27/04/2008
 

ما الذي دفع هذا العدد الكبير من الليبيين إلى التطوع لتنفيذ عمليات انتحارية في العراق ؟
زيارة إلى مسقط رأسهم، مدينة درنة، التي تعاني من انسداد الأفق....

كيفن بيراينو ـ نيوزويك بالعربية


 
 
وجهـتـهــم الشــهــــادة
 
حتى قبل أن يختفي، لم يكن الشاب عبد السلام بن علي من الأشخاص الذين تنتبه لوجودهم. فابن الـ20 عاما الشاحب والهزيل الذي انطفأت إحدى عينيه لم يخلف انطباعا قويا في درنة، مسقط رأسه في شرق ليبيا. درس الطب البيطري في الجامعة لكنه لم يجد عملا بعد التخرج. يتذكر شقيقه الأكبر عبد الحميد: "كان الوضع الاقتصادي مريعا. وكان يبحث عن عمل كل يوم". أحيانا كان عبد السلام يضع طاولة يمكن طيها في مدينة درنة القديمة وينادي على عطور رخيصة. وكان هذا الشاب غير المتزوج والذي لا يملك آفاقا كثيرة، لايزال يعيش مع والدته. وعلى سبيل التسلية في المنزل، كان يشاهد الفيلم الملحمي Lion of the Desert (أسد الصحراء: عمر المختار) 1981 الذي يتحدث عن مقاتلين ليبيين ويؤدي دور البطولة فيه أنطوني كوين. وقد شاهده عبد السلام مرارا وتكرارا. ومع استمرار الحرب في العراق، كان يشاهد أيضا قناة الجزيرة. لم يدعم أحد في العائلة الاجتياح الأمريكي، لكن عبد السلام تأثر كثيرا بالمشاهد الدموية التي رآها على القناة الإخبارية العربية. وكان يقول أحيانا لوالدته ممازحا إنه يريد الهرب لمحاربة الأمريكيين. وكان يتراجع دائما قبل أن تتمكن من الاعتراض. كان يقول ضاحكا: "لا، لا تقلقي أمي، سوف أتزوج بدلا من ذلك". لكن شقيقه الأكبر لم يكن واثقا. يتذكر عبد الحميد: "كنت متأكدا من أنه سيذهب. كان يتحدث عن الأمر باستمرار". وبدأ عبد السلام يظهر تدينا أكبر أيضا. يقول شقيقه إنه كان يمضي الجزء الأكبر من وقته في المسجد.
 
وذات يوم في أواخر سبتمبر 2006، اختفى عبد السلام. سألت والدته القلقة شقيقه عندما لم يأت لتناول العشاء: "أين هو؟" فطمأنها قائلا إن عبد السلام ذهب إلى بنغازي، ربما لشراء العطور، لكن عبد الحميد لم يكن يصدق روايته. فعلى الأرجح أن الشقيق الأصغر تنقل مجانا في سيارات أوصلته إلى القاهرة ومن هناك طار إلى دمشق. ثم عبر الحدود إلى العراق وبجيبه 100 دولار، وانضم إلى مجموعة من المقاتلين يقودها منسق عرفه عبد السلام باسم "حمد". بعد وقت قصير من اختفائه، رن الهاتف في درنة. وقال الصوت في الجهة الأخرى من الخط: "أنا في الرمادي، أنا في العراق".
 
في أواخر العام الماضي دهم الجنود الأمريكيون مقرا للمتمردين في بلدة سنجار شمال العراق. ووجدوا في داخله وثيقة ـــ على الأرجح أنها الطلب الذي ملأه عبد السلام في طريقه لدخول البلاد ـــ مطبوعة باسم "مجلس شورى المجاهدين". ولم تكن الوثيقة تذكر سوى تاريخ مولد عبد السلام ورقم هاتف شقيقه ومسقط رأسه. لكن عندما حلل المحققون الأمريكيون الأوراق، صدموا بما اكتشفوه. فقد تبين لهم أن نحو 19 بالمائة من المقاتلين الواردة أسماؤهم في سجلات سنجار والبالغ عددهم 606، جاؤوا إلى العراق من ليبيا. من قبل، كانت التقديرات الاستخباراتية تشير دائما إلى أن السواد الأعظم من المقاتلين الأجانب في العراق هم من السعودية. بالفعل، كان العدد الأكبر من المقاتلين في سجلات سنجار ــ 244 مقاتلا ــ من الجنسية السعودية. لكن إذا أخذنا عدد السكان في الاعتبار، فإن الليبيين يمثلون نسبة أعلى بكثير. ولعل التفصيل الأكثر إثارة للدهشة هو أنه من أصل 112 ليبيا مذكورة أسماؤهم في الأوراق، قدم عدد كبير جدا ــ 52 ــ من بلدة واحدة تضم 50 ألف نسمة على الساحل المتوسطي واسمها درنة.
 
في مطلع هذا الشهر، سافرت إلى درنة لأحاول معرفة سبب تقدم هذا العدد الكبير من شبانها لمحاربة الأمريكيين في العراق. تحيط مناظر طبيعية خلابة بالبلدة الرابضة في ظلال جروف عالية من الحجر الكلسي تطل على البحر المتوسط المتلألئ وتتلون بلون الصدأ. لكن تصطف عند جانبي الكورنيش سلسلة كئيبة من المساكن الأسمنتية المتداعية المطلية بدهان البستل المشقق. يطغى قطاع النفط والغاز على الاقتصاد الليبي، فهو يشكل 90 بالمائة من عوائد البلاد، لكن نصيب الإقليم الشرقي من تلك الثروة ضئيل جدا. يقر المسؤولون الحكوميون في طرابلس في أحاديثهم الخاصة بأن الشرق يعاني الإهمال منذ وقت طويل. والتفاوت حقيقة أوضح من أن ينكرها سكان درنة على الرغم من مخاطر المجاهرة بالآراء في دولة معمر القذافي البوليسية. يسأل عبد الحميد بن علي: "ما الذي قدمته لنا هذه الحكومة؟" من التفاصيل المعبرة في وثائق سنجار: أكثر من 85 بالمائة من الليبيين الذين "يعملون" في العراق تطوعوا لتنفيذ عمليات انتحارية، وهي نسبة أعلى بكثير منها لدى الجنسيات الأخرى إذا استثنينا المغاربة.
 
غير أن اليأس من الوضع الاقتصادي لا يشرح وحده الأسباب التي تقف وراء استعداد شبان درنة للانضمام إلى المتمردين في العراق. هناك عشرات الملايين من المسلمين الفقراء في العالم، إلا أن حفنة صغيرة فقط ــ ربما نحو مائة في أي فترة من الفترات ــ تسافر إلى العراق للقتال. ليس هناك إجماع حول دوافعهم الحقيقية، وما الذي يحول شخصا من مشاهد ناقم للأخبار على المحطات الفضائية إلى انتحاري. يقول بريان فيشمان، وهو خبير في مكافحة الإرهاب في وست بوينت أجرى تحليلا واسع النطاق لسجلات سنجار: "هذا هو اللغز الكبير. الديناميات محلية جدا جدا". هناك بعض القواسم المشتركة. ففي المقابلات التي أجرتها نيوزويك مع أفراد عائلات المجندين المحليين، تحدثوا عن شبان يعيشون حياة كئيبة ويبحثون عن الانعتاق. لا تحفز أيديولوجيا عالمية واحدة جميع المجندين الجهاديين بل غالبا ما تحركهم عوامل شخصية مثل الصدمة النفسية والتنافس بين الإخوة والرغبة الجنسية.
 
لدى مقاتلي درنة قاسم مشترك آخر: تمسك شبه هوسي بمكانة بلدتهم في التاريخ. تتناثر الأنقاض اليونانية والرومانية التي هي من مخلفات الاحتلالات في الماضي الغابر، في حقول القمح والشعير على طول السهل الساحلي الليبي. وقد تركت الولايات المتحدة بصمتها الدائمة على ذاكرة البلدة الجماعية خلال حروب الساحل البربري في مطلع القرن الـ19. فقد تحولت درنة ساحة معركة أساسية في أول مهمة عسكرية أمريكية في الخارج، عندما عبر 500 جندي من قوات مشاة البحرية الأمريكية (مارينز) ومرتزق محلي الصحراء من مصر للهجوم على البلدة. (ألهمت معركة درنة الجملة عن "شواطئ طرابلس" الواردة في نشيد المارينز المعتمد حاليا).
 
لكن بلدا آخر طبع المثال الأعلى للمقاومة المسلحة في ذهنية البلدة بعد قرن. عام 1911، أرسلت إيطاليا سفنا حربية إلى مرفأ درنة، فكانت هذه بداية وجود استعماري قاس استمر طوال حقبة موسوليني إلى أن منيت قوى المحور بالهزيمة في الحرب العالمية الثانية. وبلغت المقاومة المحلية للاحتلال أوجها في التلال الصخرية قرب درنة، لكن حتى هناك كان مصيرها السحق في نهاية المطاف. ومن غبارها، ظهر تقليد محلي المنشأ للشهادة الإسلامية.
 
الأسطورة المحلية منتشرة بقوة إلى درجة أنها توجه المسؤولين الكبار في البلدة. في يومي الثاني في درنة، عرجت على مكتب صديق أفضيل، أحد أمناء اللجنة الشعبية في البلدة، أي مرادف العمدة في ليبيا. وكان نسيم بحري عليل يدخل من نافذة مفتوحة وراء مكتب أفضيل. في البداية أنكر أن بلدته ترسل عددا كبيرا من شبانها إلى العراق قائلا: "لا نعرف العدد بالضبط. هنا في درنة، لا يتجاوزون الـ10". فأريته رزمة الوثائق التي يضم بعضها صورا صغيرة للمقاتلين، فالتزم أمين اللجنة الشعبية الصمت. ثم قال من خلال المترجم: "ليس لدينا أي فكرة عن الموضوع. ليس لديهم سبب ليذهبوا". امتص نفسا من سيجارته، وأقر في نهاية الأمر: "اسمع، هذا رقم ضخم. إذا كان هذا الرقم صحيحا، فهذا سيئ جدا. إنه سيئ للسياسة. لكن ليس سيئا أن يقوم المسلمون بواجبهم. قالت أمريكا إن هذه الحرب هي من أجل الحرية. وهي ليست كذلك. ما نراه على الجزيرة لا ينطبق على ما قاله لنا الأمريكيون. لا يمكنني منعهم من الذهاب. ما علمنا إياه القرآن هو الجهاد". وعندما سألت عن تاريخ المقاتلين المتمردين في البلدة، لم يستطع أفضيل أن يخفي ابتسامته العريضة قائلا: "أولئك هم الأشخاص الذين ناضلوا وحاربوا دفاعا عن أرضهم. يجب أن نتذكرهم".
 
إلى شواطئ طرابلس
 
معظم الأمريكيين يعتبرون اليوم أن قراصنة البربر كانوا مجرد تفصيل غير مهم في امتحان تاريخ مضى وقت طويل عليه. لكن بالنسبة إلى الآباء المؤسسين، كانوا آفة البحر. كانت المستعمرات السابقة في أمريكا الشمالية التي كانت قد تحررت منذ وقت قصير، بحاجة إلى خطوط الشحن في المتوسط لتصدير التبغ والسكر والمواد الأساسية الأخرى التي تنتجها إلى الشرق الأوسط. بعد التخلي عن الحماية من الأسطول القوي للامبراطورية البريطانية، بدأت السفن الأمريكية تقع ضحية القراصنة من المغرب والجزائر وليبيا الحديثة. وانتشرت عمليات الخطف. وكانت النساء الشقراوات أسيرات نفيسات، وكن يضفن إلى الحريم من شمال أفريقيا. وكان لدورة الخطف والمطالبة بدفع فدية أثر قاس على الدولة الأمريكية الفتية.
 
انقسم السياسيون بين مؤيد لمواجهة العدو ومطالب باسترضائه إلى أن أمر الرئيس توماس جيفرسون بإرسال السفن الحربية الأمريكية إلى المعركة عام 1801. وكانت البداية سيئة: تم الاستيلاء على السفينة الحربية الأمريكية "يو إس إس فيلادلفيا" والقبض على طاقمها» أرسيت البارجة في ميناء طرابلس كغنيمة، وكثف جيفرسون الهجمات الأمريكية. قاد ستيفن ديكاتور الذي كان عام 1804 ضابطا بحريا أمريكيا مغمورا نسبيا، مهمة ليلية تحولت أسطورة للهجوم على السفينة فيلادلفيا في الميناء وإحراقها في البحر. ومن جهة الشرق، تقدم الجنرال ويليام إيتون على رأس قواته عبر الصحراء من الإسكندرية في مصر إلى درنة عام 1805. وكما هو مذكور في المؤلف التاريخي الذي وضعه مايكل أورين Power Faith and Fantasy (السلطة والإيمان والوهم)، تقدم إيتون باتجاه بوابة مدينة درنة القديمة وطلب إلى أهلها الاستسلام. فرد الحاكم المحلي: "إما رأسي وإما رأسك". فاستولى إيتون على المدينة.
 
لاتزال هناك اليوم مخلفات وذكريات من المعركة في مختلف أنحاء المدينة. من أول الأشياء التي يراها الزائر على الطريق إلى درنة مجموعة من أربعة أرقام أسمنتية صفراء وعملاقة تروج لمنتجع 1805. ومن المطاعم الرائجة على الكورنيش مطعم فيلادلفيا للوجبات السريعة. يدرس التلاميذ في المدارس الليبية حدث الاستيلاء على البارجة فيلادلفيا باعتبار أنه انتصار وطني عظيم مع أنه لم تكن هناك دولة ليبية مستقلة في ذلك الوقت» فقد كانت ليبيا تخضع لوصاية الامبرطورية العثمانية وتتمتع بشبه استقلال ذاتي. يقول فتحي عبد المولى الذي يدّرس مادة التاريخ لتلاميذ في العاشرة من العمر في بلدة خارج درنة، إنه يرسم لتلاميذه صورا مبسطة للسفينة فيلادلفيا. ويشرح أن تلامذته أصغر من أن يتذكروا أسماء مثل إيتون وديكاتور، لكنهم كبار بما يكفي ليروا في المعارك مصدر اعتزاز وطني. يقول عصام الحمال الذي يعمل في فرع آخر من فروع مطاعم فيلادلفيا للوجبات السريعة في طرابلس حيث لاتزال تعرض سارية فوق القلعة الحمراء يقال إنها تعود للبارجة الأمريكية: "كانت ليبيا أول بلد يهزم أمريكا". ويشير الليبيون إلى النزاع بأنه "أول حرب ليبية أمريكية".
 
ولعل المكان الذي يتمتع فيه ماضي درنة بالحضور الأقوى هو مقر ناد محلي يعرف بجمعية الضبع في دور سفلي في أحد المباني. كانت هذه محطتي الأولى لدى وصولي إلى درنة. ويشمل النادي الذي يضم نحو 200 عضو، مجموعة متنافرة بعض الشيء من عشاق التاريخ المتقدمين في السن إلى جانب عدد من الباحثين عن المغامرة الأصغر سنا. ويمتلئ مقر النادي بتحف وغرائب تاريخية بما في ذلك أفاعي كوبرا محنطة وبنادق قصيرة من العصر العثماني وخيم بدوية. قمت بجولة في المكان برفقة رئيس النادي، محمد الهينيد، وهو رجل نحيل وغريب الأطوار في الـ76 من العمر يضع نظارة شمسية خاصة بالطيارين في الداخل، ومررنا قرب نموذج ضخم للسفينة الأمريكية يو أس أس أرغوس، وهي من سفن التموين التي لاقت جيش إيتون وزودته بالإمدادات أثناء تقدمه باتجاه درنة. قال لي الهينيد إن حروب البربر مهمة جدا في تاريخ درنة. لكنه أضاف أن الاحتلال الإيطالي خلف ندوبا أعمق في البلدة قائلا: "الحرب الإيطالية أهم بكثير".
 
حتى بحسب المعايير البشعة للقوى الاستعمارية في مطلع القرن الـ20، كانت سيطرة إيطاليا على جارتها الجنوبية همجية بطريقة مخدرة للعقول. فوفقا لأحد الإحصاءات السكانية الليبية، تراجع عدد السكان الأصليين من 1.2 مليون نسمة عام 1912 إلى 825 ألفا عام 1933. يعلق رونالد بروس ساينت جون، وهو باحث محترم جدا في الشؤون الليبية قائلا إن أدوات القمع الإيطالية تضمنت معسكرات الاعتقال والتجويع و"الإعدام بأعداد كبيرة الذي وصل إلى حد الإبادة الجماعية. كان الجزء الأكبر من التراجع في عدد السكان نتيجة مباشرة للسياسة الإيطالية". وكانت تمارين القراءة التي تعطى للتلاميذ في المدارس الليبية تتضمن جملا مثل: "أنا سعيد لأنني خاضع للحكومة الإيطالية" و"يحب الدوتشي الأولاد كثيرا، حتى الأولاد العرب".
 
ظهرت مقاومة محلية قوية، ولاسيما في التلال الصخرية في ليبيا الشرقية. وكان بطل التمرد مسلما كاريزماتيا يرتدي ثوبا أبيض ويخوض حربا مقدسة اسمه عمر المختار. كان أسد الصحراء تلميذ السنوسية، وهي حركة سرية ومحافظة جدا من الزهاد المسلمين. وقد قام مؤسس الحركة بأسفار كثيرة في السعودية حيث اختلط بأعضاء من التيار الوهابي البيوريتاني في منتصف الثمانينات من القرن الـ19. وفي أيام عمر المختار، كان السنوسيون قد رسخوا نوعا متزمتا من الإسلام إنما شبه تبشيري، وانتشر هذا النوع بسرعة في شرق ليبيا، واكتسب أتباعا من خلال تقديم خدمات اجتماعية مثل المدارس والنفاذ إلى الآبار من بين أمور أخرى. وطوال 20 عاما، ضايق المختار القوات الإيطالية من خلال فرقته المليشياوية الصغيرة، لكن الإيطاليين قبضوا عليه عام 1931 عندما تسللوا ودمروا الشبكات السنوسية.
 
والتأثر بعمر المختار واضح في كل مكان في درنة اليوم: على الملصقات في الشوارع واللوحات الإعلانية والملصقات الصغيرة على حاجب الريح في السيارات. وربما تكون صوره أكثر انتشارا من صور القذافي. وتباع النسخ المهربة من فيلم "أسد الصحراء" بأعداد كبيرة في الأسواق المحلية. في نادي الضبع، أراني الهينيد صورة لعمر المختار. وقال إنه رسمها ليلة إعدام صدام حسين. شاهد الهينيد الشنق على قناة الجزيرة. وشرح أن العينين الحزينتين اللتين تبدوان في الصورة التي رسمها لعمر المختار هما في الواقع عينا صدام. ليس صعبا أن ندرك أن الدكتاتور العراقي قد يكون بالنسبة إلى سكان درنة بديلا من بطلهم الشهيد أنتجه العصر الحديث. قال لي الهينيد: "جميعنا نحب [صدام] هنا".
 
كل شيء ما عدا الفتاة
 
صدام وعمر المختار شخصيتان مبجلتان في مسجد الحسن، وهو عبارة عن مبنى متواضع مبيض بماء الكلس مع حافة مطلية بالبستل الأخضر في وسط مدينة درنة القديمة. وضع ملصق لعمر المختار، بال وممزق، على الباب الأمامي. كان أنوري الحصادي، مؤذن المسجد،
 
قد وصل للتو لرفع أذان صلاة العصر عندما عرجت على المكان. إنه يبلغ من العمر 60 عاما، وكان يرتدي دشداشة رمادية مخططة بخيوط رفيعة جدا وله شاربان كثيفان يتدليان فوق فمه، وهو يشبه شخصية من شخصيات ديكنز. جلسنا على كرسيين قابلين للطي في ردهة المسجد، وسألت المؤذن عن رأيه في حرب العراق. حاول أن يتهرب من الإجابة مظهرا عدم رغبة في الخوض في غمار السياسة، لكنه انفجر فجأة وصرخ "النفط! النفط! أمريكا تحتاج إلى النفط. إنها غلطة أمريكا. أتظن أنهم جاؤوا إلى هنا لشراء الفاكهة؟ جاؤوا سعيا وراء النفط!" ورفض أن يجيب في البداية إذا كان يوافق على توجه الليبيين إلى العراق للقتال هناك. وفي النهاية قال إنه لا يوافق. لكن كان من الصعب تصديق كلامه هذا بعد فورة الغضب التي أظهرها في حديثه عن النفط. سألته عن أحد أنسبائه، أشرف الحصادي البالغ من العمر 18 عاما. فبحسب وثائق سنجار، غادر الشاب درنة العام الماضي متوجها إلى العراق. أنكر المؤذن معرفته به ثم قال بما يشبه الهمس باللغة العربية: "كان مجرد ولد".
 
كان أشرف الحصادي يعمل على مقربة من مسجد الحسن في متجر توابل تملكه عائلته عند الطريق الأساسي الذي يعج بالحركة في المدينة القديمة. كان طويلا وحليق الشعر إنما ممتلئ بعض الشيء، وكان هذا الفتى الأصغر بين أربعة أشقاء "الأكثر هدوءا في العائلة"، كما يقول شقيقه بكر الذي كان يعمل على الصندوق في المتجر عندما مررت به. كانت أكياس كبيرة من السكاكر والبلح ونوع من التوابل يعرف بالبهارات تتكدس على الرفوف وراءه. بدا بكر حذرا بعض الشيء عند وصولي، لكنه دعاني إلى الدخول وقدم لي كوب شاي. وطلبت إليه أن يخبرني ما يعرفه عن أشرف.
 
فشرح لي بكر أنه كان يحض شقيقه أخيرا على الزواج. بسن الـ18، كان أشرف لايزال عازبا وصغيرا على الزواج. ولما كانت تكاليف الزفاف باهظة ودرنة فقيرة نسبيا، فإن معظم الرجال في البلدة لا يتزوجون قبل أواخر عقدهم الثالث على الأقل. غير أن متجر التوابل كان يوفر مدخولا ثابتا لعائلة الحصادي، وكان أشرف أفضل حالا بكثير من معظم أصدقائه. بعد وفاة والدته عام 2006، كان على أشقائه أن يتدبروا له زوجة. وكان أشرف يملك وظيفة وشقة وسيارة، أي كل الشروط المسبقة الضرورية. ومع ذلك، كان أشقاؤه قلقين من أنه سريع التأثر، حساس وقاس في الوقت نفسه. كان يرتعد أمام الصور القادمة من العراق التي يشاهدها على الجزيرة. يتذكر بكر: "لم يشاهد الأفلام قط. كان يشاهد الأخبار فقط". بعد العمل، كان يحلو لأشرف أن يقوم بجولة في سيارته من طراز هيونداي السوداء في الأحياء الضيقة لمدينة درنة القديمة. ولم يكن يظهر اهتماما بالزواج، الأمر الذي كان يثير روع أشقائه. قال شقيقه عبد القادر ضاحكا: "كان لديه كل شيء ما عدا الفتاة".
 
بدلا من ذلك، كان أشرف يمضي أوقاتا تطول أكثر فأكثر في المسجد. درنة بلدة متدينة» ففي مرات عدة في اليوم، تقفل المتاجر في الشارع الأساسي للمدينة القديمة أبوابها فيما تمتلئ المساجد بالمصلين. ومع ذلك، أصبح أشرف "متدينا جدا"، كما يقول شقيقه سفيان، "متدينا بصورة جدية. كان يعيش في المسجد". ذات يوم في صيف 2007، ذهب أشرف لرؤية أشقائه وأخبرهم أنه ذاهب في رحلة مع صديق له. يقولون إنه لم يوضح كلامه كثيرا. ثم بعد نحو أسبوع، رن جرس الهاتف. دخل أشرف بسرعة صلب الموضوع: إنه في العراق. يقول شقيقه سفيان: "كان هذا آخر اتصال هاتفي له بعائلته". يخشى آل الحصادي الأسوأ لكنهم يقولون إنهم لا يعرفون في شكل مؤكد إذا كان شقيقهم حيا أو ميتا. سألتهم إذا كانوا يعتقدون أن أشرف سيعود يوما ما إلى المنزل. فقال بكر: "الله أعلم. عدد كبير منهم يذهب ويعود. بعضهم يبقى شهرين وبعضهم الآخر سنتين". ثم هناك من يتطوعون للقيام بعمليات انتحارية.
 
أعمال عائلة الحصادي المزدهرة ـــ يملكون سلسلة من متاجر التوابل والحلوى في الشارع نفسه ـــ تجعل منهم ظاهرة غير مألوفة في درنة التي تعاني أوضاعا مزرية. وقصتهم هي واحد من الأمثلة عن مدى صعوبة التعميم عند الحديث عن دوافع المقاتلين الأجانب. ومع ذلك، لا شك في أن البؤس الاقتصادي وتداعياته الاجتماعية تركت آثارها لدى الشبان في درنة. قدم عدد كبير من المومسات إلى طرابلس من شرق ليبيا» وفي بعض الحالات هن المصدر الوحيد لإعالة عائلاتهن. يقول الرجال في طرابلس مازحين ــ وهي مزحة قاسية إنما معبرة ــ إن كونهم زبائن لدى المومسات القادمات من الجزء الشرقي من البلاد هو شكل من أشكال إعادة توزيع الثروات. بالنسبة إلى الشبان في درنة، تعني البطالة عزوبية شبه مؤكدة، وهذا وضع كئيب جدا في مجتمع محافظ جنسيا كذاك الذي نجده في درنة. وفي مجتمع يسيطر عليه الذكور، يشكل مأزق العزوبية المطولة وصمة عار اجتماعية كبيرة أيضا.
 
ربما كان ذلك المصير هو بالضبط ما تخوف منه عبد الحكيم عقالي، البالغ من العمر 28 عاما، عندما تسلل من درنة في اتجاه العراق الربيع الماضي. عندما اتصلت بوالد عبد الحكيم، مصطفى، في مطلع هذا الشهر، رفض في البداية التكلم ثم سأل بهدوء إذا كان بإمكاني أن أخبره عن مكان عبد الحكيم. فتواعدنا على اللقاء في موقف سيارات خلف مسجد مجاور. عندما وصل مصطفى، دار بسيارته الستيشن المهترئة حول سيارتي ثم دعاني إلى منزله. وكان مسكن آل عقالي الذي يقع في مبنى من الشقق الأسمنتية المزرية المتاخمة للبحر، أكثر تواضعا بكثير من المباني الأخرى التي زرتها في درنة. وبينما كان ابن مصطفى النحيل البالغ من العمر 20 عاما، عوض، يحضر صينية عليها بسكويت وعصير الجوافة، بدأت عينا الوالد تغرورقان بالدموع. لاحقا قال لي إنه عندما رآني أول مرة ـــ وبدا له بكل وضوح أنني أجنبي ـــ ظن أنني ربما أصطحب ابنه معي.
 
شرح لي مصطفى أنه لطالما خشي أن يحاول عبد الحكيم الذهاب إلى العراق. فعلى غرار كل من تحدثت معهم تقريبا في درنة، تأثر ابنه كثيرا بالمجازر التي شاهدها على محطتي الجزيرة و"سي أن أن". وأثارت فضيحة أبو غريب غضب عبد الحكيم، لكن "ما حطم فؤاده كان الفلوجة"، كما قال مصطفى في إشارة إلى الهجوم على المدينة العصية على السيطرة والسنية في معظمها في خريف 2004. سأل عبد الحكيم والده: "هل توافق على هذا؟ سوف أذهب". وقد تكبد مصطفى عناء الذهاب إلى مكتب الهجرة المحلي والطلب من المسؤولين عنه منع عبد الحكيم من السفر. لكن الشاب الذي كان يعمل سائق سيارة أجرة في درنة، استطاع أن يتسلل من البلدة.
 
عندما سألت إذا كان عبد الحكيم متزوجا، ضحك الجميع في الغرفة. قال أحد أشقائه مطلقا ضحكة خافتة: "حتى الأخ الأكبر لم يتزوج بعد". ثم تدخل والدهم متذمرا بلهجة أشبه بالتوبيخ: "لا يتقاضى عبد الحكيم أجرا بعد. كيف سيتزوج؟" ثم أضاف وكأنه يحاول أن يقنع نفسه: "إنه راشد، يفعل ما يريد". وأثناء الحديث، بدا كأن الوالد يحاول أن يلقن أبناءه الآخرين أمثولة. قـــال إنه قـــلق في شكــل خاص على الصبي الأصغر، عوض، الذي أحضر العصير. قال ملقيا نظرة على عوض: "لا يملك جواز سفر. لكنه يحب أن يذهب". ثم اتسعت عيناه ليخلص إلى القول: "واحد يكفي".
 
أصر عوض الذي كان يجلس على الأرض في إحدى زوايا الغرفة، على أنه لن يذهب إلى أي مكان. لكنه أردف قائلا: "عندما ينوي المرء الذهاب، يبقي الأمر سرا. إذا كنت أخطط للذهاب، فلن أخبر أحدا". كان من السهل أن ندرك لماذا يراقب والد عوض ابنه الأصغر بعناية، فقد أظهر الأخير ذكاء ماكرا. عندما سألت إذا كان عبد الحكيم قد خضع لأي تدريب عسكري من قبل، أجاب عوض "لم يخضع لأي تدريب. لم تكن لديه عضلات". وعندما سألت عوض عن شكل شقيقه، حدق ابن مصطفى عقالي الأصغر في وجهي وقال: "كان يشبهك".
 
قال آل عقالي إن عبد الحكيم لم يتصل بهم منذ أكثر من سنة، كما أنهم لم يتلقوا اتصالا يعلمهم أنه قتل. وقبل أن أغادر، قدم لي مصطفى عرضا. لا بد من أنه اعتبرني نوعا من قناة عبور إلى عالم أمريكي بعيد لا يستطيع الوصول إليه. فقد اقترب الوالد اليائس مني وأصر بنوع من التأمر على أنه سيهبني جملا إذا استطعت أن أجد طريقة ما لإعادة ابنه إلى المنزل.
 
لم يبق سواي
 
إذن الجواب عن السؤال "لماذا درنة؟" هو في المزيج المتفجر من اليأس والاعتزاز والحماسة الدينية. فهذه العوامل التي نجدها منفردة في أجزاء عدة من العالم الإسلامي، تجتمع هنا على شواطئ الجزء الشمالي من ليبيا. وأزمة المدينة هي ورطة حقيقية للدبلوماسيين في ليبيا. كان يفترض بليبيا أن تكون واحدا من الانتصارات القليلة في حرب إدارة بوش على الإرهاب. ففي الثمانينات والتسعينات من القرن الماضي، كان معمر القذافي رمز الإرهاب المدعوم من الدول، وقد نعته رونالد ريغان بـ"كلب الشرق الأوسط المسعور". اتهًم نظامه بالتورط في تفجير طائرة "بان أمريكان" في الرحلة 103 الذي أسفر عن مقتل 270 شخصا، وكذلك تفجير ملهى ليلي في برلين عام 1982 ما أدى إلى مقتل جنديين أمريكيين. وقد ردت أمريكا بقصف طرابلس. لكن عام 2003، وافقت حكومة القذافي، انطلاقا من رغبتها الشديدة في تحرير ليبيا من العواقب الاقتصادية، على وقف برامج أسلحة الدمار الشامل. وبعد ثلاث سنوات، حذفت وزارة الخارجية الأمريكية ليبيا من لائحة الدول الإرهابية. وروج البيت الأبيض للخبر بأنه إثبات على أن اجتياح العراق يثير الخوف لدى أعداء أمريكا في مختلف أنحاء الشرق الأوسط.
 
على الرغم مما كشفته وثائق سنجار، فإن قلة من المسؤولين الأمريكيين يعتقدون أن القذافي يرسل مقاتلين إلى العراق. فإذا عادت موجة من الجهاديين من العراق إلى ليبيا مزودة بمهارات جديدة، أقل ما يقال عنها هو أنها ستكون كابوسا كبيرا له بقدر الكابوس الذي يسببه هؤلاء المقاتلون للأمريكيين في العراق. لطالما كانت الأراضي المحيطة بدرنة معقلا للمعارضة الإسلامية لنظام القذافي. ففي منتصف التسعينات، شنت أجهزته الأمنية حملة قوية ضد المقاتلين في درنة، واستخدمت المروحيات الحربية للقضاء على المتمردين المحليين الذين يطلقون على أنفسهم اسم "الجماعة الليبية الإسلامية المقاتلة". تبدو البلدة هادئة بما يكفي الآن، لكن لايزال هناك عدد كبير من حواجز التفتيش التي يشغلها عناصر شرطة بلباسهم النظامي. عند السؤال عن الجماعة الليبية الإسلامية المقاتلة، يلزم معظم السكان الصمت، حتى أولئك الذين يؤيدون بكل سرور إرسال مجندين ليبيين إلى العراق.
 
تشير وثائق سنجار إلى أن المتمردين العراقيين كانوا يتعاملون مع عدد كبير من المنسقين المحليين الذين يعملون في درنة. المعلومات المتوفرة عن كيفية تجنيد الشبان قليلة لكن بعد التقدم بطلب للالتحاق بالمتمردين، كانوا يرسلون غالبا إلى العراق في مجموعات صغيرة وليس كل شخص على حدة. وكان خط درنة يمر عبر مصر وسوريا حيث كان المنسقون المحليون يتدبرون تهريب المجندين عبر الحدود إلى العراق. لكن السجلات الأحدث عهدا تعود إلى شهر أغسطس الماضي، ولا نعرف إذا كان هذا الخط لايزال يعمل. يقول بعض المحللين إن الإسلاميين المحليين يختلفون في الرأي إذا كان الجهاد الحقيقي في العراق أو في ليبيا.
غير أن الشبكة القديمة ربما تجدد قواها. ففي أواخر الشهر الماضي، شهدت درنة اغتيال عضو بارز في وكالة التجسس التابعة للنظام، بحسب دبلوماسي غربي في طرابلس. يقول الدبلوماسي إن الليبي المقتول كان محققا يشتهر بقساوته وكسب عداوات كثيرة، ولذلك ليس من الضروري أن الإسلاميين هم الذين قتلوه. يتابع الدبلوماسي: "كان ذائع الصيت ومكروها جدا لأنه كان حقيرا جدا".
 
يبدو أن القذافي يقر بأن ثمة مشاكل في درنة. فمع ارتفاع أسعار النفط، حاول النظام تحسين الحياة في شرق ليبيا. على الطريق الرئيس المؤدي إلى درنة، بدأت الحكومة بناء نحو ألفي شقة لإيواء نحو 13000 من السكان المحليين بحلول نهاية 2009. لاتزال الوحدات السكنية المعروفة بـ"شقق الوادي" شاغرة في الجزء الأكبر منها، إلا أن الخطة تهدف إلى توفير مساكن مجانية للعائلات الشابة والعازبين. لكن في وقت سابق هذا العام، أعلن القذافي أنه يريد أن يجرب خصخصة الخدمات الاجتماعية، وهذا تحول عميق عن جذوره الاشتراكية. يقول دبلوماسي غربي في طرابلس طلب عدم ذكر اسمه في معرض مناقشته لخطط النظام: "إنه ينادي بنوع من التحررية الراديكالية". على الأرجح أن النتيجة في المدى القصير هي أن الكثير من الليبــيين سيعيــشون أوقــاتــا صعبة، حتى ولو تجــاوز سعــر بــرمــيل النــفط الـ100دولار.
 
عقب ظهور وثائق سنجار، مارس المسؤولون الأمريكيون ضغوطا خفيفة على ليبيا. وفي نوفمبر، توجه وفد بقيادة الجنرال ديل دايلي، وهو اختصاصي رفيع المستوى في شؤون مكافحة الإرهاب يعمل حاليا في وزارة الخارجية، إلى طرابلس للقاء مسؤولين ليبيين كبار. وعندما أطلًع الليبيين على أمر الوثائق، أنكروا الظاهرة في البداية، لكنهم أقروا بالمشكلة في نهاية المطاف بعدما قدم الأمريكيون الدليل. يقول المسؤولون الأمريكيون إنهم راضون إلى حد كبير عن التعاون الذي حصلوا عليه من السلطات الليبية، وتشجعهم الأرقام الأحدث عهدا التي تصل من العراق ويبدو أنها تشير إلى تراجع وتيرة تدفق المقاتلين في الأشهر الأخيرة. في غضون ذلك، يبحث محللون أمريكيون آخرون عن أساليب مبتكرة لكبح التدفق بغض النظر عما يقرر الليبيون القيام به. يقول فيشمان إن المتمردين يستخدمون في معظم الأحيان مهربين عاديين لا يكترثون إلا لتحقيق الربح، كي يتولوا نقل المقاتلين إلى العراق. ويضيف الاختصاصي من وست بوينت أنه قد يكون من الذكي محاولة استيعاب أولئك المهربين بدلا من محاربتهم مستدركا "بصراحة، بعضهم".
 
في المنزل في درنة، يقول عبد الحميد بن علي إنه لا يعرف بالضبط كيف استطاع شقيقه الالتحاق بالمتمردين. ويتابع أنه نادرا ما كان شقيقه يستعمل الإنترنت، ولم تكن لديه أي صلات بعناصر الجماعة الليبية الإسلامية المقاتلة. بعد وقت قصير من اتصال عبد السلام الأول بمنزله، اتصل المجند الشاب من جديد من الرمادي ليقول إنه في طريقه لتنفيذ "عملية". عندما رن جرس الهاتف بعد أربعة أيام، لم يتعرف عبد الحميد على الصوت في الجهة الأخرى من الخط. قال المتصل "عبد السلام شهيد".
 
يقول عبد الحميد إنه تقبل خسارة شقيقه. قال وهو مقطب الجبين ويفرك يديه: "عندما قتل، فرحت كثيرا. في رأيي، كان محقا بالذهاب. نعم كان محقا بالذهاب. نرى أشخاصا يُقتَلون من أجل لا شيء. أنا أيضا كنت أفكر بالذهاب". الآن أصبح عبد الحميد معيل الأسرة الوحيد. يقول بهدوء: "لا يمكنني الذهاب الآن. لم يبق سواي". يحدق في صورة كبيرة جدا لشقيقه الأصغر الشهيد معلقة في غرفة الجلوس. ويرد له عبد السلام النظرة بعينيه المنطفئتين. وأخيرا وجد الشقيق الأصغر مكانا له في مسقط رأسه الكئيب: داخل إطار ذهبي اللون خلف لوح زجاجي معلق على الجدار.
 
نقلا عن: نيوزويك بالعربية
 

 


للتعليق على التقرير
الإسم:

العنوان الإلكتروني:

التعليق

تعليقات القراء:


 

 

libyaalmostakbal@yahoo.com

 

جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع >>>> ليبيا المستقبل منبر حر لكل من يطمح ويسعى لغد أفضل لليبيا الحبيبة