03/10/2008
 

الإستثمارات الليبية في الخارج: سوء الإدارة وإنعدام الحياء
علي الصراف: (ميدل ايست اونلاين - 3 أكتوبر 2008)

 
الاجدر بالاستثمار هو بنايات طرابلس وبنغازي المتهالكة وليس العقارات في لندن ونيويورك. الأزمة المالية العالمية أبعد ما تكون عن الإنتهاء. والمليارات الـ 700 التي يُنتظر ان يصادق مجلس النواب الأميركي على توفيرها لحماية بعض الشركات من الإنهيار، قد لا تكفي حتى لتوفير الثقة في الأسواق، لأنها يمكن ان تغرق في بالوعة بلا قرار.
 
لا توجد في الوقت نفسه تقديرات يمكن الوثوق بها حول حجم الخسائر التي يتكبدها القطاع المصرفي العالمي من جراء الأزمة. ولكن ما يمكن حتى للأعمى أن يراه هو ان البنوك ما تزال تنهار، وان التدخلات الحكومية لا تستطيع توفير الحماية لجميع المودعين، وما من إستثمار إلا وتراجعت قيمته. والأزمة قد تستقر في آخر المطاف. ولكن ما من عبقري على وجه الأرض يستطيع القول متى، أو ما هو الخط الأدنى الذي سيرسم الحد الفاصل بين استمرار الهبوط وبين بداية الإستقرار.
 
رئيس الوزراء الكندي، وهو جار شديد القرب للولايات المتحدة، يصف الوضع الإقتصادي في الولايات المتحدة بأنه كارثة. وهناك العشرات من كبار الزعماء في العالم يعترفون بانهم لا يرون قرارا للأزمة الراهنة. وهم وإن كانوا يضخون الأموال في نظامهم النقدي إلا انهم يفعلون ذلك لحماية إستقرارهم الخاص من دون ان يكونوا متيقنين تماما من عواقب الإنهيارات المحتملة في الولايات المتحدة. وبسبب إختلاف التقديرات حول عواقب الأزمة، ما يزال الزعماء الأوروبيون يختلفون حول ما إذا كان يجب ان يضعوا خططا مماثلة للإنقاذ أم لا. وفضلا عن الإختلاف المتعلق بتوقيت التدخل، فهناك اختلاف أوسع حول حدود التدخل نفسها. والرأي المتعلق بالتوقيت يقول ان التدخل في الوقت غير المناسب قد يمتص الأموال فلا يعود بالإمكان توفيرها فيما بعد.
 
رئيس الوزراء الليبي البغدادي علي المحمودي (وهو يغفو على مسافة آلاف الأميال) يختلف مع كل هؤلاء البشر ويعتقد ان هذا الوضع يمثل فرصة للإستثمار. وفي الواقع، فان هذا الوضع الكارثي لا يمثل فرصة للإستثمار. انه يوفر فرصة فقط لحرق وتبديد الأموال. ولكن، إذا كان هذا أمر سيئ بما فيه الكفاية، فهناك ما هو أسوأ منه.
 
لقد تشكلت في ليبيا لجنة حكومية "لمتابعة الأزمة المالية العالمية". ويوحي تشكيل هذه اللجنة، بحد ذاته، بان ليبيا تخسر الكثير من أموالها في الخارج، الأمر الذي تطلب تشكيل لجنة "لمتابعة الخسائر" بالأحرى.
 
كعادة كل الذين يخفون الحقائق عن شعوبهم، بدأت هذه اللجنة بلوي عنق الحقيقة، زاعمة ان الودائع والأصول التي تملكها في الخارج لم تتعرض لأي خسائر. وكأنها أرادت ان تقول انها تستثمر أموال الشعب الليبي في القمر، الذي لم تصل الهزة المالية إليه، وليس على سطح الأرض. وهذا نفاق مفضوح ويحاول أن يستغبي كل الناس. فإذا كان ذلك شيء أسوأ من السيئ، فما يزال هناك ما هو أسوأ منه أيضا.
 
فبدلا من ان تعود ليبيا لتبحث عن فرص استثمارية محلية يمكن حمايتها، فقد قررت اللجنة، ان تمضي في الحماقة قدما. وبكل ما يمكن من عمى البصر والبصيرة، قررت ان تسعى الى ضخ المزيد من الإستثمارات في الأسواق العقارية العالمية، وكذلك في شراء أسهم في شركات نفط وأدوية وإتصالات وأغذية.
 
ونقلت وكالة الجماهيرية عن اللجنة، التي ترأسها رئيس الوزراء، قولها "تم الاتفاق على تنويع العملات التي تحتفظ بها الجماهيرية العظمى وأن يتم التركيز خلال الفترة القادمة على الاستثمار المباشر في العقارات بالاسواق التي تشهد نوعا من الانخفاض الحاد في اسعار". وذلك باعتبار ان اللجنة تعرف ان الأزمة الراهنة هي الحد الأدنى للإنهيار، وباعتبار انه لن يلحق بهذه الأزمة ركود يجر الأسعار الى المزيد من الإنخفاض.
 
وتقدر الإستثمارات الليبية في الخارج بنحو 50 مليار دولار. ولكن الأرقام الحقيقية في "الجماهيرية" ما تزال سرا على الجماهير. فالعامة، من وجهة نظر الخبراء، لا يستحقون ان يعرفوا كم من أموالهم توجد هنا، وكم من تلك الأموال تذهب هناك. وتحصل ليبيا على عائدات نفط تبلغ اكثر من ربع مليار دولار، مع مطلع شمس كل يوم جديد. وهو ما يعني ان هناك هذا العام وحده حوالي 100 مليار دولار، يعلم الله وحده اين توضع.
 
سوء إدارة الأموال قد يكون مشكلة قائمة بذاتها. ولكن إنعدام الحياء مشكلة أكبر. من حيث المبدأ يستطيع القاصي والداني ان يلاحظ ان ليبيا لا تهدر أموالها في الخارج إلا من اجل أن تكسب الرضا. فهي تريد ان تبدو لاعبا عاقلا ومطيعا ويساهم في حماية الإستقرار في الولايات المتحدة، إنما على حساب مصالح ومستقبل الشعب الليبي. وهذا فيه من انعدام الحياء ما فيه. ولكن هناك ما هو أسوأ منه. فبدلا من ان تستثمر الجماهيرية أموالها في إصلاح وإعادة بناء مبانيها الهالكة، وبنيتها التحتية المهترئة، فماذا تفعل؟ تذهب للإستثمار في سوق العقارات في اوروبا والولايات المتحدة!
 
في وقت من الاوقات، كنا نلوم الخليجيين على تبديد الأموال في استثمارات في الخارج، ولكنهم يفعلون ذلك بعد ان حولوا الكثير من مدنهم الى صروح شاهقة تضاهي في رونقها وجمالها اعرق المدن الأوروبية. ومع ذلك، فانهم يستثمرون عشرات المليارات في مشاريع بناء وتطوير عملاقة. ولكن أين؟ في البلدان العربية نفسها. وما مشروع بوابة المتوسط لـ"سما دبي" في تونس إلا شاهد واحد بين الكثير من المشاريع الخليجية التي تنفذ في مصر والسودان والمغرب. أكثر من ذلك، فهؤلاء الناس لا يريدون ان يتناطحوا مع أي أحد لا بالشعارات القومية ولا بمزاعم الدعوة للتضامن العربي او الأفريقي.
 
وتتعرض حكومة البغدادي الى انتقادات دفعت الزعيم الليبي معمر القذافي الى التلويح باقالتها، ليس لأنها نموذج للفشل فقط، ولكن لأنها رمز تاريخي لسوء الإدارة أيضا. وعدا عن رمي الأموال في أكبر محرقة في التاريخ منذ "الركود الكبير" لعام 1929، فالحقيقة هي ان التضخم يلتهم كل شيء في الإقتصاد المحلي الليبي ويحرق الغلاء جيوب الغالبية العظمى. هذا إذا دفعت الحكومة رواتب الناس!
 
لا تستطيع حكومة البغدادي ومن لف لفها في مؤسسات الإستثمار ان تلاحظ ان عقارات طرابلس وبنغازي المتهالكة أجدى بالإستثمار من عقارات لندن ونيويورك. الطوابق العليا في بناية رئيسية مثل بناية "الواحة" التي كانت مقرا لشركة نفطية بدأت بالانهيار قبل ان تمتد اليها يد مالكها الحالي، وهو صندوق الضمان، للقيام بإصلاحات. ولولا العناية الإلهية، لتساقطت قطع الحديد التي تزن مئات الكيلوغرامات على رؤوس المسنين الذين يراجعون إدارة الضمان. ومن السهل على أي احد ان يذهب الى بناية اللجنة الشعبية الرئيسية في بنغازي، والتي تعد اكبر تجمع لادارات الدولة في ثاني اكبر مدينة في ليبيا، ليجد ان جميع مصاعدها، دون استثناء، لا تعمل. فندق المهاري، حسب مثال آخر، بقي اكثر من سنة من دون تصليح اجهزة التكييف المركزية فيه بعد ان تعطلت، وانتهى الامر بتوزيع اجهزة محمولة للزبائن. وشريط نقل الأمتعة في مطار طرابلس العالمي نصفه معطل. إلا يستحق هذا الوضع البائس والمخزي، ان تتوجه اليه الاستثمارات؟ أم ان كسب الرضا في الولايات المتحدة أهم؟
 
هل هناك حاجة للقول ان مدارس "الجماهيرية العظمى" ومؤسساتها التعليمية ومستشفياتها وطرقاتها وخدماتها الأساسية تكاد لا تضاهي مستوى دولة نصف نامية.
 
أن يتم وضع مئات المليارات من أموال "الجماهير" في محرقة نظام مصرفي دولي، لا يمكن التحكم بمصائره، ولا يوفر الحماية لأحد، هو مشكلة من أعظم مشاكل سوء الإدارة، ولكن إنعدام الحياء مشكلة أعظم. ليبيا أولى بالإستثمار، يا رئيس الوزراء. والليبيون أحق بأموالهم من كسب رضا العم سام.
 
علي الصراف
alialsarraf@hotmail.com
 
للتعليق على المقال
الإسم:
العنوان الإلكتروني:
التعليق

جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع >>>> ليبيا المستقبل منبر حر لكل من يطمح ويسعى لغد أفضل لليبيا الحبيبة

 

libyaalmostakbal@yahoo.com