|

حقا شيخ المطربين البدو. نعم إنه
أسطورة لن تتكرر لما يتمتع به من موهبة صوتية مميزة، وتمكن في الآداء، وفي
العزف على آلة (السمسمية) التي رافقته طوال مشوار حياته الفنية والغنائية،
والذي أمتع خلالها جماهير الباديه غرباً وشرقاً، فعشقوا فنه ونبرات صوته
العذب الدافيء، الذي يحمل في داخله عبق الصحراء وصفو سمائها ونقاء نسماتها
العليلة، ذلك هو الشيخ صديق بوبكر عبدالعزيز غيث البرهومي، شيخ المطربين
البدو، وأستاذنا جميعا، والذي لقب بـ (بوعبعاب) نسبة لأغنيته الشهيرة التي
بدأ بها حياته الفنية الحقيقة، والتي يقول في مطلعها:
تعال خبر يا بوعبعاب .. أنت صادق مانك كذاب
والمقصود هنا بـ (بوعبعاب) هو طائر الهدهد المعروف لنا جميعا، فقد استخدمه
كمرسال بينه وبين محبوبته، لمصداقيته وسرعة ترحاله وسفره، والشيخ صديق انفرد
بلون غنائي متميز بمصاحبة آلة السمسمية، بالرغم من أنها آلة سواحلية الهوية،
إلا أنه استطاع بعبقرية أن يطوعها لآداء ألحانه البدوية، والغناء على نغماتها
الرقيقة، وصنع تاريخ غير مسبوق في هذا اللون الفريد، وذلك يرجع لحسن اختياره
لما يغنيه من كلمات، وحسن آداء، ساعده عليه مخارج ألفاظه الصحيحة، والتي
اكتسبها من قراءته للقرآن الكريم، وتجويده له، حيث أنه بدأ حياته قارئا
للقرآن، ومقيما للشعائر بمسجد بحي وادي القمر، بمنطقة المكس غرب الإسكندرية.
|
 |
|
|
عبدالمنعم مرسي |
|
|
|
|
الشيخ صديق رغم أنه كان مكفوفا،
إلا أنه كان يتمتع بحس عال جدا وبذكاء فائق، وكان أيضا يتمتع بخفة ظل ليس لها
مثيل، حيث أنه كان يداعب جماهيره بتعليقات كوميدية ساخرة أثناء آداء وصلاته
الغنائية، وكانوا يعشقون تلك الداعبات والقفشات المهذبة منه في حفلاته
الغنائية، وكانت تصاحب الشيخ صديق في حفلاته فرقة صغيرة جدا مكونة من آلة
الكمان ودف بندير والإيقاع والطبلة، والتي كان يعزف عليها الفنان حامد
عبدالمنعم مرسي (ابن عمه)، والذي رافقه طوال حياته وحتى رحيله، وحامد هو ابن
الشاعر الكبير ومؤلف جميع أغنيات الشيخ صديق الراحل عبدالمنعم مرسي غيث
البرهومي، والذي كان يطلق عليه أمير شعراء البدو، وللشيخ صديق أكثر من 50
ألبوم غنائي بدوي، يحوي روائع جميلة من إبداعات ومن كلمات الشاعر العملاق عمه
عبدالمنعم بومرسي، وقد ظهر بعد رحيله ابن عمه الفنان الشاب لطوفة البرهومي،
والذي سار على نهجه وأسلوبه، سواء مطربا أو عازفا على آلة السمسمية. نتمنى له
دوام التوفيق والنجاح، وأن يكون خلفا حقيقا وامتدادا مشرفا للمدرسة التي
بدأها الشيخ صديق بوعبعاب.
|
 |
|
|
حامد عبدالمنعم مرسي |
|
|
|
|
ولأنني من جيل الوسط، فقد كانت
تربطني بأستاذنا الكبير علاقة طيبة وصداقة قوية جدا، وكان من أشد المتحمسين
لي كفنان، ومعجب بأسلوب آدائي جدا، ومؤمن بعملية التطوير في الموسيقى البدوية
التي كنت قد بدأتها بالفعل حينذاك، وقد قام الموزع الموسيقي حميد الشاعري في
بدايات ظهوره كمطرب، بغناء وتوزيع إحدى روائع بوعبعاب وهي أغنية (وين أيامك
وين، يا غايب ع العين)، وقد لاقت نجاحا كبيرا جدا، وللشيخ صديق بوعبعاب
أولاد، وللأسف لم نر منهم أحدا في مجال الغناء بعد رحيله عن عالمنا، ولكن ما
تركه لنا هذا العملاق الكبير من تراث غنائي هائل يجعلنا نترحم عليه ونقول
جميعا في صوت واحد: (الله يرحمك ويرحم زمن الفن الجميل)، و (وينك يا ملك
السمسمية)، وإلى اللقاء مع فارس آخر من فرسان الفن البدوي الأصيل. |