05/10/2007
 

القبيلة دور اجتماعي يوحد طوائف المجتمع أم رؤية قبلية تفرق المجتمع
بقلم: عبدالعزيز الرواف - عن موقع: السلفيوم

 لاشك أن القبيلة كرابط اجتماعي تعتبر قناة مؤثرة ووسيلة قد تساعد الدولة في تخطي الكثير من الصعاب في تطبيق نواحي عديدة من الأمور الحياتية، مثل القانون، وتسيير الحياة اليومية في الشارع الوطني، وتكون لُحمة تسهل من التقاء أبناء المجتمع على ما يشبه الدستور الغير مكتوب، يحفظه الكل ويطبقه الكل وفق آلية شعارها أن لا أحد فوق العادات والأخلاق ودرب أجيال عديدة عاشت على هذا النمط.
 
لكن ما يعيب هذا الدستور القبلي أنه غير قابل للمناقشة في بعض مواده الغير مكتوبة أيضا، كما أن اختلاف فهم وسلوكيات بعض من أصبحوا أوصياء على تنفيذ هذا الدستور وهم ليسوا بقوة وفهم أولئك الذين سيروا القبيلة في أوقات كان لغياب المؤسسات المدنية في الدولة أثراً كبيرا في وجود هذا البديل.
 
العرف الذي سنته القبائل عندما كانت ليبيا ترزح تحت نير الإهمال العثماني، كان من الأمور التي فرضها الواقع، وكان لابد لسكان هذه البلد من إيجاد دستور يتعاملون به، ولذلك فرضت عليهم الحياة نمط ذلك الدستور، حيث حددت أراضي كل قبيلة كي ينعموا بالهدوء والسلام وسنت عدة ضوابط لجرائم القتل على ندرتها، وكل ما يتعلق بأمور الحياة والملاحظ لنمط مواد هذا الدستور غير المكتوب يلاحظ أنه يتوافق مع عقلية البشر ونمط الحياة في تلك الحقبة، ويقبل به الكل أغلبية وأقلية، لأنه يحفظ حقوق الجميع، فلم نسمع عن شكوى أو سخط من حكم أو إجراء أتخذه عقلاء وحكماء ذلك الوقت.
 
الآن يلتجيء الكثير ممن فقدوا مؤهلات الزعامة على كافة الصُعد لتجنيد القبيلة كحزب بشكل اجتماعي يمتطونه لتنفيذ مآرب خاصة بهم لا يستطيعون بقدراتهم العلمية أو الأخلاقية الوصول إليها، مستغلين الحمية الاجتماعية لدى أغلب الليبيين فيما يتعلق بالقبيلة، واستطاع هؤلاء القلة أن ينشروا بين الليبيين خصوصا في الأمكنة التي تشكل القبائل فيها ثقلا معينا أن ينشروا بينهم ما يشبه الصراع السياسي أو الطائفي، بل البعض استطاع أن يحيد بفكرة القيادة الاجتماعية عن مسارها، وبذلك أصبحت القبيلة سيفا مسلطا على رقاب مؤسسات الدولة الرسمية والمدنية والأخيرة (على قلتها).
 
الآن وصلت في بعض جامعاتنا أن تقبل في الكليات المهمة على خلفية قبلية، وأن توفد للدراسة العليا عليها، وإذا كنت من قبيلة قليلة العدد فأنت مثل الأقليات في بعض البلدان الطائفية أو العنصرية، لا تستطيع أن تتكلم في المؤتمر الشعبي، أو أن تقدم أوراقك للتصعيد حتى ولو كنت أكثر المتقدمين خبرة ومؤهلات، لأن هذا المؤتمر أو ذاك يقع في نطاق القبيلة (س) أو (ص).. وإذا تجرأت فإن ردة فعل الحزب القبلي القوي تبدأ بأمر بسيط وهو أن يذهبوا إلى أسرتك لكي يوقفوا اعتداءك على حقهم حسب وجهة نظرهم وتنتهي بتهديدهم بأمور عديدة أهونها أن يتم ترحيلهم من منطقة نفوذ هذه القبيلة حتى ولو كنت تسكن أنت وجدودك هذه المنطقة قبل أن يولد جدهم الأول.
 
الشيء الآخر والغريب أن في بعض مدن ليبيا ومناطقها، أصبح طابو الإثبات من العهد الإيطالي هو الذي يعترف به ويقدم على أنه الإثبات الذي لا يرقى إليه الشك في إثبات حقوق البعض الواهية في امتلاك الأراضي والعقارات، ناهيك عن ظهور أصوات خافتة بعض الشيء الآن لكنها إن استمرأت هذا الهدوء من أبناء الوطن سواء على مستوى الدولة أو حتى على المستوى الشعبي فإن مطالب هذا الأصوات الخافتة بتمييز بعض القبائل على الأخرى سوف يقوى ويصبح تياراً عنصرياً مقيتا يضرب تماسك هذا الشعب الطيب.. واستغل البعض سيطرة العرف البالي في بعض جوانبه وتفسير خبراء العرف الحداثيون الطامحون لزاعمة لم يستطيعوا نيلها بكفاءةٍ أو بعلم.
 
الآن لايمكن أن نعيش وفق مواد دستور مضت عليه أكثر من أربعة قرون، لم تتجدد مواده، ولم تتأثر بما طرأ على العالم من تغيير، بل أصبح يشدنا للخلف دائما، لأن من تبوأ سدة القيادة والمشيخة الآن لم يعد أغلبهم بحنكة أولئك البشر الذين ينظرون للصيت والسمعة والنخوة، ومصلحة الضيف والضعيف والفقير، بل أصبحت رؤيتهم التحكم في الآخرين وزرع الفرقة بين الأسرة الواحدة ثم العائلة والقبيلة، وإذا لم يوقفوا قد يصلون لزعزعة وحدة أبناء ليبيا الذين يحتفظ لهم التاريخ بشيء قد لا نجده عند أي مجتمع وهو نقاء سريرتهم وتآلفهم والتقاءهم على قلب رجل واحد، لذلك لابد لنا من عمل يوقف جنوح بعض القبليين الذين هدفهم زعامة مغلفة تحت عباءة القبيلة، كما نتمنى أن تكون القيادات الشعبية أكثر تفتحاً وتحضراً ومدنية بحيث تستوعب غلو البعض في تفسير الانتماء القبلي كي لا يطغى على الانتماء الوطني، أيضا نتمنى عدم السماح لخروج مؤسسات مدنية تحت عباءة القبلية لأنها ستشرع الأبواب لدخول هذا المرض (العنصرية القبلية) عقول الجيل الجديد، واستبدال أي مؤسسات قامت على هذا الأساس بمؤسسات مدنية تقوم على مشاركة الكل دون النظر لهوية اجتماعية أو مكانية.
 
لقد طال التخلف الناجم على وصول القبليين لمؤسسات الدولة كل مناحي الحياة، الشرطي يقول لك لن أستطيع القبض على فلان لأنه من قبيلة المسئول الفلاني، القضاء أصبح دوره يتلاشى في بعض المشاكل فاسحاً المكان للجان فض المنازعات والتي بدورها تنظر لاعتبارات اجتماعية منها حل المشكلة بالتراضي ويكون هذا التراضي عادة بين زعماء القبائل مع عدم الاهتمام بحالة المشتكي أو المظلوم الذي وقعت له المشكلة أو أحاق به الظلم.
 
نحن هنا لا نطالب بإلغاء القبيلة كظاهرة اجتماعية، لأن من يطالب بهذا الأمر إما أن يكون قادما من كوكب أخر أو فقد عقله بكل تأكيد، لكن لا نريدها أن تكون شعاراً يحدد هوية المواطن الليبي يحاسب على أساسها ويكافأ على أساسها، ويصل لسدة المسؤولية وفق ثقلها أو كثرتها.
 
نريد من القبيلة أن تفسح المجال لمؤسسات الدولة الحديثة وفق نمط واضح يحدد بمعايير وأساليب علمية حديثة يحددها توافق تضعه مؤسسات الدولة وخبراؤها، أما ما يحدث الآن من اتفاق (المرابيع) حول توزيع أماكن السلطة في ليبيا وفق التكتلات الحزبية الكبرى (القبائل) فهذا أمر سيقودنا إلى الرجوع إلى الخلف مئات السنيين، لأن المتابع للوضع الإداري على مستوى الدولة الليبية يجده في كل يوم يتأخر للخلف بدل أن يسابق الزمن ليكسر حاجزه الذي يفصلنا عن الآخرين.
 
لذلك يجب أن نتقبل الدخول في عالم اليوم بمؤسساته التي تنظر لمصلحة الوطن والمواطن وفق رؤية متساوية تحفظ للمواطن خصوصيته الاجتماعية وفي نفس الوقت تلزمه باحترام مؤسسات الدولة وتشريعاتها ولكل من لا يعجبه مثل هذا الكلام أقول له تأمل التاريخ على طوله ستجد أن لا دولة أو أمة حافظت على تواجده وسارت بقوة في دهاليز الحياة والتاريخ وهي مفككة الانتماء تسيطر عليها الطائفية أو الشللية أو القبلية لأن هذه الأمور تجعل كل مجموعة تعزف لحنا منفردا لا يتناغم مع باقي المجموعة لتكون في المحصلة دولة نشازاً يتنساها التاريخ بسهولة.
 
نقلا عن موقع: السلفيوم - 3/10/2007

 

libyaalmostakbal@yahoo.com