|


28/03/2008
|

|
|
|
من مذكرات رئيس
جهاز المخابرات الأمريكية "جورج تنت"
الحلثة الثالثة: المفاوضات السرية مع القذافي
للتخلص من برامج أسلحة الدمار الشامل!
|
|
|
|

جورج تنت

عبد القدير خان
|
لا يزيد ثمن تكنولوجيا القنبلة
النووية في البازار السري لبيعها علي مائة ألف دولار.. إنها حقيقة لا ينكرها
المدير السابق لوكالة المخابرات المركزية (الأمريكية) جورج تينت في مذكراته
المنشورة بعنوان:"في قلب العاصفة".
إن الوكالة التي عانت كثيرا من
الفشل في القبض علي أسامة بن لادن وفي تبرير الحرب علي العراق وفي إثبات وجود
اسلحة الدمار الشامل في مخازن صدام حسين تعتبر أن النجاح الوحيد الذي حققته
طول سبع سنوات قضاها رئيسها متحكما في عالمها السري هو التخلص من العالم
النووي الباكستاني عبد القدير خان وشبكته الدولية الخفية لبيع التكنولوجيا
النووية.. يضاف إلي ذلك نجاحها في استثمار مبادرة العقيد معمر القذافي
في"تنظيف"بلاده من آثار أسلحة الدمار الشامل.
إن عبد القدير خان عالم معادن شهير
يعتبر الأب الروحي لبرنامج القنبلة النووية الباكستانية.. درس في أوروبا وحصل
علي شهادة الدكتوراة من بلجيكا عام 1972.. عمل في صناعة الطاقة النووية في
هولندا.. وعاد إلي بلاده عام 1976 لمساعدتها في منافسة الهند علي تصنيع
السلاح النووي.. وقد اتهم بسرقة مخططات ومعلومات تفصيلية منحت باكستان
انطلاقة سريعة لدخول العصر النووي.. وأدانته محكمة هولندية غيابيا عام 1983
بتهمة التجسس النووي لكنه نقض الحكم بعد سنتين مستندا إلي ثغرات قانونية.
نجح خان في تخصيب اليورانيوم
فأطلقوا اسمه علي منشأة ابحاث نووية في بلاده تكريما له خاصة بعد أن نجحت
باكستان في إنتاج ما يكفي من يورانيوم لصناعة أكثر من قنبلة.. وفي الوقت نفسه
سرت شائعات بأنه يتاجر بالخبرة والمواد النووية مقابل معدات عسكرية أخري..
وقيل علي سبيل المثال إنه ساعد كوريا الشمالية في مساعيها لتخصيب اليورانيوم
مقابل تكنولوجيا الصواريخ الباليستية.
يقول تينت:"اكتشفنا مقدار اتساع
شبكة خان الخفية التي تمتد من باكستان إلي أوروبا والشرق الأوسط وآسيا..
واثبتنا أنه يسلم زبائنه أشياء مهمة مثل أجهزة الطرد المركزي النووي غير
المشروعة.. وأطلعنا الرئيس الأمريكي علي ما توصلنا إليه".
قلنا له:"سيدي الرئيس بالمعلومات التي أصبحت بين أيدينا عن تخصيب اليورانيوم
وتصميم الأسلحة النووية بإمكان وكالتنا تصنيع دولتها النووية".
استخدم خان وشركاؤه مصنعا في
ماليزيا لصنع الأجهزة الرئيسية للقنبلة النووية.. وكان نائب خان ويدعي «ب. س.
طاهر» يدير شركة للكمبيوتر في دبي استخدمها واجهة لشبكة خان.. كما كانت واجهة
لغسل الأموال. بعد هجمات سبتمبر قويت علاقة الوكالة بالرئيس الباكستاني برويز
مشرف فطلب منه تينت أن يلقاه وجها لوجه في أمر مهم.. وحدث اللقاء في فندق
بنيويورك.. دون وجود مساعدين.. حسب الاجتماعات التي توصف بأربع عيون.. هما
وحدهما فقط.
قال له تينت:"عبد القدير يخون
بلاده فقد سرق أسرارها الحساسة وباعها لمن يدفع أعلي سعر".. ثم اخرج من
حقيبته رسومات تصميمات نووية يفترض أنها في خزانة حديدية في إسلام أباد لا في
فندق في نيويورك.
واستطرد:"لقد باع خان جهاز طرد
مركزي إلي إيران وهذه رسومات مصنع لمعالجة اليورانيوم باعه إلي ليبيا".
لم يمض وقت طويل علي عودة مشرف إلي
باكستان حتي قبض علي خان واقيل من منصبه وأعلنت الحكومة أنه اعترف كتابة
بمساعدة إيران وليبيا وكوريا الشمالية بتقديم تصميمات وأجهزة لبرامج نووية.
وظهر خان علي شاشة التليفزيون الحكومي لمدة ثلاث دقائق وقال باللغة
الإنجليزية:"إنني أتحمل المسئولية الكاملة عن أفعالي وإنني أطلب منكم الصفح..
فقد فعلت ما فعلت بنية حسنة أخطأت فيها في الحكم علي الأمور".. وفي اليوم
التالي أعفوا عنه مع وضعه تحت الإقامة الجبرية الدائمة.
لقد كانت هناك وحدة خاصة مهمتها
متابعة شبكة خان وظلت وراءه أكثر من عشر سنوات.. وقبل أن يرحل رئيسهم عن
الوكالة قدم إلي ضباط تلك الوحدة ميداليات تقديرية.. رغم أن تينت يعترف بأن
رجاله لم يعرفوا عدد الشبكات الأخري المماثلة لشبكة خان والتي لا تتردد في
بيع أسرار وأجهزة القنبلة النووية بمائة مليون دولار.
وتزامن ما حدث لعبد القدير خان مع
ما حدث في ليبيا.. لقد عقدت الوكالة اجتماعات سرية مع مسئولين ليبيين كبار
منذ عام 1999.. علي رأسهم رئيس المخابرات موسا كوسا.. وهو حاصل علي شهادة
ماجيستير من جامعة ميتشجان عام 1978.. ولكن.. بعد هجمات سبتمبر أدان القذافي
ما حدث ووصف العمليات الإرهابية التي وقعت بأنها "رهيبة".. وفي مارس 2003
فاتح مبعوث القذافي مسئولين بريطانيين بصورة غير رسمية بأن بلاده تريد التخلي
عن برامج أسلحة الدمار الشامل وسأل: إذا كان الغرب مستعدا لرفع العقوبات عن
ليبيا إذا ما فعلت ذلك؟.
بعد 5 أيام من غزو العراق التقي في
كامب ديفيد توني بلير ومدير مخابراته سير ريتشارد ديرلوف وحضر تينت اللقاء
وهو يقول:"إن الجزء الأكبر للحديث كان مخصصا للعراق لكن ذلك لم يمنع بحث
مبادرة القذافي المفاجئة".
كانت المبادرة فرصة لا يمكن
استبعادها وفور عودتي من كامب ديفيد استدعيت إلي مكتبي جيم بايت وستيف كابس
وهما أعلي ضابطين في جهازنا السري.. اطلعتهما علي الفرصة التي لدينا مع
الليبيين وأبلغتهما بوجوب التعامل معها علي مستوي عالٍ وبتكتم شديد.. كنت أنا
وبايت غارقين حتي آذاننا في عملية العراق لكننا وجدنا المرشح المثالي في كابس
وهو يتقن الفارسية والروسية ويجيد التعامل مع المهام الصعبة.. فوضته للمهمة
الليبية مع نظيره البريطاني.. فحددا موعدا مع الليبيين للتأكد من مدي الجدية
بشأن التخلي عن برامج أسلحة الدمار الشامل لديهم".
سافر كابس ونظيره البريطاني إلي
مدينة أوروبية في إبريل 2003.. كانت الخطة تقضي أن يقابلا موسي كوسا
ودبلوماسيا ليبيا هو فؤاد سلتني في الفندق الذي ينزلان فيه علي مائدة الإفطار..
انتقي كابس وزميله طاولة تتيح لهما رؤية المطعم بأكمله.. وقبيل الموعد بقليل
دخل شابان من أصول شرق أوسطية لاحظ كابس أنه يظهر عليهما ملامح رجال الأمن..
وبعد لحظات دخل إيهود باراك رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق المطعم.. وكان
واضحا أن الجو لم يعد ملائما لإجراء مناقشات حساسة.. وبينما واصل كابس مراقبة
الإسرائيليين اعترض نظيره البريطاني الليبيين وأخذهما إلي غرفة اجتماعات في
الطابق العلوي في الفندق وسرعان ما انضم إليهم كابس.
بعدما جلس موسي كوسا ــ وهو رجل
طويل حسن الهندام ــ قرر الأمريكيون ألا يعطوا لليبيين أي مادة خطية عن
الاجتماع الأول.. لكن كابس نقل رغبة الرئيس بوش في أن تتخذ ليبيا الخطوات
اللازمة كي تعود إلي"أسرة الأمم".
استغرق الاجتماع ساعتين واعترف
كوسا بأن بلاده انتهكت كل معاهدة وقعت عليها للحد من الأسلحة ثم أضاف:إنهم
يريدون التخلي عن برامج الأسلحة لديهم وأن علي الأمريكيين أن يثقوا فيهم وطلب
إشارة علي النية الحسنة من الجانب الاخر. بدأ الأمريكيون والبريطانيون في جمع
فرقا من خبراء أسلحة الدمار الشامل استعداد لتوجههم إلي ليبيا للتفتيش علي
برامجها.. لكن.. الليبيين ترددوا في قبول هذه الخطوة بهذه السرعة.. وبعد فترة
من الوقت دعا كابس ونظيره البريطاني الليبيين إلي اجتماع في عاصمة أوروبية..
وحضر الاجتماع سيف الإسلام.. ابن القذافي إلي جانب كوسا.
بدأ سيف الإسلام يلعب دور المفاوض
المتشدد.. لكن كابس قال له:"عليكم أن تدركوا أننا لن نقدم تنازلات ما لم يؤكد
رجالنا علي الأرض أن كل ما تقولونه لنا صحيح.. عد وأبلغ والدك بذلك".
مضت شهور اضافية دون إحراز تقدم في
الجانب الليبي.. وفي أغسطس من ذلك العام عقد اجتماع آخر لكن بدون نجل القذافي
هذه المرة.. فقد دعا كوسا زميله البريطاني وكابس إلي ليبيا والاجتماع
بالقذافي نفسه.. وأوعز الرئيس بوش إلي الوكالة بعدم تقديم أي وعود إلي أن
نحصل علي برهان متين علي النوايا الليبية ودليل علي أنه لا رجعة في قرارهم.
التقي القذافي بهما في مكتب يقع في
المكان الذي قصفه الأمريكيون عام 1986 وقتلت فيه إحدي بناته بالتبني.. كان
المكتب الواسع به مصبحان كبيران علي الجانبين ويعلوه حاسب شخصي حديث.. أما
القذافي فكان يرتدي قميصا مزوقا بخريطة إفريقيا.. وبعد نحو ربع الساعة من
النقد القاسي ابتسم القذافي قائلا:"يسعدني لقاؤكما وشكرا علي قدومكما".. ثم
دخل في الموضوع:"نريد تنظيف الملف".. لكنه رفض زيارة الخبراء للتفتيش.. وإن
وافق علي أن تكون زيارات.. وأحال الأمر في النهاية لمدير مخابراته
قائلا:"سووا الأمر مع موسي".
في تلك الليلة ايضا التقي بهما سيف
الإسلام في بيت يطل علي البحر وتناولا معه عشاء متأخرا.. وخرج كابس بانطباع
بأن الليبيين يخافون من التيارات الإسلامية المتشددة بنفس الدرجة التي تخشاها
الولايات المتحدة.
في خريف عام 2003 علمت المخابرات
الأمريكية بأن سفينة مسجلة في المانيا تدعي بي بي سي تشاينا تحمل أجهزة طرد
مركزي متوجهة إلي ليبيا وبعد أن عبرت قناة السويس عملت المخابرات الأمريكية
علي تحويل وجهتها إلي ميناء تارانتو الإيطالي حيث وصلت إلي هناك في 4 أكتوبر
وحيث عثر المفتشون علي قطع أجهزة الطرد المركزي في حاوية طولها 40 قدما مدرجة
في بيان شحن السفينة علي أنها"قطع آلات مستعملة".
أوفد البريطانيون ضابطا كبيرا إلي
ليبيا لإبلاغ القذافي قبل أن يصل نبأ الشحنة إلي الصحف فقال الليبيون إن
الشحنة كانت مرتبة قبل أن تبدأ المفاوضات السرية الحالية.
كان القليل من المسئولين
الأمريكيين يعرفون سر القناة الخلفية مع الليبيين وكان بعض الأشخاص البارزين
الذين لا يعرفون بأمر المحادثات السرية يريدون إذاعة خبر ضبط القطع.. وحاول
تينت جاهدا أن يوقف ذلك ونجح.
يقول تينت:"بعد أن منحنا الليبيين
موافقة علي زيارة فرق التفتيش توجهت مجموعة من خبراء الأسلحة في الوكالة من
واشنطن إلي لندن لاصطحاب زملائهم البريطانيين.. وفي 19 أكتوبر انتقلوا بطائرة
لا تحمل تسمية أو علامة إلي ليبيا.. وقبيل الهبوط مباشرة أبلغ الطاقم كابس
بأن ليبيا ترفض منحهم الإذن بالهبوط.. اتصل كابس بكوسا.. وخلال دقائق حطت
الطائرة".
كانت المباراة الليبية سرا كبيرا
في بلد القذافي مثلما ابقيناها سرا في بلادنا.. وبعد 5 أيام التقي القذافي مع
كابس بمفرده وسأله: هل ستفي الولايات المتحدة بالتزاماتها حقا إذا ما تخلينا
عن برامج أسلحة الدمار الشامل؟.. أجاب كابس:"نعم الرئيس رجل يلتزم بوعوده لكن
إذا شعر بالاستخفاف بوعوده فإنه ذو طابع حاد جدا".. وواصل القذافي تكرار أنه
يريد"تنظيف الملف.. تنظيف الملف".
بعد يضعة أيام تباطأت الأمور ثانية
فلجأ كابس ومن معه إلي روتين"حزم الحقائب"المجرب والناجح وأتصلا بالطائرة
للمجيء فصاح كوسا قائلا:"إنكم متعبون جدا".. وأمر بإفراغ الحقائب".
حاول الليبيون إخفاء أجزاء من
برنامجهم دون أن يدور في خلدهم مقدار ما نعرفه بالفعل.. فقد أرونا صواريخ
سكود بي التي لديهم فقلنا لهم"حسنا أين توجد صواريخ سكود سي؟".
وعندما اطلع مفتشونا علي تخزين
المواد الكيماوية الشديدة السمية أصيبوا بالذهول.. لم تكن المفاجأة أن
الليبيين يمتلكون تلك المواد المميتة وإنما لأنهم يخزنونها في جرار من
البلاستيك الكبيرة.. إن احتياطات السلامة الوحيدة التي يتبعها الليبيون كانت
سد أنوفهم عند دخول المنشأة التي عندما دخلها الأمريكيون تراجعوا علي عجل
وارتدوا بذلات وقاية من المواد الكيماوية تغطي الجسم بأكمله قبل أن يعاودوا
الدخول". استغرقت عملية جرد البرامج المختلفة عدة أشهر غير أن الليبيين كانوا
أكثر تشددا في عدم التعاون في المجال النووي ولم يكن لديهم فكرة عن مقدار ما
نعرفه عن برنامجهم بالفعل".
في أواخر نوفمبر 2003 دعا كابس
ونظيره البريطاني موسي كوسا إلي اجتماع وقالا له:"نعرف أنكم اشتريتم مرفقا
لأجهزة الطرد المركزي"وعندئذٍ أدرك الليبيون أنه لا مجال للتراجع.. ولم يعد
أمامهم سوي إكمال المسعي نظرا لما نعرفه بالفعل".
في الواقع كنا نعرف كل ما يجب أن
نعرفه عن برنامجهم النووي بسبب عمليتنا ضد شبكة خان وكان الأمر شبيها بلعب
بوكر عالي المخاطر وأنت تعرف أوراق خصمك".."قلنا لهم إنكم دفعتم مائة مليون
دولار للحصول علي كل هذه الأشياء من عبد القدير خان".. فساد صمت محير لدي
الجانب الآخر.."مئة مليون دولار؟ ظننا أن السعر مائتا مليون دولار".
في أواسط ديسمبر أحرزنا ما يكفي من
تقدم بحيث أصبح من الممكن الإعلان عما جري.. ولكن خضع ذلك لتنسيق مدروس..
يقوم القذافي أولا بالإعلان أمام شعبه أنه قرر التخلي عن برامج أسلحة الدمار
الشامل وبعد ذلك يدلي رئيس الوزراء البريطاني بتعليقات علنية يرحب فيها بتلك
الأخبار تليها ملاحظات من الرئيس بوش.. وجري تحديد الموعد في 19 ديسمبر.. ثم
في اللحظة الأخيرة جاء خبر من ليبيا بأن القذافي يريد تأخير الموعد.. ظننا
أنه يريد سحب البساط من تحت الاتفاق لكن تبين أن التفسير بسيط.. كان المنتخب
الليبي لكرة القدم سيلعب مباراة تنقل علي التليفزيون في تلك الليلة ولم يشأ
القذافي إزعاج الجمهور بقطع تغطية مباراة مهمة للإعلان عن شيء لا يهم معظم
الليبيين.. أسلحة الدمار الشامل".
نقلا عن صحيفة الفجر
العدد: 145 - 24 مارس 2008
|

libyaalmostakbal@yahoo.com