على المستوى الرسمي. حتى أن زيارات خاصة على مستوى زوجة ساركوزي كانت فعالة لدرجة وضع النقاط على الحروف على صيغة الاتفاق النهائي الذي اتسم بالسرية. الأكيد هو أن "الجمهورية النموذج" التي تحدث عنها ساركوزي في تصريحاته لا تتصف بالمصداقية وينقصها الكثير من الشفافية.
 
المفاوضات لم تكن ضمن جدول معد سلفا، ولم تكن اللقاءات علنية. خاصة تلك الاجتماعات التي حضرتها السيدة الفرنسية الأولى خلال نحو شهر سبق الإعلان عن إطلاق سراح الممرضات. لم تكن تلك المفاوضات بين الوفود الرسمية بقدر ما كانت محاولات فردية للإجتهاد، وكذلك التصريحات التي تخرج كل يوم حول طبيعة الاتفاق تتسم هي الأخرى بأنها فردية وغير رسمية.
 
الأكثر غرابة هو تهميش دور الخارجية الفرنسية في هذه المفاوضات واعتبار دور وزيرها برنارد كوشنر بمثابة "الدور الثانوي". كوشنر الذي وصف وزارته بأنها "وزارة الإنفتاح على العالم" لم يذكر اسمه ولا دور الدبلوماسية الفرنسية بقدر ما ذكر عن "دور السيدة ساركوزي وجهود الرئيس الجديد". لم تكن الخارجية الفرنسية في قلب الحدث بل يبدو أنها قد علمت بالتفاصيل مثلنا نحن.. من وسائل الإعلام.
 
استبعاد الدبلوماسية الفرنسية عن دورها الحقيقة على الرقعة الدولية لن يكون ممكنا بعد الآن، وما جرى في طرابلس يعتبر استثناء. كوشنر تحدث في تصريحات وصفت بأنها "خجولة" عن دور ثانوي لوزارته ، وترك الباب مفتوحا لساركوزي لتفسير الملف وفك لغز الصفقة الليبية.
 
الوقت يمضي والتصريحات تتناقض. على رئيس الجمهورية أن يعطي تفسيرا واضحا لما جرى ويجري وكلما بقيت الأمور على حالها، بقي النموذج الفرنسي عن الدبلوماسية المثلى ومصداقية الرئيس على المحك.
 
عن جريدة الدستور
 

 

libyaalmostakbal@yahoo.com