08/02/2008
 

شواهد مكتوبة على جرائم لا تسقط بالتقادم

قراءة فى رسائل المنفيّين اللّيبيين زمَنَ الاستعمار الإيطالي

تحقيق: المهدى يوسف كاجيجي (العرب اونلاين)


 

 

نموذج عن الرسائل

بعد مخطّط تآمرى طويل، وتنفيذا لاتّفاقيات سرية بتقسيم الامبراطورية العثمانية بين الشركاء الأوروبيين ترتّب عليه أن تكون الأراضى الليبية من نصيب إيطاليا، وفى اليوم الثالث من شهر اكتوبر من العام 1911 ميلاديا، وفى حشد عسكرى هائل وبوسائط عسكرية متقدمة حملتها البواخر الحربية وعلى متنها خمسة وثلاثون ألف جندي، قامت المملكة الايطالية بغزو الأراضى الليبية.
 
وفى المقابل لم يكن هناك سوى حامية تركية بسيطة وادارة متهالكة، وبالتالى لم يواجه الغزو أى مقاومة تذكر مما أعطى انطباعا للقوات الغازية بأنها ستقوم بنزهة، الأمر الذى جعلها فى حالة من الاسترخاء، لم تدم طويلا.
 
وفى اليوم الثالث والعشرين، أى بعد ثلاثة أسابيع من الغزو قامت المقاومة الوطنية وحدها بعملية هجوم على القوات الغازية فى منطقة شارع الشط، وامتدت فى الهاني، وجليانة، وطبرق، ودرنة وهى أول مواجهة فعلية بين القوات الايطالية والمقاومة الوطنية كبّدت العدو كثيرا من الخسائر إضافة الى المفاجأة التى لم يكن يتوقعها، وكان رد الفعل عنيفا تمثل فى مجزرة شارع الشط التى راح ضحيتها أربعة آلاف من المواطنين العزّل من شيوخ ونساء وأطفال تناثرت أشلاؤهم على الأرض الطاهرة، ولم يتوقف الحال عند ذلك الحد بل عجّل المحتل بتنفيذ مخطط الإبادة الشاملة المعدّ والقاضى بإحلال شعب مكان شعب، وكانت عملية التهجير القصرى او النفى لليبيين خارج وطنهم.
 
التهجير.. المشهد والصورة
 
علينا أن نستعيد المشهد فى ذلك اليوم الخريفى من شهر أكتوبر من العام 1911م: الجنود الايطاليون المدججون بالسلاح يجوبون الشوارع والأحياء والقرى، يجمعون الأهالى جميعا بدون استثناء، شيوخا اجتازوا العقد الثامن، وأطفالا رضّعا، ونساءً حواملَ وشبابا فى مقتبل العمر. ومن واقع السجلاّت المدوّنة اعتمدت عملية التهجير القسرى على الخديعة والكذب بحجة أنّ البواخر ستقوم بنقلهم الى قراهم مثلما قيل لجماعة زليطن المقيمين فى بنغازى بأنهم سيعودون الى قراهم، أو بالقوة بشهادة البعض بقولهم "ركّبونا بالسيف" أى بالقوة.
 
الحمولة البشرية تم تكديسها فى قاع البواخر، وصدرت البرقيات للشاطئ المقابل بتجهيز المنفى؛ جزر مهجورة كانت من قبْلُ تستخدم كسجون لعتاة المجرمين. وصدرت الأوامر: المحطة الأولى جزيرة بونزا يتم التجميع فيها ومنها يتم التوزيع على الجزر الأخرى حسب للمخطط.
 
المنفى.. الأرض المحروقة
 
علينا أيضا أن نستعيد المشهد فى أرض المنفى؛ تشير التقارير الى أنّ عدد الجزر التى استخدمت كسجون ومنفى اكثر من خمس جزر، معظمها مهجورة شبه خالية من السكان، وكانت الجزيرة التى استخدمت كقاعدة لاستقبال المنفيين هى بونزا، وكانت استخدمت كمنفى فى العصر الروماني، واستخدمها الامبراطور كاليجولا فى العام 29 بعد الميلاد لنفى اخوته وقتلهم على أرضها.
 
والجزيرة الأخرى التى ذُكرت كثيرا فى التقارير الخاصة بالمنفيين الليبيين هى جزيرة اوستيكا فى منطقة سيشيليا. كان اسمها استيودس ذكرى للمنفيين القرطاجيين الذين تم نفيهم فى القرن الرابع قبل الميلاد ليموتوا جوعا، سماها الرومان "اوستيكا" ومعناها باللاّتينى "محروق" أى الأرض المحروقة لأنها مليئة بالأحجار السوداء. وبقية الجزر تتشابه فى الصفات وفى الاستخدام عبر كل الحقب.
 
السّجين.. والسّجان
 
"أبدان عليلة تجر نفسها بمشقة"، هذا المصطلح استعير من تقرير ايطالى وصف فيه كاتبه القادمين الجدد الى جزر المنفى؛ بسطاء طيبون تم اقتلاعهم من أرضهم، من جذورهم، ينتمون الى قبائل وأعراف مختلفة، تم حشرهم فى أماكن مظلمة رطبة غير ملائمة حتى لإيواء البهائم.. طقس مختلف، قدموا من الشمال الافريقى بدفئه وشمسه الساطعة، الى طقس متقلب شديد البرودة، إضافة الى سوء التغذية نتيجة قلة الموارد او فساد المسؤولين الذين اشارت التقارير إلى سرقتهم المؤن المخصصة للمنفيين.
 
ولمزيد توضيح المشهد، علينا ان نعرف كيف يفكّر السجان، وما هى الصورة التى يحملها نحو السجين..
 
فى كتابه "الصحراء تحترق" للصحفى الدنمركى كنود هولومبو والذى يسرد فيه رحلته الى ليبيا خلال الحقبة الإيطالية نقل حوارا مع المفوض العسكرى لمدينة درنة، وعندما احتد النقاش بينهما قال له المفوض الايطالي: دعنى اسألك سؤالا: هل لهذه الأمة من المخلوقات القذرة الحق فى أن تعيش، وتحرم أمّة نشطة من ظروف الحياة الضرورية؟.
 
وفى دراسة للباحثة الإيطالية كلاوديا موفا عن المنفيين الليبيين الى جزيرة تريميتي، نقلت صورة للعقلية الإيطالية تجاه المنفيين الليبيين من خلال تقرير قدّمه المسؤولون فى المعتقل لرئيسهم بقولهم: "يا حضرة الكومندتور، لدينا جمهرة تضم نحو 1500 متوحش، أكثر من كونهم بشرا، على الدوام متوجسين كاذبين مستعدين للخيانة، إنهم دائما قذرون تنبعث منهم رائحة نتنة".. اعتقد أن ذلك يكفى لنعرف كيف كان يرى السجّان السّجين.
 
الموت..الجنون..الحنين
 
منذ البداية كان طائر الموت يحوم حول مجموعة المنفيين.. فى البحر ألقت البواخرعشرات الجثث للموتى على مقربة من الشاطئ، لم تُذكر اسماؤهم، فقط تم التعرف على أعدادهم من خلال قراءة فى قوائم المغادرة والوصول.. أيضا تذكر لنا قوائم المعتقلات معلومات عن الموت اليومى والتشخيص واحد؛ التهاب الرئة. كما تذكر القوائم حالات الانهيار العصبى والجنون التى اصيب بها الكثير من النزلاء.. الحنين للوطن كان الهاجس الرئيسى لجميع المتجمعين على ارض غريبة.. الكل كان يغنى ما قاله المنفى الشاعر فضيل حسين الشلمانى:
 
ياطير ياطائر يا حايم السما / يا اللّى خلق لك ربنا جنحان
تعالى هنا نحكى لك على حال ما جرى / رانى غريب وانت من الحبّان
يا خوى يا شكاى روح لوطنّا / بلغ سلامى والسلام أمان
 
المراسلة.. الشروط المستحيلة
 
لنستعد مرة أخرى المشهد فى المنفى؛ وصل المنفيون، تم توزيعهم على جزر المنفى، لم يبق من الوطن الذى قدموا منه إلاّ الذكرى الممزوجة بالحنين للأهل والعيال والأرض والأصدقاء، انقطعوا عن الوطن وانقطع الوطن عنهم، وبعد خمسة أشهر تقريبا سمح لهم بكتابة الرسائل مع فرض الشروط الخاصة بممارسة هذا الحق، وهو تسليم رسائلهم مترجمة الى اللغة الايطالية وهو شرط وصفته وزارة الداخلية فى رسالة الى مدير المعتقلات فى جزيرة اوستيكا "بحكم المستحيل" لعدم وجود مترجمين للغة العربية فى هذه الجزر النائية.
 
إضافة لذلك فلقد طُلب من المنفيين التراسل مع ذويهم فى الشؤون الشخصية فقط، ولن يسمح للرسائل التى تحتوى على رموز واشارات غير واضحة. ولقد أشارت السجلات الى قيام المفتش العام للأمن برفض تسليم 23 رسالة من أصل 28 بحجة أن الرسائل جميعا كتبت بيد واحدة وبخط واحد وورد فيها الإشارة إلى أنّ المنفيين يعاملون كسجناء ويعيشون تحت رقابة مشددة.
 
كانت الرسالة تمر برحلة طويلة، تترجم الى الايطالية ، تعرض للمراقبة والفحص، تتم إحالتها من ادارة المعتقل الى وزارة الداخلية التى تحيلها الى وزارة الدفاع، ترسل بعد ذلك للقيادة العسكرية فى ليبيا التى تحيلها الى الحامية العسكرية الخاصة بكل مقاطعة او مدينة التى تقوم بتوزيعها لأصحابها. والمفارقة أنه لو لم يكن هناك هذه الشروط لما تمكّنا من الاطلاع على هذه الرسائل على اعتبار انه قد تم حفظها وتوثيقها ضمن الوثائق الخاصة بالدولة الايطالية.
 
هل وصلت الرسائل؟
 
فى مقدمتهم لكتاب "من رسائل المنفيين الليبيين" عن منشورات مركز جهاد الليبيين للدراسات التاريخية، أشار المعدّون للكتاب إلى أن معظم المراسلات المنشورة تمت ترجمتها الى الإيطالية ولم يعثر على أصلها العربي، وكما ذكرنا فى السابق أنّ الرسائل وجدت كوثائق فى السجلات الإيطالية، والسؤال الآن: هل وصل الأصل العربى لأصحابه؟.. أنا أجزم أن معظم هذه الرسائل لم يصل لأصحابه والدليل على ذلك أنّ المراجع لمعظم الرسائل سيجد الشكوى دائما من عدم الرد على الرسائل السابقة.
 
وفى رسالة الى رئاسة مجلس الوزراء يحيل قائد الفيلق الثانى تقريرا لتذمر أهالى مدينة بنغازى لعدم وصول رسائل من ذويهم من المنفيين، ومن ادارة معتقل بونسا الى وزارة الداخلية تقرير حول قلق المنفيين من مدينة درنة لعدم تسلم أخبار من ذويهم وأصدقائهم بالرغم من أنّهم كاتبوهم منذ الأيام الأولى لوصولهم الى الجزيرة. وكتعبير آخر عن مأساوية ما حدث أن هناك تقارير تشير الى أن كثيرا من المنفيين لا يملكون ثمن شراء طابع بريدى واحد لبعث رسائلهم.
 
أخبرونا عن الوطن..
 
"الحمد لله وحده"، هى الافتتاحية لمعظم الرسائل، تعقبها الأدعية لله العظيم أن يفك كرب المظلومين، وفى الرسائل الأولى شرح الحال والأحوال: "توجهنا من طرفكم الى نابولى ورفعونا من نابولى الى بونصة ووجدنا بقية عيال درنة هناك، وجماعة زليطن يضيفون، منين دخلوا الطليان بنى غازى فقال لنا الكوماندار اللى يريد الركوب يركب الى مصراته فركبونا البابور، بعضهم ركب بنفسه، وبعضهم بالسيف، حين اتوا بنا الى بلاد الطليان قيدونا وحبسونا بها تحت المفتاح ولا نطلب من الله إلا العافية وترك السراح، اخبرونا عن الوطن كيف صار فيه، جملة "المحيوزين" المعتقلين ثمانية مائة نفر".. "من أهالى مصراته بايطاليا الى اهلنا ومحبينا فى الله اهلنا فى مصراته، احنا فى ايطاليا محبوسين"، و"من ابناء ورفلة الى اهلهم بورفلة، الحمد لله وحده، وجملة ورفلة فى ايطاليا كبير وصغير ونساوين وضرار وشيابين، رانا فى ايطاليا لنا خمسة اشهر".
 
فاقة شديدة
 
معظم الرسائل أجمعت على الحالة السيئة للمنفيين واحتياجهم الى العون المالى وتكاد العبارات تكون واحدة فى معظم الرسائل: "جماعتنا كلهم محتاجين للمصروف"، "كتبنا لكم جواب تجمعوا دراهم وترسلوهم لنا"، "ارسلوا لنا دراهم ولو "بنتو" -واحد اى دينار- لا بد لا بد لا بد"، "اجمعوا لنا ما تيسر ولو ثلاثة ريالات كل واحد على قدر جهده"، "والله ما عندى ولا نصف باره"، "بو شناف البكوش عنده "بنتو" عند الحاج محمود افندى الجيلانى خذوه وابعثوا له نصفه ونصفه أعطوه لزوجته"، "بيعوا الأشياء التى فى البيت وادفعوا الديون المذكورة"، "ارسل لنا قدر ثمانية فرنكات لأنى محتاج للمصروف"، "ارجو الارسال مع اول بوسطه ولا نقبل العذر"، "أحنا فى اشد الكدر من الطليان"، "ابعثو لنا ولو تبيع الغالى رخيص".. الكثير من الرسائل كرر عبارة "لا بدّ لا بدّ لا بدّ".
 
حتى فى الرسائل الجماعية، كان الطلب الرئيسى هو العون المادي. وفى رسالة جماعية لابناء درنة موقّعة من خمسة وعشرين شخصا يقولون فيها : "نحن فى حالة جيدة تحت رعاية ايطاليا وفى ظل العلم مثلث الالوان الرجاء ارسال نقود لنا لمصروفاتنا الخاصة".
 
رسالة منتحر
 
تشير الوثائق الى رسالة من متصرف مقاطعة فيرا دى لافور الى وزارة الداخلية بإعادة رسالة للمنفى صالح بن عبدالله المعتقل فى معتقل غائيطا على اعتبار أنّ المذكور قد انتحر قبل وصول الرسالة إليه بثلاثة أيام ، ولم يتم الإفصاح عن فحوى الرسالة، وهل حقيقة انتحر المنفى ام قتل؟.. رحمهم الله.
 
"إن سوء الأحوال الصحية واختلاط المرضى بالأصحّاء والوضع غير المعقول وشدة المناخ وتقلبه، وقلة الملابس والأغطية ، تؤدى على هذا النحو تدريجيا الى كثرة الوفيات بين المنفيين العرب الذين بلغ عدد الموتى منهم 31 بالمائة من العدد الأصلى لمجموع المعتقلين"..
 
هذا النص تم نقله من الدراسة التى قامت بها الباحثة الايطالية كلاوديا موفا الاستاذة بجامعة تيرامو. ولقد أدى ارتفاع عدد الموتى الى اعادة استخدام المقابر القديمة التى كانت مخصصة لدفن مرضى وباء الكوليرا الذى اجتاح ايطاليا فى العام 1837.
 
قضيّة للمتابعة
 
ستظل رحلة المنفى لهؤلاء الشهداء مليئة بالأسرار والطلاسم، وستظل قضيتهم أمانة فى عنق الأجيال من الأحفاد للوصول الى الكشف النهائى عن هذه المأساة بكل جوانبها. ونعتقد أنّ الجهد الرائع الذى قام به مركز جهاد الليبيين للدراسات التاريخية وإصداره لسلسلة من الكتب والدراسات والأبحاث الخاصة بهذه القضية هو بداية حقيقية للوصول الى الهدف المنشود.
 
وأعتقد أنّ موضوع البحث والدراسة يجب أن يصل الى إجابات واضحة للتساؤلات التى طرحها الباحث الدكتور حبيب وداعة الحسناوى فى دراسته الخاصة بهذا الموضوع: كيف تم نفى هؤلاء الى ايطاليا؟ ولماذا؟ وكم عدد المنفيين؟ وما اسماؤهم؟ وماهى المناطق التى جاؤوا منها؟ وماهى المعاملة التى تعرضوا لها، وظروف معيشتهم؟ وهل تم اطلاق سراحهم وعادوا الى ارض الوطن؟ ام انهم بقوا فى ايطاليا؟ وهل ما زالوا على قيد الحياة ام انهم ماتوا؟ وكم عدد الذين ماتوا؟ واين ماتوا؟ فى السجون ام خارج السجون؟ وماهى اسباب موتهم؟ واين توجد مقابرهم.. إلخ.. رحمهم الله.
 
نقلا عن (العرب اونلاين)

 

للتعليق على المقال
الإسم:
العنوان الإلكتروني:
التعليق

تعليقات القراء:

 


 

جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع >>>> ليبيا المستقبل منبر حر لكل من يطمح ويسعى لغد أفضل لليبيا الحبيبة

 

 

libyaalmostakbal@yahoo.com