كثيرا ما تراودني
فكرة التوقف عن الكتابة، ونبذ كل ما يمت لها بصلة من قراءة و
متابعة للصحف والمجلات، والسعي وراء الكتب ومعارضها،
وملتقياتنا الثقافية والإعلامية، وبالتالي توطنت في عقلي
حالة من الكره لاختياري هذه الهواية والتي تحولت إلى ما يشبه
الاحتراف المغلف أسوة بالاحتراف المتبع في الدوري الليبي
لكرة القدم.
بهرتنا الصحافة
والكتابة ببريقها اللامع وأهدافها الرائعة المتمثلة في
الكلمة الصادقة والبحث عن السلبيات لمحاربتها، والإيجابيات
لدعمها، لكن مع دخولنا لهذا البراق من الخارج، بدأت عقولنا
وحواسنا تدرك ما تعتمر به دهاليزه، صرنا نتمنى لو أننا لم
نتعرف على هذا المجال والذي مع كل يوم يمر، بل وفي كل لحظة
نعيشها في أروقته تنبري لنا ألف معضلة ومعضلة.
لماذا أكتب إذا ؟
ولمن ؟ وإلى متى ؟ وماذا حققت من الكتابة ؟ وهل تستحق كل
أدواتنا الإعلامية التي نعمل بها أو نتعاون معها كل ما نبذله
من جهد ؟ وهل لهذه الوسائل رؤية واضحة أسوة بما للوسائل
الإعلامية من رؤى في باقي أنحاء العالم.
أسئلة تدق أم
الرأس من داخلها، ووقعها أشد من وقع ألف مطرقة على أم الرأس
من الخارج، لأن الأخيرة وقعها ينتهي بمجرد وقوعها فهي تقضي
على صاحبها ولمرة واحدة، أما الأولى فهي تستمر في القضاء
عليك بتمهل غريب.
ومع هذا لم نستطع
فكاكا من هذا الهم لأننا عشقنا الكلمة، وبالتالي صرنا أسرى
حبها القاتل، وصرت وصار الكثيرون مثلي في مغالبه تعبهم،
يواصلون رغم الإحباط والمعاناة في رسم كلماتهم، رغم أن أغلب
أدواتنا الصحفية والإعلامية الليبية لا زالت تسير سير
سلحفاة، وهي ليست بقدرة تلك السلحفاة التي سابقت أرنباً
وسبقته، بل مثل سلحفاة تسير وتعيش وسط أكمة من الأعشاب
والخضرة ولذلك لا يثيرها شيء لكي تسابق الآخرين فهي شبعى ولا
داعي للتعب.
إن صحفنا الليبية
ورغم مرور عقود على تواجدها لازالت بنفس النمط فهي عبارة عن
نشرة لما تتناوله الوكالة الرسمية ( أوج ) وتشترك معها
التلفزة الرسمية وإذاعتها كذلك، وصار بمقدور المتابع أن يقرأ
العناوين أو يستمع إليها مرة واحدة تغنيه عن متابعة الباقي.
ومع تطور العالم
وغزو المعلومة لعقل الإنسان في كل مكان يجب علينا تغيير
النمط السائد عندنا الآن، وليس بالضرورة أن نتطور وفق رؤى
وتوجهات صالحة لمجتمعات ودول نختلف معها في المعطيات
الحياتية والدينية والأخلاقية، بل نريد لقنواتنا الإعلامية
أن يكون الصدق والحق ديدنها، وأن تسعى لكسب ود القارىء الذي
أصبح يختلف كل يوم في فهمه وتفكيره عن اليوم الذي سبقه، وصار
لزاما أن نتناول ما يهمه في حياته اليومية وإبراز معاناته
وفق قيمنا والمحافظة على بلدنا، وليس معنى أن تكون لنا صحف
خاصة أو لا ـ تتبع الدولة ـ أن يكون لنا أراء ضد كل ما هو
رسمي، بل الأمر كما قلت ينبع من المصلحة الوطنية والتي تهمنا
جميعاً ولا يوجد فرد أو مجموعة أو هيئة أي كانت تبعيتها تقول
لي الحق في الوصاية على مصلحة الوطن والمواطن.
كما لا ننسى أن
الفترة السابقة أخرجت لنا الكثير ممن ولج مجال الكتابة
والإعلام بكافة أشكاكة، لا يملك من الأدوات إلا شكر هذا
القطاع وهذا الوزير وذلك الخفير، تراه يجري وراء عقد صداقات
تخلفها صفقات، يريد أن يراسل كل المطبوعات، ويستحوذ على كل
الأمكنة، ديدنه خداع الآخرين وكسب ودهم بطريقة دخيلة على
الوسط الثقافي بل دخيلة على أخلاق الليبيين.
نريد إعلاما يعيش
مع المواطن في كل بقاع الوطن يدرك معاناته وينبذ كل ما يمارس
في حقهما من أخطاء، وأعتقد بأن الوقت حان لمراجعة كل أدوات
تعاملنا الإعلامية مع المواطن، ولم تعد قصة الإعلام الرزين
والملتزم تنطلي على المتابع، لأن مع الرزين والملتزم لابد أن
تكون هناك أدوات جذب لكي يتابع المتلقي هذه القنوات، أما أن
تكون لنا قناة تلفزية ترفض التعامل مع التقنية الحديثة حفاظا
على التزامها فهذا أمر لا يستسيغه حتى الطفل الذي لم يدخل
مرحلة الدراسة بعد، وأن تكون لنا صحف عبارة عن نشرات مستنسخة
عن بعضها فهذا أيضا ضحك لم يعد ينطلي على أحد.
نقلا عن موقع:
السلفيوم
|