08/06/2006


      


 

 

صديقي (ضيف الغزال) شهيد القلم والوطن

 

عبدالقادر الدرسي


 

الذكرى السنوية الأولى
 

مرت سنة كاملة منذ آخر عشاء لنا معا، وبالطبع كانت الفرص قليلة جدا حتى نناقش همومنا اليومية في ظل العسرة التي تصطدم بوجوهنا في كل يوم.

تذكرت يوم عملنا من أجل جمعية هناء لرعاية الأيتام في بنغازي، وكيف رحبت بالشباب عندما أعددت أمسية شعرية وأدبية تحت إسم (النجع والأصالة)، وحين شددت على يدي بترحاب بدوي، طالما شعرت من خلاله قوة وأفق تلك اليد .. كانت ليالي الحب والاحترام هي ما تميزنا عن بعضنا البعض .. والآخر الذي يكن لنا الحقد على الحركة والحب الجميل الذي نسج ود إنساني.

هل تذكرت عندما كنا نعمل فكرة لنص مسرحي .. من كان يعلم انك كاتب مسرحي مميز تكتب بقلمك إحساس ومعاناة الآخرين، وجعلت نفسك طريقا للخير .. من يعلم أنك تجمع في صدرك أبيات شعرية من (كلام الأجواد)،
وتلقي بالغمزات الساخرة، ولكن بقلب أبيض لطالما افتقدته هذه الأيام، والصراع بين الكتاب على أشده.

ترى هل تصل رسالتي إليك، وتستطيع أن تسمعني، وأنت في ذلك القبر وحيدا عاجزا عن الحركة، بلا ثياب .. بلا أنيس .. بلا صديق .. بلا حب .. نحن نفتقدك، وخلوتنا تسأل عنك .. أين ضيف الغزال؟ أين؟.

قتلوك بدون سبب، ومت في مدينتك هكذا بلا سبب. أبدا لم تكن كبش فداء، ولم تكن شيئا مما نشره الأغبياء. أنت صديقي الذي أعرفه أكثر من أهله. يشهد علينا عملنا الصحفي طوال سنين في صحيفة الزحف الأخضر، ونحن نرتب كلماتنا على الورق، وأتذكر الشاهي، وكسرة الخبز الجافة عند إفطارنا في الصباح بالصحيفة، حين كنا لا نملك ثمن السيجارة، وتعرّف جسدانا علي نوعية واحدة من الملابس، ولم نعرف أي حلاق خصوصي سوى بالمقص، ولم نعرف أي سيارة فارهة، بل صحتنا وقوة الأحذية التي نعرف أنها صناعة وطنية، فلا نملك ثمن الحذاء الإيطالي أو الفرنساوي أو حتى المغربي. وحين كنا نتسكع في شوراع بنغازي، ونحتسي الشاي الأخضر في قهوة سوق الحوت، وتقول لصديقنا محمد المرغني "يا محمد شنو رأيك نمشو عند خوك الدرسي في درنة، آهو تغييرت جو". فيبتسم المرغني، ويقول في سخرية معتادة: "بيش نمشو؟ بالفراري ولا بالمرسيدس". وحين كنا نحاول التسلل إلى عمارة أمانة الإعلام ببنغازي، ذلك المبني الشاهق الذي كانت تسيطر عليه مجموعة من الأسماء الممنوعة من التدوال بين الكتاب الشباب، فهي الصخرة العالية التي لا تنكسر!.

هل تذكر حين تتعطل سيارة المرغني في أوقات غير عادية، وننزل من السيارة في منتصف الطريق، ونحاول أن (نشحت) بنزين من أي أحد، والعرق يتصبب من وجوهنا بقوة في الصيف، وفي الشتاء يكتمل المطر على ظهورنا، فتتحرك نحوي وتقول لي بكلمات لا تزال حية في ذهني ووجداني: "خش يا عبدالقادر السيارة، أنت صحتك بلهون ديما .. أنا والمرغني متعودين عليها".

هل يعلم الأصدقاء أن الغزال كان صاحب نكتة رغم العسر الشديد الذي يعيشه في كل يوم، ولا يملك ثمن سيجارة!؟ هل يعلم أولئك المجرمون الذين تسببوا في قتله بهذه الصورة الشنيعة أنهم قتلوا فينا الإنسان، وأنهم قتلوا فينا الإحترام. كان ضيف فارس الفرسان. مات ضيف بلا سبب يدعو للقتل. مات وهو يعض على شفتيه قهرا من سطوة القهر الذي عاشه سنين، وقدر الموت الذي جعله يذهب هكذا سرابا، ونتيجة لتصرفات غير مسؤولة من حثالة المدينة التي تجمع النقاء والقذارة في مكان واحد.

مات الغزال .. أنا يا ضيف، وأرجو أن تسامحني فلم أسطع حضور الجنازة، ولم لأستطع تقبل العزاء فيك إلا ثالث يوم، عندما علمت بأنك رحلت عن عالم السوء، وأن جثتك احتوتها الأرض إلى الأبد، وأن كفنك الأبيض الذي كان غطائك الوحيد، كان هو رفيقك البسيط إلى عالم الآخرة. كانت دموع التماسيح تذرف من عيون الآخرين، وكان أصدقاؤك يبكونك في صمت، وكانت العذراوات يصرخن في صمت، وتاه قلمك الذي طالما كان خير رفيق في صحراء الظلم. لم تغب عنا يا صديقي أبدا. صورتك مزدهرة دائما، ومن نسي ضيف الغزال فقد نسي أن هناك رجلا بطلا، ورجلا شجاعا، ورجلا إبن بادية طيب المعشر .. مات .. فقط .. مات ولا شيء آخر.

مرت سنة كاملة، وأعتقد أن أهلك يفتقدون عزيزا وإبنا حقيقيا يفتخر به .. أنت فعلا إبن ليبيا الحقيقي، مهما تم تشويهك، ومهما تم أخذ صورتك رمزا وطريقا .. نحن نعرفك جيدا، والعالمين أيضا .. كل شوراع بنغازي تسأل عنك .. أين أنت؟

دعني أخبرك، بل أهمس لك في أذنك الصغيرة بأشياء كبيرة جدا. ربما لم تستطع الملائكة أن ترسلها لك، ولكني أعتقد أنني أستطيع أن أفعل ما لم تفعله الملائكة. لقد حدث الكثير، لقد برزت صورتك في كل شاشات العالم
مرفوع الهامة. لقد تحدثت عنك الصحف العربية والأجنبية، وكتب إسمك بكل اللغات. لقد شهد مأتمك الناس من كل أقطاب الدولة، منهم من لم يسطع فاكتفى بالدعاء، ومنهم من حضر على حسابه الخاص، وبكت نساء بنغازي وكل مدن ليبيا ضيف الغزال، ونعلم مدي حساسية الكلمة ليبية "يا نويرتي عليه، صغير والله". كانت بنغازي هي التي تستقبل العزاء في فقدان إبنها.

رحلت في صمت كما عشت تضحي في صمت. كنت تقول دائما بإبتسامة شفافة: "سوف تتحسن أحوالنا، وتلتفت إلينا القيادة، وتعلم الفرق بين الشرفاء وبين الأدعياء. يكفي أننا نحمل في قلوبنا وطن".

هل تعلم قصتي مع حبي القديم؟ هل تعلم كيف هربنا من الحب لأن الحب يريد مالا، ويريد صراعا. ولكننا لا نملك حتى ثمن القوت اليومي في ظل الأموال التي تصرف بلا حساب إلى لا حساب.

أنت تعرف عندما اتفقنا على محاربة الفساد في بنغازي، وعندما رفعت فيك خطوط طيران بنغازي دعوة بسبب أنك فاسد، وهي الشركة العفيفة. هل تعلم ماذا قلت لي: "يكفيني شرفا، أن أقف في ساحة القضاء، وأن يكتب قلمي ما عجزت عنه مؤسسات الدولة. نحن الشرفاء في زمن غاب فيه الشرف".

هل تعلم عندما تعرضت الصحافية الهونية لمضايقات وتهديهدات من الهلال الأحمر الليبي ماذا قلت عن الأمر: "نحن نكتب ونعري الواقع، وكفاحنا من أجل الحق هو الحق".

هل تذكر عندما حاول أحدهم في شركة الأسلاك في بنغازي آنذاك أن يرشيك بمبلغ 5000 دنيار حتى تبتعد عنهم، ماذا فعلت؟ وأنت مثلنا لا تملك سوى القروش القليلة، وتاريخ مشرف لأجداد كانوا رفاق المختار في الجبل ضد الإيطاليين، وذهبت أرضهم هباء منثورا بعد أن استولى عليها غربان الموت.

هل تعلم عندما تعرضنا لتهديدات بالرسل كيف كنت تقول: "لاعليك، لقد تحول الأسود إلى فئران. نحن الصخرة التي لا تنكسر، نحن الحق"؟.

هل تذكر كم حاولنا أن نبحث عن عمل، فقلت لي إذهب إلى درنة، وكد واعمل فلا كرامة لنبي في وطنه؟ هل تذكر عندما كنت متابع بنغازي لدى مؤتمر الشعب العام، كيف كنت تستقبل الناس بنفس راضية وابتسامة حنونة؟ هل كان يعلم قتلتك أنك شاب كنت تحلم ببيت وزوجة ووطن صالح فقط لا غير؟ أحلامنا كانت بسيطة، بيت، وزوجة، وطن نظيف. لا شيء آخر. هل كان يعلم قتلتك أنك وطني مخلص إلى أكبر درجة يعرفها الآخرين؟ لم تكن تبع لأحد. كنت عفيفا جدا. هل تذكر حينما قدمت إلى بيتي ليلا تستفسر عن وضعي الصحي الذي تعلمه جيدا يا صديقي، وكنت تقول: "يجب أن تخرج وتعالج في الخارج، الآخرين يطلعوا وياخذوا في الدولارات لعلاج الإنفلونزا". كنت أبتسم حين أراك غاضبا، لأنني أعرف مقدار الوطنية التي تتميز بها.

حين كنت ترأس صحيفة (جودايم)، وكنت مع صديقنا الحوتي، وكنت تقول: "يجب أن تكون الصحافة حرة وجماهيرية في كل بيت، وكل مؤتمر"، وبالفعل أصدرت أعدادا، وكنت تقول لي: "يا راجل وطي خشمك معي أنا بس، واعطيني قصة قصيرة لك، بلاش مقالة أدبية. الجو مكسد بكل معي، والحرب تشتغل على وحدة ونص". ولكني لم أشارك معك يا صديقي في الصحيفة، فاغفر لي!.

حين شاهدت صورتك في الشاشات العربية، حملت صورة لك، وذهبت إلى مبنى الإعلام في بنغازي، ومعي تعزية خاصة، وحين اطلع عليها مقص الرقيب قال: "والله يا قدورة ما نقدر ننزلها بكل، ما عنديش تعليمات، مازال صعب". وحين لم تستطع رابطة الصحافيين في بنغازي عمل حتي تأبين بسيط لك، فقد كانت خائفة أن تسقط من العرش، فبئس الرابطة هي.

حين قرأ صديقي العريبي تعزيتي فيك بموقع ( جيل ) قال لي، لقد بكيت بكاء شديدا حين اطلعت عليها، وقال لي: "أنت صديق الموتي". بالفعل أنا صديق الموتي، ذهب كل أحبابي، وتركوني وحيدا. الكل خائف مرعوب إلى حد الموت.

سوف أذهب إلى قبرك وحيدا، وليس معي سوى الذكريات. لا أريد منك شيئا، وأنت تحت الأرض، ولا أريد أن يقول البقية أن لدي فيك (مصلحة). ابتعدت كثيرا عن بنغازي الحبيبة، وذهبت إلى طرابلس أتسول لقمة عيش، ونحن يا صديقي لا نزال نعاني الدعم المعنوي والمادي. أخبرك خبرا أنني سوف أحاول أن أتزوج بعد أن ضاقت بي الأرض، ويجب أن يكون لنا أولاد يحملون قيمة ما نعمل، ويعرف بقية الأوغاد أننا لا نموت، وأن أعمالنا حية لا تموت، وإذا مات منا أحد برز فينا عشرة مؤمنين بواجبنا أمام الله وأمام الوطن.

كتبت عنك العديد من الرسائل يا صديقي تستنجد بسيف الإسلام، والعديد من المنظمات كي يتم كشف الحقيقية عن قصة قتلك ومعاقبة الجناة، وإلى الآن لم تحسم القضية بعد، فمتى يرتفع صوت الحق، وأحضر جلسة محاكمة الجناة، ويتم الحكم عليهم بالإعدام، متى؟

لا يوجد سوى شخص واحد في ليبيا هوالذي يستطيع حسم القضية يا ضيف الغزال، إذا كان البقية لا يستطعيون رفع صوتهم بالحق. نقول لماذا (يا أخ العقيد) لا نستنجد بك أمام قضية صديقنا؟ نريد الحق، ولا شيء غير الحق. مات ضيف الغزال، وهاهي الذكرى الأولى تمر، وكل الأصدقاء في ابتعاد عنك. إذهب يا صديقي، عليك ألف رحمة ونور، وعليك ألف حب واعتزاز. أفخر أن كان لي صديقا عزيزا إسمه (ضيف عبدالكريم الغزال الشهيبي) شهيد القلم والوطن.

أخوك
عبدالقادر الدرسي
بنغازي
24 مايو 2006م

 


عن موقع ليبيا جيل - 5 يونيو 2006


إضغط هنا لإرسال تعليقك على المقال


 

جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع >>>> ليبيا المستقبل منبر حر لكل من يطمح ويسعى لغد أفضل لليبيا الحبيبة

 

libyaalmostakbal@yahoo.com