|
ليس النظام فقط..المعارضة أيضاً
في مأزق
عن موقع أخبار ليبيا (من
المنبر)
10/7/2007
|

|
|
اعتاد المتحدثون من المختلفين مع
النظام القائم في ليبيا، وبخاصة منهم أولئك الذين يحسبون أنفسهم أو يُحسبون على
صف المعارضة، أن يركزوا على ما يسمونه المأزق الذي يواجهه النظام، نتيجة لما
انتهت إليه كافة سياساته، وعلى مختلف الصعد، من تعثر وفشل وتخبط، وما أثمره كل
ذلك من آثار بالغة السوء على ليبيا وشعبها. وانطلاقاً من هذا الاتفاق على فكرة أن
النظام يعيش أزمة، ويواجه مأزقاً، تنطلق الاجتهادات، وتتفرق الآراء، حول "السبيل
إلى الحل".
ومنذ وقت مبكر من تاريخ نشأة المعارضة
الليبية المعلنة، التي تمثلت في عدد من تنظيمات وفصائل المعارضة التي أعلنت عن
وجودها السياسي خارج ليبيا، وطفقت تمارس اجتهادات شتى في السعي لخدمة ما يتفق
الجميع على تسميته "القضية الوطنية"، التي تمثلت لدى الجميع تقريباً في فكرة
الخلاص من الحكم القائم، والعودة إلى الشرعية الدستورية، وما ينبني عليها من
إقامة دولة المؤسسات، والحكم الديمقراطي، نقول منذ وقت مبكر من هذا الوجود
المعارض برز على ساحة العمل السياسي والنضالي اتجاهان متميزان:
- اتجاه يرى أن لا حل للقضية إلا بزوال
النظام الحاكم، بسياساته ورجاله، ويلخص الأمر كله في اختفاء العقيد القذافي (مؤسس
الحكم وقائده)، سواء بالموت قدراً أو فعلاً أو بالتنحي عن الحكم، مريداً أو
مكرهاً، ويذهب بعد ذلك مذاهب شتى في تصور كيفية إعادة ترتيب الأمور بعد اختفاء
قائد النظام ومؤسسه.
- واتجاه لا يربط حل القضية ربطاً
مبدئياً بأشخاص، أو بالأحرى بشخص الحاكم الذي يتجسد فيه وفي سياساته وآرائه كل
النظام السياسي، وإنما بتغير الأسس التي يقوم عليها النظام، والتي يلخصها أنصار
هذا الاتجاه في قضيتين جوهريتين هما: الشرعية والدستورية، ويرون أن نضالهم لحل
القضية هو نضال سياسي، وأنهم يسعون ويناضلون من أجل تحقيق أهداف هذا النضال في
إعادة الشرعية وإقامة الحكم الديمقراطي، بكل السبل والطرق الممكنة، ولا يستثنون
من ذلك سبيل التفاوض مع رجال هذا النظام نفسه، إذا ما بلغوا الدرجة الضرورية من
إدراك أنهم ونظامهم قد انتهوا إلى طريق مسدود، وأنهم يواجهون أزمة حقيقية، تفرض
عليهم أن يبحثوا عن حل لها.
والحق أن العلاقة بين أنصار هذين
الاتجاهين لم تكن دائماً علاقة صحية، فقد شابتها منذ البداية تقريباً، شوائب عدة،
جسدت درجة مؤسفة من عدم النضج الفكري والسياسي، ربما نتيجة لضعف الخبرة والتمرس
بالعمل السياسي الجماعي، تمثلت في تبادل اتهامات مختلفة بين بعضهم البعض، فاتهم
أصحاب الرأي الأول إخوانهم من أنصار الرأي الثاني بخيانة القضية، والتنازل عن
أهداف النضال، ومهادنة النظام والاستعداد للتصالح معه، في حين يرد بعض أنصار
الرأي الثاني باتهام أصحاب الرأي الأول بأنهم متشددون وأنهم مغامرون، أدوا
بحساباتهم الخاطئة إلى وقوع العديد من الخسائر والضحايا بين أبناء الشعب الليبي
دون أي عائد على القضية وعلى الوطن والشعب، وأنهم راهنوا رهانات خطرة على التعاون
مع أطراف أجنبية، راحوا في النهاية ضحية لها، وكان الثمن باهضاً دفع من أرواح
أبناء الشعب الذين أعدموا أو تمت تصفيتهم، أو قضوا زهرة شبابهم في السجون.
ومع ذلك فقد ظل ذلك الأمر في حدود
معقولة، ولم تكن الاتهامات والأقاويل المتبادلة تتداول علناً، وعلى نطاق واسع،
كما بات يحدث بعد التوسع في استخدام وسيلة النشر على الشبكة العالمية، التي صارت
مجالاً مفتوحاً ومتاحاً لكل من أراد أن يكتب أو يعلن، دون أي رقابة أو كبح من أحد
أو من جهة قيادية مسؤولية.
ومع تقدم الزمن، وتعدد التجارب، أخذت
تظهر مؤشرات كثيرة على أن أطراف المعارضة بدأت تنضج وترتقي إلى حد ما في مراتب
العمل السياسي، فأخذت حدة الاتهامات المتبادلة تخفت شيئاً فشيئاً، وأخذت تظهر صيغ
مختلفة ومتعددة من الاتفاق والالتقاء والتعاون والتنسيق.
إلا أننا بتنا في الآونة الأخيرة نشاهد
ما يمكن أن نسميه "ردة" خطرة تمثلت في العودة مرة أخرى إلى مرحلة الاختلاف
والتنابذ، التي لم تتوقف عند حد الانزلاق إلى طريق تبادل الاتهامات بين الأطراف
المختلفة، بل تمادت في الانحطاط إلى مدى لم تكن حركة المعارضة قد وصلته من قبل،
وهو العصبية والنعرة القبلية والعرقية والجهوية، وبتنا نقرأ في مختلف المواقع
التي أصبحت تعج بها الشبكة العالمية للمعلومات مقالات وخطابات تنطلق من هذه
النعرات المرفوضة، والتي كانت دائماً تمثل خطاً أحمر حرصت مختلف قوى وتنظيمات
المعارضة على عدم السماح بتجاوزه.
من ناحية أخرى يكاد المتصفح لما تنشره
هذه المواقع الإلكترونية، والمستمع لما يتردد في غرف البالتوك من حين إلى آخر،
يخرج بانطباع يفرض نفسه فرضاً وهو أن المعركة لم تعد بين فصائل المعارضة على
اختلاف آرائها واجتهاداتها وبين النظام الحاكم في ليبيا، بل إنها صارت تدور بين
المعارضين أنفسهم، بحيث إنه لم يعد ثمة هم لدى أصحاب الرأي الأول من المتشددين
إلا مواجهة من يسمونهم بالإصلاحيين أو "السيفيين" (نسبة إلى سيف الإسلام) الذي
صار عنواناً لهذا الاتجاه الإصلاحي، وهي تسمية تكاد تبلغ على ألسنة البعض حد
الاتهام بالخيانة العظمى للقضية والتفريط فيها. أما من ليسوا من هؤلاء ولا أولئك،
أي من ليس لهم رأي أو موقف، فلم يجدوا إلا وتر العصبية القبلية والجهوية ليعزفوا
عليه أنغاماً قبيحة الوقع، بالغة الإزعاج للأذن الوطنية الصافية التي ظلت حريصة
على ألا تسمع إلا نغمات الوتر الوطني الذي يتغنى باسم ليبيا، شعباً واحداً وأرضاً
واحدة.
وفي غياب الهم الوطني الأكبر، المتعلق
بمستقبل الوطن، وكل ما يتصل به من قضايا الشرعية والدستورية والديمقراطية، ومن
بعد قضايا التطوير والتنمية، بتنا للأسف الشديد نجد أسماء بارزة محسوبة على
المعارضة الليبية، تنـزلق إلى الانشغال بقضايا صغيرة وتافهة هي عبارة عن اجترار
لصفحات من الماضي الذي ولى وانتهى وبات في طي التاريخ، من قبيل الاختلاف حول
أسبقية بعضهم في المجاهرة بالمعارضة للنظام، وأيهم ظهر على الساحة قبل الآخر، أو
المزايدة على بعضهم البعض في مقدار التضحيات التي قدموها في سبيل القضية الوطنية،
وأيهم قدم عدداً أكبر من "الشهداء"، أو مقداراً أكبر من الخدمات للمواطنين
الليبيين البائسين الذين احتاجوا للقمة العيش أو الملجأ أو جواز السفر.
ثم ظهر علينا بعضهم الآخر بقضية أخرى
خارجة تماماً عن السياق الموضوعي والزمني، وهي قضية البحث عن رمز تلتف حوله
المعارضة، التي خلقت معركة تافهة أخرى بين من ينادون بالعودة إلى الشرعية
الملكية، ومبايعة أحد أبناء الأسرة المالكة، ومن يعترضون على ذلك ولا يرون أنه
وارد أو ممكن أو مناسب.
ومن الواضح أن هذه المؤشرات جميعها
إنما تدل على أن من بقي عاملاً في إطار ما بقي عاملاً من تنظيمات وفصائل المعارضة
قد باتوا يواجهون أزمة، وأنهم يعيشون مأزقاً حقيقياً، يتمثل في فقدان الرؤية
الشاملة لأبعاد القضية ومعطيات الصراع الراهن حولها، استناداً إلى قراءة متفحصة
موضوعية لمختلف المتغيرات التي طرأت على الساحة الوطنية خلال العقدين الأخيرين،
ومن ثم فقدان الرؤية حول المناهج النضالية الملائمة التي قد يكون لها بعض الفرص
لإحداث أي حلحلة في العقدة القائمة، ومن ثم فقد بات على هؤلاء، أو بالأحرى على
العقلاء منهم، أن يقفوا وقفة جادة لمراجعة موقفهم في هذه اللحظة الراهنة البالغة
الخطورة، وأن يبحثوا لأنفسهم وللمعارضة التي يمثلونها أو يرفعون رايتها سبيلاً
للخروج من هذا المأزق، وللبحث عن حل.
ولكي تتمكن المعارضة من العثور على حل
لأزمة وجودها الراهنة عليها أن تعيد حساباتها فيما يتعلق بمفهومها للقضية
الوطنية، وأن تراجع اجتهاداتها فيما يتعلق بالسبل العملية الواقعية لبلوغ أي حل
ممكن لهذه القضية، وأن تتوقف عن ممارسة التنفيس عن مشاعر العجز والإحباط وانعدام
أفق الرؤية بتوجيه سهام بعضها إلى بعض، بدل المحافظة على جعلها مصوبة دائماً نحو
الخصم/العدو المشترك.
إن من يشاهد ويراقب ما يحدث على ساحة
المعارضة الليبية، وخاصة من خلال ما ينعكس منه في المواقع الإلكترونية، يجد نفسه
بالضرورة فريسة إحساس مؤلم بأن المعارضين، الذين لم يعد لديهم ما يقومون به
للإطاحة بالنظام الحاكم في ليبيا أو تغييره بالقوة، بل لم يعد لديهم مزيد يقولونه
حتى لفضح النظام أو نقد سياساته، وكشف مظاهر فشله وعجزه، قد أخذوا يحاولون أن
يجدوا لأنفسهم مبرر وجود، وسبب بقاء، من خلال إثارة هذه المعارك الوهمية، بين
راديكاليين وإصلاحيين، وبين عرب وأمازيغ، وبين طرابلسية وبراقوة، وبين قذاذفة
وأولاد سليمان إلى غير ذلك من نغمات مرذولة ممجوجة، لا تدل، إن هي دلت على شيء،
إلا على عجز فاضح عن تقدير خطورة الموقف، وحساسية اللحظة التاريخية التي تمر بها
القضية الوطنية. فالقضية بحاجة اليوم، أكثر من أي وقت مضى، إلى تكاتف الجهود في
اتجاه بلورة رؤية جديدة لمعطيات الصراع، ومقومات الحركة السياسية، وذلك من أجل
اكتشاف السبل الممكنة لإحداث أي اختراق في جدر الركود والتأزم التي تحيط بالقضية
من جميع جوانبها، بدل اكتفاء المعارضين بانتظار سقوط النظام أو تنحي قائده،
والانشغال في أثناء ذلك، بتبادل المعارك الوهمية فيما بينهم، وتسجيل الانتصارات
الرخيصة على بعضهم البعض، بعد أن باتوا يدركون عجزهم عن تسجيل أي منها في معركتهم
الأساسية ضد خصمهم/عدوهم الوحيد.
عن موقع أخبار ليبيا
|
libyaalmostakbal@yahoo.com