07/07/2007
 

 
عمـالـة زائــدة أم بــلاد زائــدة
 
بقلم : حمد المسماري
 
عن موقع جليانة - 28/6/2007

 
يـا بـلاداً سرقـت مـن وجوهنـا البسمـة والفـرح والمحبـة، وعلمتنـا كيـف نحتـرف الحـزن والبكــاء.. كفـاكِ عبثــاً بنـا وبأيامنا المترعـة بالشقـاء والنكـد والهمـوم.. ترفقـي بنـا يا ليبيــا قليـلاً نحـن أبنـاؤك البسطــاء المسالمون المعجونون بالطيبـة والخــوف فلـم يعــد بالقلـب ولا فسحـة الـزمـن مســاحـة أخـرى للألـم والدمـوع.
 
أيرضـي مخلـوق عاقـل مـا يحــدث هــذه الأيـام لأعـداد هائلـة مـن الموطنيــن ؟
 
فمـا يعانيـه النـاس مـن رعـب القـرارات الأخيـرة التـي يحاولـون تبـريرها بحجــة الإصــلاح أمــر صـار يستعصـى علـى الفهـم والاستيعاب، وكأنمـا الســادة أصحـاب القـرار ذوو المناصـب العليـا فـي مؤسسات الدولـة الرابضون فيهـا علـى قلوبنـا لعقـود مـن الزمـن أصبـح كـل همهـم التفنـن فـي خـراب بيوتنـا، وكأنمـا لـم يعـد ينقصنــا سـوى أن يرمـوا بنـا علـى الأرصفـة كعمالـة زائــدة قاطعيـن الشريـان الوحيـد "المرتـب" الـذي مـا يـزال يربطنـا ببقايـا الحيـاة الكريمـة فـي مساهمـة صريحـة وناجحــة منهـم لمضاعفـة البطالـة والجريمـة وتفسـخ النسيـج الاجتماعي لهـذا الوطـن، إن كـان السـادة المسـؤولون لا يـدرون بوقـع قـراراتهـم علينـا فتلـك مصيبـة، وإن كـانوا يدرون وغيـر مكترثيـن بنـا فالمصيبـة أعظــم علـى حـد تعابيـر لغتنـا التـي نسميهــا الجميلــة.
 
لا أحـد يرفــض الإصــلاح أيها الســادة لكـن مـن الجنـون أن ترغمونـا بالقبـول بـه علـى جثثنـا كمـا يحــدث الآن، ثـم مـا المبـرر لكـل هـذه القســوة فبـلادنا ليسـت فقيـرة ومواطنونـا وإن كانـوا تعســاء فهـم ليســوا رخيصيـن إلـى هـذا الحــد سـوى بنظـركـم أنتـم فقـط.. أنـا أستغــرب كيـف لا يحــس مـن بيـدهـم القــرار والوظائـف القيـادية فـي بلادنـا بمعـاناة النـاس مـن حولهـم، ألــم يولـدوا فـي شـوارعنـا الترابيـة القديمـة، ألـم يتذوقـوا عصـي فقهـاء الكتـاب فـي جوامـع أزقتنـا العتيقـة، ألـم يرافقـونا فـي رحـلات الربيـع المدرسيـة، ألـم ينصبـوا معنـا الفخـاخ للعصافيـر بـدود الخـرائب، ألـم يعيشـوا معنـا قلـق ليالـي الصيـف أيـام الراديـو فـي انتظـار نتائـج الإعـدادية والثانـوية فـي زمـن كان لدينـا فيـه مدارس وتعليـم جديـر بالاحترام رغـم بـؤس أيامنـا، ألـم يحملـوا معنـا الخبــز للأفـران القديمـة وأطبـاق كعـك العيـد فـي ليـالـي رمضـان الأخيـرة ويضيعـوا "القنـان" فـي العيـن، ألـم تلبـس أمهاتهـم وجداتهـم أرديـة شفيـق ويتبختـرن فـي الشـوارع بعبـاءات الجـربـي مطـلات علـى العـالـم بعيـن واحــدة، ألـم تجمعنـا معهـم ملاعـب الكـرة وكراسـي السينمــا، ورمـال بحـرنا قبـل أن يلوثـوهـا.. ألـم ولــم ولــم....... إذن فما بالهــم لا يكترثـون لنـا ولحالنـا وكأنهـم قـد هبطـوا إلينـا مـن كواكـب أخـرى متناسيـن العشـرة والخبــز والملـح والشرمولـة كذلـك.
 
المـرء أصبـح يشـك فـي انتمــاء هـؤلاء القـوم المتحكميـن بقـراراتهم بمصيـر أيامنـا ولقمـة خبـزنا المغموسـة بالعـرق والهمـوم إلـى تـراب هــذه الأرض الموعـودة بالشمـس الحارقـة ورياح القبلـي، ودكاتـرة المناصـب العليـاء وأبنـاء عمومتهـم الآكليــن الأخضــر واليابـس مـن خيـراتنـا دون أن يكتفـوا أو يقولـوا "الحمـد لله" أو يزكـوا ويتصدقـوا بقـرش واحـد.. زمـان كـان الأغنيـاء معروفيـن فـي كـل مدينـة وقريـة وثرواتهـم معروفـة توارثوهـا أباً عـن جــد، لـم يجمعـوهـا بسرقـة أراضـي المعسكـرات ورشاوى موظفـي السجـل العقـاري، أو إفـلاس المصانـع والشركـات المسروقـة لآخـر مليـم.. كان الأغنيـاء شـرفـاء يعملـون فـي القطـاع الخـاص بعيـداً عـن مؤسسات الدولـة ويساهمـون فـي محاربـة الفقـر والبطالـة، وصدقاتهـم وزكاتهـم تصـل للفقــراء والمحـروميـن لا إلـى عاهـرات زمـن الأمنـاء المصعديـن القادمات إلينـا مـن المغـرب والقاهـرة وتونـس قبـل أن يخلقـوا وضـعاً مـزريـاً دخلتـه عاهـراتنـا الليبيــات علـى أيديهـم بامتيـاز نتيجــة الفقــر والحاجـة دون أن يـراعـوا للوطـن حرمـة أو شـرف أو ضميـر.
 
علـى أبــواب الخـدمـة العامـة وقفــت أنظــر لمئــات المتردديـن بخطـى متثاقلـة، ووجـوه يعلـوهـا الخـوف مـن مصيـر مجهـول.. رأيـت تلـك المعلمـة التـي فارت مـن عينيهـا الدمـوع وهـي تخبـرنـي أنهـا قضـت عمـرهـا فـي تعليـم الأولاد طـوال 25 سنـة، وتعنسـت وهـي تعـول أخـوتهـا براتبهـا الهـزيـل صابـرة محتسبـة، خـرّجـت آلاف الطلبـة والطالبـات لهـذا الـوطـن، ولا يستبعـد المـرء أن يكـون مـن بينهـم بعـض مـن الأوغـاد فـي مناصـب عليـا ساهمـوا بطـردهـا مـن عملهـا بهـذه الصـورة المهينـة.. رأيـت ذلـك المهنـدس الشـاب وزوجتـه المهموميـن بمصيـر قادم أيامهـم، قالوا لـي درسنـا بكـد وتخرجنا بتفوق وعملنـا بضميـر وهـذا مـا كان سبـب إدراج أسمـائنا فـي العمالـة الزائـدة مفضليـن مدراؤنـا علينـا أبنـاء عمومتهـم.. رأيـت ذلـك الشيـخ الستينـي الـذي لـم يعـد يفصلـه عـن التقاعـد والقبـر سـوى سنـوات قليلـة، قـال لـي "أنا مصـاب بالضغـط والسكـر وعـدد لا باس بـه مـن الأمراض الأخـرى بعـد أن أمضيـت العمـر موظفـاً أحتـرم نفسـي وعملـي وبـلادي، ألـم يكـن عليهـم أن يكـرموني بعـد هـذا العمـر لا أن يهينـوني بهـذه الصـورة المخجلـة أمـام أولادي وأحفـادي، وأضـاف قالـوا سيعيـدون تأهيلنـا لأعمـال أخـرى متـى سيحـدث ذلـك بعـد خـراب مالطـا نحـن نعـرف مؤسساتنـا وكذبهـا وسينتهـي الحـال بنا بصرفهـم لنـا راتب شهـر أو شهـرين ثـم ينسـوننا إلـى الأبـد ونذهـب لنبلـط البحـر.. حسبـي الله ونعـم الوكيـل".. رجـل آخـر لـم يفصـح لـي عـن عملـه وقصتـه ردد غاضبـاً "نحـن نطـرد مـن أعمالنـا وغيـرنا غاطـس فـي خيـرها هــي بـلاد مـن بالضبــط السوريين والمصريين والسـوادين يأكلـوا فـي اللحـم الوطنـي ونحـن غالبيـن فـي حـق دجاجـة عنـدها أنفلونـزا، أنديـروا عليـها غدانـا هضـوم يبـو يردونا لأيـام زيـر القـديد".. امرأة خمسينيـة العمـر تـرتدي جـرد مهتـرئ كانـت تـردد بحرقـة واستجـداء وعـدم فهـم لمـا يجـري حولهـا "خمسـة عشـر عامـاً فراشـة بالمدرسـة وبعـدين يقولوا لي خلاص معـش نبـوك ويـن نمشـي بـ 6 عيـال راح بوهـم فـي تشـاد ومالهـم إلا هل المرتـب" عشـرات الوجـوه كانـت تمـر أمامـي يغمـرها الذهـول والحـزن والخـوف مـن مصيـر لا يعلمـه ألا الله مـن محنـة جـديدة وضعتهـم فيهـا القـرارات الإصلاحيـة لجهابـذة اللجنـة الشعبيـة العامـة.. كنـت أقـف هنـاك قـادمـاً لتسجيـل كـلام النـاس وإيصاله عبـر الصحـف لمـن يعنيهـم الأمـر لكـن ثقافـة الخـوف المزروعـة فـي أعمـاق النـاس جعلـت الجميـع يرفضـون تسجيـل كلامهم رغـم الحرقـة والحـزن فاكتفيت بالسمـاع والمشاهـدة ، ولـم ألُم أحـداً فكيـف لهـم أن يثقـوا بصحافـة الكـذب والخـداع فـي بلادنا التـي تصـر علـى أنهـم مواطنون سعــداء رغـم كـل مصائبهـم.
 
ولننظـر للصـورة مـن زاويـة أخـرى، ليبيــا بـلاد تمتــد علـى مساحـة جغرافيـة تبلـغ حوالـي مليونـي كيلو متـر مـربع وهـي مسـاحـة توازي نصـف أوربـا تقريبـاً، حباهـا الله بخيـرات نفـط بلا حـدود، عــدد سكانهـا خمسـة ملاييـن نسمـة، لديهـا 25 وزيـراً أو أميـناً ليـس ثمـة فـرق، وبمقارنـة بسيطـة نجـد عـدد سكانهـا يماثـل عـدد سكان حـي شبـرا القاهـري المنتظمـة حياتهم بمدير حـي لا خمسـة وعشـرين أمانـة، فهـل مـن تفسيـر للأحجيــة..؟
 
فليعلـم مـن بيـدهـم إصدار مثـل هـذه القـرارات الإصلاحيـة الغبيـة وألاإنسانيـة أن ما يفعلونـه ببسطـاء النـاس أمــر منافٍ لكـل القيـم والأخـلاق والضميـر، ولـم يعـد أمامنـا كليبييـن سـوى أن نرفـع شكـوانا إلـى الله ومنظمـات حقـوق الإنسـان الدوليـة ليرحمونـا مـن عبقـريـة أمنـائنـا، وقضـاة محكمتـي الشمـال والجنـوب العادليـن فـي أحكامهـم علـى سارقـي مسجـلات السيـارات وخـراف عيـد الأضحـى، لكنهـم حيـن يتعلـق الأمـر بمثـل هـذه القضيـة سيحكمـون قطعـاً بعـدم الاختصاص كالعادة أن لجـأنا إليهـم.. مـع كـل هـذا لـن نيـأس وسنقـف أمـام قصـور السـادة الأمنـاء لا لقذفهـا بالطـوب بـل لنغنـي منشـديـن خلـف مطربنـا الشـاب عـادل المشيطـي، مع الاعتذار على التعديل في كلمات أغنيته الرائعة لتصبح:
ســوف نبقــى هنـا ... رغــم كــل المحــن
 

جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع >>>> ليبيا المستقبل منبر حر لكل من يطمح ويسعى لغد أفضل لليبيا الحبيبة

 

libyaalmostakbal@yahoo.com