16/04/2008

تجميد أصول ليبية في الولايات المتحدة

يُسمِّم العلاقات الثنائية لكن التطبيع مستمر

 

رشيد خشانة  ـ الحياة


 

 

 
مكان سقوط طائرة لوكربي
 
تجمعت مؤشرات عدة الى أزمة صامتة بين الزعيم الليبي معمر القذافي والولايات المتحدة الأميركية، وهي أزمة كبحت خطوات التطبيع الحثيثة بين الجانبين والتي كان يُفترض أن تُتوج بزيارة وزيرة الخارجية الأميركية كوندوليزا رايس ليبيا. ولوحظ أن «اتجاه السير» تغير فاستُبدلت بالزيارة التي أعلن عنها سيف الإسلام معمر القذافي مرات زيارة وزير الخارجية الليبي عبدالرحمن شلقم نظيرته في مكتبها في واشنطن. لكن يبدو أن اللقاء لم يُبدد نقاط الخلاف، إذ أعقبته إشارات دلت على مستوى الحواجز التي ما زالت قائمة بين العاصمتين والتي جعلت واشنطن تُرجئ حتى الآن إرسال سفيرها المُعين في ليبيا جين كريتز إلى مركز عمله. علماً أنه عين قبل أحد عشر شهراً (سماه بوش في 11 أيار/ مايو الماضي). وتبرر الإدارة الأميركية تأخير التحاقه بالقول إنها تجابه صعوبات مع الكونغرس.
 
ظلال «لوكربي»
 
غير أن السبب الحقيقي لذلك هو المشروع الذي أقره الكونغرس وقضى بتجميد أصول ليبية لقاء التعويضات التي تعتبر واشنطن أنها متبقية لضحايا طائرة «بان أميركان» التي فُجرت فوق لوكربي في اسكتلندا عام 1988 ، وبلايين الدولارات التي أمرت محكمة أميركية الحكومة الليبية بصرفها لأهالي ضحايا أميركيين قُتلوا في تفجير طائرة فرنسية فوق النيجر عام 1986. ويعتبر الأميركيون أن هناك تراخياً ليبياً في صرف التعويضات لـ270 أسرة من ضحايا لوكربي. كذلك ما زال هناك تباعد بين الجانبين في تقدير المبلغ النهائي للتعويضات التي ستُدفع لأسر الضحايا وكذلك تقدير الخسائر الليبية نتيجة الغارات الأميركية على بنغازي وطرابلس عام 1986.
 
وكشف شلقم في كلمة ألقاها أمام البرلمان الليبي مطلع الشهر الماضي أن هناك مشاكل قضائية مع الولايات المتحدة وأن طرابلس تعارض السياسة الأميركية في ما خص العراق وفلسطين وسورية.
 
ورد القذافي على الخطوة الأميركية بالتهديد بسحب الأموال الليبية من السوق الأميركية وتأميم شركات النفط الأميركية العاملة في بلده، أو طردها وإحلال شركات صينية محلها، ما لم تتراجع الإدارة الأميركية عن القانون الذي اعتمده الكونغرس.
 
وأكثر من ذلك شجعت السلطات الليبية نجل وزير الخارجية الأسبق صالح مسعود بويصير الذي قُتل في حادثة إسقاط اسرائيل طائرة مدنية ليبية فوق سيناء عام 1973 بإقامة دعوى قضائية على الدولة العبرية بواسطة مكتب محاماة في تل أبيب، لمناكفة حُماة الدولة العبرية في واشنطن.
 
تراشق في مجلس الأمن
 
على هذه الخلفية طفا على السطح تراشق بالمواقف والمواقف المضادة بين ليبيا والولايات المتحدة في مجلس الأمن بعد انضمام ليبيا إليه بصفتها عضواً غير دائم ليؤكد تدهور العلاقات، وهو ما اعترف به سفير ليبيا لدى الأمم المتحدة جاد الله عزوز الطلحي (رئيس وزراء سابق) عندما قال إن العلاقات «لا تسير بالسرعة التي يرغب فيها الطرفان وإن كانت تتقدم في الإتجاه الصحيح». والسبب هو موقف ليبيا من العدوان الإسرائيلي الأخير على غزة، وكذلك التحفظ الذي أبدته عن مشروع قرار يرمي الى فرض مزيد من العقوبات الدولية على إيران. وعزا الليبيون موقفهم إلى كونهم عانوا فترة طويلة من عقوبات فرضها عليهم مجلس الأمن. لكن الصحيح أيضاً أن طرابلس تحرص على الحفاظ على العلاقات التي أقامتها مع طهران بعد قطيعة طويلة. ومن تجليات التقارب الجديد الزيارة الرسمية لرئيس الوزراء الليبي البغدادي المحمودي إلى طهران العام الماضي والتي تُوجت بالتوقيع على اتفاقات تعاون جديدة.
 
وبدا واضحاً أن مواقف ليبيا في مجلس الأمن جلبت لها سخط الأوساط الصهيونية في اسرائيل كما في أميركا، ما عبر عنه المندوب الإسرائيلي لدى الأمم المتحدة دان غيلرمان بكلمات نابية عندما قال: «هذا ما يحدث مع الأسف عندما يخترق إرهابيون مجلس الأمن». ورد عليه الليبيون بواسطة حملات في وسائل الإعلام المحلية وتصريحات أعضاء في «مؤتمر الشعب العام» (البرلمان) على السياسة الأميركية في الشرق الأوسط. وعلى هذه الخلفية أيضاً قاطع الليبيون مؤتمر أنابوليس الذي نظمته الولايات المتحدة في آخر تشرين الثاني (نوفمبر) الماضي «كي لا تكون شاهد زور» مثلما قال أخيراً وزير الخارجية الليبي عبدالرحمن شلقم في كلمة ألقاها أمام البرلمان، معتبراً أن ذلك المؤتمر «كان مجرد تسويق للوجود الإسرائيلي مع العرب»، وهو موقف لا شك في كونه أغاظ واشنطن. كذلك لم يتردد الليبيون في استخراج ورقة أخرى من جعبتهم عندما قرروا في اختتام اجتماعات مؤتمر الشعب العام ملاحقة المسؤولين عن الغارات الأميركية على بنغازي وطرابلس عام 1986، والتي أمر بها الرئيس الأسبق رونالد ريغن بُغية «ضمان حق الشعب الليبي في التعويض العادل عما لحق به من خسائر بشرية ومادية ترتبت على العقوبات الظالمة التي فرضت عليه بين 1992 و1999».
 
وربما، زيادة في إغاظة الأميركيين، أمر القذافي بإطلاق 84 سجيناً من المتهمين بااإنتماء الى تنظيم «الإخوان المسلمين» مطلع الشهر الماضي من سجن طرابلس بعدما ظلوا معتقلين منذ عام 1998.
 
... والتطبيع يسير قُدماً
 
مع ذلك ما زال خط التطبيع الأميركي – الليبي، الذي انطلق في أعقاب قرار القذافي تسليم الأسلحة غير التقليدية التي كانت في حوزته، يسير إلى الأمام قُدماً.
 
ومن علاماته الحديثة استقبال الزعيم الليبي آخر الشهر الماضي وفداً من أعضاء الكونغرس ضم خمسة نواب بقيادة رئيس الأقلية الجمهورية في مجلس النواب جون أندرو بينير. وأبدى الوفد للقذافي (الذي يمسك بملف النفط) رغبة الشركات الأميركية في تنفيذ مشاريع استثمارية في مجالات النفط والغاز والبنية الأساسية في ليبيا. وأبلغوه أنهم اتوا إلى ليبيا لتأكيد حرص الولايات المتحدة على إعطاء دفعة جديدة للعلاقات الثنائية.
 
ولم تعطل السحب التي تنتشر بين الحين والآخر في سماء العلاقات السياسية المشاريع الاستثمارية السائرة على قدم وساق، وبخاصة في القطاع النفطي. وفيما أشاح القذافي وجهه عن بعض المسؤولين الأميركيين الذين زاروا ليبيا رافضاً استقبالهم مثلما فعل مع جون نغروبونتي، فتح ذراعيه لرؤساء الشركات النفطية الذين زاروها.
 
وفي ظل استمرار البرودة في العلاقات مع واشنطن استخدم الليبيون أوراقاً أخرى للتدليل على سعة هامش المناورة المتاح لهم، فوطدوا الشراكة مع الاتحاد الأوروبي واتجهوا نحو موسكو لتعزيز التعاون الثنائي. وفي هذا السياق أجروا ثلاث جولات من المحادثات مع الاتحاد الأوروبي مهدت للتوقيع على اتفاق جديد. وأتى الاتفاق تنفيذاً لوعد قطعه الأوروبيون للسلطات الليبية في هذا المعنى لقاء إفراجها عن الممرضات البلغاريات المتهمات، مع طبيب فلسطيني، بتقصد تلقيح أطفال ليبيين بفيروس الأيدز. وأكد شلقم أمام أعضاء البرلمان الليبي أن بلاده ستستأنف المحادثات مع الإتحاد الأوروبي «للوصول إلى اتفاق شراكة شامل قبل نهاية العام الجاري». وتقاطعت تلك الرغبة مع الاقتراح الذي تقدمت به المفوضية الأوروبية من أجل إقامة علاقات اقتصادية وسياسية أوثق مع ليبيا في إطار مسعى عام لتعزيز العلاقات مع كبار المصدرين للطاقة.
 
أما مع روسيا فهناك مؤشرات تدل على أن ليبيا عادت شريكاً مهماً لها، وبخاصة على الصعيد الإقتصادي. ونقلت وكالة «أنترفاكس» الروسية أخيراً عن الرئيس الروسي المنتهية ولايته فلاديمير بوتين قوله خلال لقاء مع نواب من مجلس الدوما في الكرملين «إن روسيا تقيم حواراً نشطاً جداً مع ليبيا». ولم يستبعد تبادل الزيارات بين مسؤولين من البلدين في أعلى المستويات، ولم تتسن معرفة ما إذا كان وارداً أن يزور بوتين نفسه ليبيا قبل أن يغادر الكرملين في أيار المقبل.
 
ويبدو أن الليبيين شعروا باحتمال ممارسة الأميركيين ضغوطاً عليهم لتكريس الانفتاح السياسي في الداخل، فاستبقوا الأمر بحركة التفافية ترمي الى امتصاص غضب الجمهور المكتوي بغلاء الأسعار، فوعدوه بإعطائه نصيباً من عائدات النفط الليبي بواقع خمسة آلاف دينار شهرياً لكل أسرة بعد الارتفاع القياسي لأسعار الطاقة في الأسواق العالمية. لكن الإدارة الأميركية عادت فأخرجت تلك الورقة، ورقة حقوق الإنسان، من جعبتها عندما أدلى مساعد وزيرة الخارجية جيفري فيلتمان بتصريحات طلب فيها الإفراج عن المعارض الليبي المعتقل فتحي الجهمي، وهو طبيب تدهورت حاله الصحية في الفترة الأخيرة.
 
المقرحي دفع الثمن
 
ويمكن القول إن ضابط الاستخبارات الليبي عبد الباسط المقرحي الذي أدانه قضاة اسكتلنديون في كامب زاست في هولندا عام 2000 في قضية «لوكربي»، هو الذي دفع ثمن التباعد الأميركي – الليبي. وكان متوقعاً نقل المقرحي المحكوم عليه بالسجن المؤبد من سجون اسكتلندا إلى سجون بلده (أي الإفراج عنه عملياً) بموجب اتفاق قضائي أبرم بين ليبيا وبريطانيا في أيار الماضي لتبادل السجناء وصيغ على مقاسه. لكن المحكمة العليا في اسكتلندا فاجأت الجميع برفضها كشف وثائق أميركية كانت ستبرئ المقرحي، خصوصاً وثيقة تردد أنها تشكك في مدى صلابة الأدلة الممسوكة ضده. ويتهم الليبيون في شكل غير مباشر الولايات المتحدة بتشجيع البريطانيين على التدخل في القضية لمنع نقل المقرحي إلى بلده. واعتبر شلقم أن حجب الوثائق يشكل «إجهاضاً للعدالة».
 
وهذا يعني أن لعبة شد الحبل وإرخائه بين واشنطن وطرابلس ستستمر في الفترة المقبلة، خصوصاً أن أوراقاً أخرى ما زالت بين أيدي الجانبين وربما ألقيا ببعضها على المائدة لتغذية المناكفة التي لا يستطيع أحد التكهن بمصيرها.
 
صحافي من أسرة «الحياة»
 
 
نقلا هن صحيفة «الحياة»
للتعليق على الخبر
الإسم:
العنوان الإلكتروني:
التعليق

تعليقات القراء
 

 

libyaalmostakbal@yahoo.com

 

جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع >>>> ليبيا المستقبل منبر حر لكل من يطمح ويسعى لغد أفضل لليبيا الحبيبة