17/04/2008

هدايا القذافي

حسن عبد راضي  ـ جريدة «الصباح»


 
أفصح الخطاب الذي ألقاه الرئيس الليبي معمر القذافي في مؤتمر القمة العربية الذي انعقد في دمشق قبل أيام عن أن (الوحدة العربية) ليست شعاراً أجوف يتشدق به السياسيون في كل وقت وتلوكه الفضائيات الرسمية وغير الرسمية بمناسبة ومن دون مناسبة، بل إن له تطبيقات حقيقية في أرض الواقع، فالوحدة العربية - في عرف سياسيين من حجم القذافي ونوعه - تعني وحدة الأنظمة السياسية ضد شعوبها، وضد كل محاولات التغيير سواءٌ أجاءت من الداخل أم من الخارج، وإن أهم ما يشغل بعض القادة هو سلامتهم الشخصية لا أمن شعوبهم القومي.
 
لقد كان معروفاً للعامة والخاصة حجم النفور السياسي الرسمي والشخصي بين معمر القذافي وصدام حسين، حتى أن صدام كان يسميه (ابن اليهودية)! وطبعاً كانت للقذافي ردوده وشتائمه ضد صدام، وهكذا..، لكن كل ذلك لم يمنع القذافي من الوقوف بصلافة للمطالبة بثأر صدام، وطبعاً لن يكون الثأر المطلوب سوى من الشعب العراقي، لأن القذافي في الخطاب نفسه أعلن أنه "صديق وحليف لأميركا" ونحن نعلم أنه سارع إلى تسليم أسلحته ومفاتيح منشآته العسكرية فور أن شهد سقوط صنم صدام، ولذلك لم ولن يجرؤ على التأليب ضد اميركا وتعبئة الناس (والمتطرفين منهم خاصة) على مقاتلتها والثأر لصاحبه منها، وهي التي بالكاد رضيت عنه وسكتت عليه،... فلم يبق سوى العراقيين لينتقم منهم، لأنهم اقترفوا "سابقة خطيرة" في عرفه، حين حاكموا جلادهم وأصدروا حكمهم عليه (صرح القذافي في خطابه أن الدور قادم لا محالة)!.
 
إن خطورة الأمر وجدّيته اتضحت أكثر عندما أطلق القذافي قبل أيام، وفي خطوة غير مسبوقة، سراح عدد كبير من الإسلاميين المودعين منذ سنوات طويلة في سجونه، وهو يعتزم إطلاق سراح المزيد منهم في الأسابيع المقبلة، وقد صرح بعضهم لوسائل الإعلام أنهم كانوا مخطئين بتوجيه أسلحتهم إلى مواطنيهم الليبيين، وأن الأسلحة يجب أن توجه إلى العدو الحقيقي!!.
 
والآن، من العدو الحقيقي في نظر متطرفين قضوا سنوات وهم يختزنون مشاعر غضب وكراهية وحقد وجدت من يغذيها في "المدارس" التي يقيمها في العادة قياديون مسجونون مع قواعدهم في المعتقلات والسجون "السياسية" وما أكثرها في عالمنا العربي، تلك المدارس عبارة عن حلقات غسيل أدمغة تمارس دوراً تعبوياً تحريضياً قلما انتبهت له السلطات أو درست نتائجه المستقبلية. إن صراع المتطرفين الإسلاميين المسلح ضد أنظمتهم في العالم العربي، قادهم على الدوام إلى الموت أو السجون، وكانوا قد وصلوا إلى طريق مسدود في هذا الاتجاه، قبل أن يفتح لهم احتلال العراق نافذة جديدة، فتحولوا بفائض العنف والكراهية من بلدانهم وأنظمتهم إلى العراق (وكان بعضهم يستهدف القوات الأجنبية حقاً) لكن الكثرة الكاثرة منهم كانت تستهدف العراقيين تحت ذرائع مختلفة، كاتهامهم بالخيانة والعمالة والكفر والتعاون مع الاحتلال وغيرها، فاستخدموا في هذه الحرب القذرة أشد وسائل العنف قسوة ووحشية!
 
في المقابل حصل ما يشبه الهدنة أو التواطؤ، فقد غضت تلك الأنظمة الطرف عن خروج الإسلاميين منها متوجهين إلى العراق، آخذة في حسبانها أنها بتخلصها منهم إنما تتخلص إلى الأبد من "قنابل موقوتة" ، وأنهم من جانب آخر سيساعدون في عرقلة المشروع الأميركي الذي تعتقد تلك الأنظمة أنه آتٍ إليها لا محالة.
 
إن توقيت إطلاق سراح هذا العدد من المتطرفين، في خطوة تأخرت عقوداً من الزمن، ثم اتُخِذت بهذه السرعة الدراماتيكية، وبعد أيام فقط من إلقاء الرئيس الليبي خطابه في القمة العربية، يطرح أسئلة على جانب كبير من الأهمية والخطورة في آن: هل ترجم القذافي ما قاله في المؤتمر إلى صفقة مع ألدّ خصومه الداخليين وأشرسهم؟ وهل قرر التخلص منهم بإرسالهم إلى العراق تحت شعارات براقة كالجهاد والثأر؟ لماذا شمل العفو الإسلاميين من معارضي القذافي ولم يشمل العلمانيين؟ ألأن هؤلاء لا نفع فيهم لمثل تلك المهمات التي تحتاج إلى "بهائم" أكثر مما تحتاج إلى متنورين؟ هل نحن في العراق بانتظار موجة جديدة من "الهدايا الانتحارية" ؟ وهل سيكون مجرى هذه الموجة (من المنبع إلى المصب):طرابلس الغرب - دمشق - بغداد؟.
 
نقلا هن جريدة «الصباح»
للتعليق على المقال
الإسم:
العنوان الإلكتروني:
التعليق

تعليقات القراء
 

 

libyaalmostakbal@yahoo.com

 

جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع >>>> ليبيا المستقبل منبر حر لكل من يطمح ويسعى لغد أفضل لليبيا الحبيبة