* بشر يقطنون صناديق من الخشب
والصفيح.
* على مرأى الجميع وعلى جانب
الشارع الرئيسي.
* أطفالهم يلهون بقرب كوابل
الكهرباء المكشوفة.
* القوارض والحشرات تتحداهم
وتطالبهم بالخروج لأنهم بشر.
عند
أهم جزر الدوران في الشارع الرئيسي بمدينة طبرق، وفي مدخلها
الرئيسي من جهة الشرق، يلفت نظر المار من الطريق الرئيسي
تجمع سكني غريب مساكنه قديمة تتكون من خشب متآكل وصفيح أكل
الصدأ أغلب أجزائه، تحيط بها أكوام من التراب وبقايا الأحجار
ومخلفات البناء، تزحف نحوها بشراهة غريبة أكوام القمامة سادة
كل المسارب المؤدية إليها، فيضان المجاري الرئيسة أغرقها
بمياه سوداء نتنه وخلف أنواع من الحشائش غريبة ترتع فيها كل
أنواع الحشرات والقوارض والضفادع لتغزوا في الليل هذه
المساكن البائسة.
ورغم أن المار على
هذه البقعة لن يخطر بباله وجود بشر فيها، بل سيأخذه التفكير
بأن هذه المساكن أبقت عليها السلطات المحلية في مدينة طبرق
كنوع من التذكار لمرحلة وكرمز لحالة سيئة مرت بها المدينة،
وتم الإبقاء عليها كي لا ننسى كيف كنا، بينما إن اقتربت من
هذا التجمع سترى العجب العجاب وهو أن بشرا ليبيين يقطنون هذه
الصناديق المتآكلة، فماهي قصتهم وكيف ارتضوا بالعيش فيها.
حملت (كاميرتي)
وحقيبة أوراقي قاصدا هذا التجمع البائس للوقوف على قصتهم
وأسباب سكنهم هذه الصناديق الغريبة، أسئلة مشاكسة دارت بذهني
وأنا في الطريق إليهم.. ماذا لو لم يتعانوا معي ؟.. ربما
سيقولون لي طرحنا قضيتنا على كثير من المسئولين ؟ وكثر قبلك
قالوا سنكتب عنكم.. فهل بضعة سطور وعدد من الصور يحلون
مشكلتنا ؟.
وقبل
أن أبدأ في تجهيز ما يقنعهم بضرورة الحديث لصحيفة قورينا،
وجدتني أقف أمام باب أحد المنازل، وبمجرد أن وقفت السيارة
خرج شاب في وسط الثلاثين من العمر، اتجه ناحيتي، وبعد أن
عرفته بنفسي والهدف من الزيارة أبدى ترحابا كبيرا وبدأ في
سرد قصته.
خليل حمدي علي،
اسكن هذا الشيء الذي تراه أمامك منذ العام 1998، أسرتي مكونة
من خمسة أفراد، أشتغل معلم بقطاع التعليم في مدينة طبرق،
بصراحة وضعنا فاق البؤس وصفا، وأستطيع أن ألخص لك معاناتنا
بأن البشر يهجعون في الليل وهو عندهم للراحة، أما نحن فهو
عندنا للقلق المستمر، فبمجرد أن تغيب الشمس، تبدأ قوافل
البعوض في الهجوم علينا، ناهيك عن القوارض التي تتحدانا
وبقوة وكأنها تقول لنا هذه الأمكنة ليست لكم أيها البشر، بل
قد يستغرب من يقرأ هذا الكلام بأن الضفادع تقطن معنا هذه
الأمكنة.
طلبت من الأستاذ
خليل أن يعرفني على بقية السكان، حيث وجدنا المواطنة جميلة
عبدالله محمد مطلقة تقطن مع أطفالها الصغار مسكنا في غاية
البؤس جدرانه متآكلة وسقفه لا يخفي الكثير مما فوقه، تعمل
موظفة تقول قدمت كل ماطلبوه مني، جهزت كل الأوراق وزرت كل
الجهات لكن دون جدوى، والشيء الذي يحز في النفس أن هذه
المساكن ليست مربوطة بالمجاري الرئيسية، كما لا توجد بها
أبار سوداء لحفظ مياه المجاري، بل حفر سرعان ما تمتليء وتفيض
بكل الروائح والقاذورات.
علي سالم
عبدالمولي : يعمل في قطاع الآمن العام يسكن في هذا التجمع
منذ عام 1998 يعاني هو الآخر من سوء وضع مسكنه، حاول الحصول
على قطعة أرض وقرض، لم يتحصل على أي منهما، أتعبه كثرة
المستندات والتي يمتلئ بها هذا المسكن المتهالك.
ومن خلال الحديث
أخبروني بأن أحدى الساكنات في هذا التجمع كاد أن يقع على
رأسها سقف المنزل، ولولا عطف الله ولطفه لقضي عليها، طلبت
مقابلتها ودخلنا عليها منزلها فوجدناه صورة مكررة لكل منازل
هذا التجمع، قالت لنا المواطنة غالية الداره يونس : أسكن أنا
وزوجي هذا السكن منذ عام 2003، تقدمنا بكل المستندات لكل
الجهات على أمل الحصول على سكن ملائم، ولكن لاتزال أمانينا
حبيسة صدورنا مثلما أوراقنا حبيسة أدراج المسئولين.
طلبت
منها أن تحدثنا عن قصة وقوع سقف البيت عليها وإصابتها قالت:
هبت رياح ليست
بالقوية أو المؤثرة، لكن نظرا لضعف أسطح هذه الصناديق تحرك
السطح واهتز وتخللت بعض الألواح في السطح ووقعت منها أحدى
الأخشاب القوية وأصابتني ولولا قدرة الله لكنت في مكان أخر
ليس هذا المكان.
عائشة محمد
المبروك : مواطنة تعاني من وضع السكن المزري، يضاف إليه
معاناة إنسانية أخرى فهي متزوجة من رجل سوداني الجنسية،
وجنسية زوجها سببت لها مشكلة مع الجهات الرسمية في التعامل
والحصول على سكن أو قرض، ولكن من جهة أخرى قالت أن المواطنين
الذين يؤجرون مساكنهم للعرب والأجانب يتحاشون أن يؤجروا
مساكنهم لليبيين وزوجي طبعا ليس ليبي فهم يؤجرون له، وما أن
يعرفوا أنني ليبية حتى يطردوننا من المنزل، لذلك ارتضيت
السكن في هذا الصندوق حتى لا أضطر أن أتحول كل أسبوع لمسكن.
آخر
حواراتنا مع الأخ فرج عبيد محمد : الذي أكد لنا بأن معاناتهم
غريبة فقد وصلت إلى أن يقسموا أنفسهم إلى نوبات حراسة لمحيط
هذا المعسكر الصغير، والحراسة بسبب شيء لا يخطر ببال البشر،
وهو أن المارين بهذه المدينة خصوصا الرحلات الكثيرة العدد
عندما يمرون بهذه الخرابات يظنون أن لابشر فيها فينتشرون
بغية قضاء حاجتهم بين أزقتها، ونظرا لأننا لا ينقصنا أوساخ
وقاذورات صرنا نلفت انتباههم بكافة الوسائل أن هنا يوجد بشر،
كما أخبرنا بأن الخط الرئيسي للمجارير يمر بالقرب منا وعندما
تقفل غرفة التفتيش القريبة منا نصبح مسرح لفيضانها الذي
يستمر لعدة أيام.
وفي ختام جولتي
بهذه الصناديق الغريبة المحتوية بشرا غاب عنهم أقل ما يمكن
للبشر أن يتحصلوا توصلت معهم إلى أنهم يعانون إهمالا واضحا
وهم بحاجة لبعض الأمور منها:
تسكن هذا التجمع أسر في حدود الثمان أسر وهو عدد صغير وسهل
التعامل معه ويمكن لعمارة واحدة أن تستوعبهم، وفي فترة ماضية
وزعت شقق عمارات الضمان على أناس هم أفضل حالا منهم ورغم
قربهم منها إلا أن من وزعها تجاهلهم تجاهلا تام.
أكد هؤلاء السكان
على أن الكثير من المسئولين زاروهم لكن لم تظهر نتيجة لأي
زيارة من الزيارات وأخر المتعهدين بحل مشكلتنا بعض المسئولين
من مصلحة الأملاك بطبرق ونأمل أن يوفوا بتعهدهم.
بعضهم منحت له
قروض إسكان من المصارف التجارية، لكن المبالغ لم توف بناء
المساكن حيث منحوا مبلغ 17 ألف دينار وفي ظل الأسعار الحالية
لم يستطيعوا إكمال بناء مساكنهم، بل أن المصارف صارت تستقطع
من رواتبهم الأقساط مما شكل عبئاً إضافياً عليهم.
ختاما نأمل اتخاذ
حل سريع وعاجل وحاسم من الجهات ذات العلاقة لهؤلاء
المواطنين، أبناء هذا البلد الطيب والذي اقتصاده بألف خير
ولا يحتاج أن يقطن مواطنوه صناديق من الصفيح والخشب شيدت
لعمال شركة من فترات تفوق الأربع عقود، خصوصا أن المواطن
أصبح يدرك أن هذه المدينة جاءتها فترة قسمت ميزانيتها ذات
ليلة ولم يستفد منها المواطن في شيء.
* هذا الموضوع نشر سابقا في صحيفة
(قورينا)
نقلا عن موقع:
السلفيوم
|