حول
الحراك السياسيّ والاقتصادي
بداية, يجب أن نكون على فهم واضح
ومتقدّم لطبيعة المجال الحيويّ الذي تتمّ فيه عملية الحراك السياسيّ
والاقتصادي، خاصة حين تناقش الأمور على مطلقاتها، فنحن نريد تحديداً وتوضيحاً
لمعنى المجتمع المدني المطموح له، أو المعمول من أجله، فهل هو المجتمع الذي
يعبّر عنه الشكل السياسيّ والاقتصادي والاجتماعيّ، المعمول فيه، أو من خلاله،
كما اننا لا بدّ من أن نميّز بين مفهومين هامين، قد يختلطان على البعض،
الأوّل مرتبطٌ بمفهوم المجتمع المدنيّ، بالمعنى المؤسساتي، والآخر المرتبط
بمفهوم المجتمع المدنيّ بالمعنى المعرفيّ، وهو المرهون أصلاً بالمساحة
المرجعية التي يوفرها مجمل الإنتاج الفكريّ لنخبة هذا المجتمع، أو التي
يستفيد منها، ففرق كبيرٌ بين أن تجعل المجتمع المدنيّ هدفاً تسعى إليه، وبين
أن تطلب بسحب مفهوم محدّد حول هذا المعنى، باعتباره صيغة قادرة على الإنتاج
المباشر، في مجتمع ما، من نظام ما - سمّه ما شئت - وقلب هذا النظام إلى نظام
مؤسساتيّ، يقوم في تفاصيله على معنى سياسيّ أساسه المجتمع المدنيّ، دون البحث
في مساحة المتاح وفهم الممكن المعرفي، أصلاً.
ولإمكانية حراك هذا المفهوم واقعياً..
تجدر بنا الاشارة الى ان المجتمع المدني من حيث الاساس هو نسيج متشابك من
العلاقات التي تقوم بين أفراده من جهة، وبينهم وبين الدولة من جهة أخرى. وهى
علاقات تقوم على تبادل المصالح والمنافع، والتعاقد والتراضى والتفاهم
والاختلاف والحقوق والواجبات والمسئوليات، ومحاسبة الدولة في كافة الأوقات
التي يستدعى فيها الأمر محاسبتها.
ومن جهة إجرائية، فإن هذا النسيج
من العلاقات يستدعي، لكي يكون ذا جدوي، أن يتجسد في مؤسسات طوعية اجتماعية
واقتصادية وثقافية وحقوقية متعددة تشكل في مجموعها القاعدة الأساسية التي
ترتكز عليها مشروعية الدولة من جهة، ووسيلة محاسبتها إذا استدعى الأمر ذلك من
جهة أخرى.
والمجتمع المدني هو مجتمع مستقل
إلى حد كبير عن إشراف الدولة المباشر، فهو يتميز بالاستقلالية والتنظيم
التلقائي وروح المبادرة الفردية والجماعية، والعمل التطوعي، والحماسة من أجل
خدمة المصلحة العامة، ورغم أنه يعلى من شأن الفرد إلا أنه ليس مجتمع الفردية
بل على العكس مجتمع التضامن عبر شبكة واسعة من المؤسسات, وتلتزم في وجودها
ونشاطها بقيم ومعايير الاحترام والتراضى والتسامح والمشاركة والإدارة السلمية
للتنوع والاختلاف. بالعودة مجددآ الى مفاهيم
المجتمع المدني, السلم والانسانية,
ومؤزارة اسباب الحياة والعدالة الاجتماعية، باعتبارها المفاهيم
المعاصرة للهوية والمواطنة، التي هي امتداد حتمي للديموقراطية، ولممارستها من
قبل جميع شرائح المجتمع، فالشعارات المجردة باسم «الديموقراطية»، لا يمكن
الوثوق بها كأساس لاصلاح وتطوير المجتمع وتحقيق التنمية من دون ربطها
بالعدالة الاجتماعية، ومن دون تقديم تصورات نقدية لمكونات النظام المؤسسي
الثلاث، الدولة، السوق، المجتمع، فالثقافة المدنية لا تنشأ نشوءاً آلياً..
وتعثر اقتصادي متواصل، ولم تتمكن اللجان الشعبية العامة المتعاقبة من معالجة
سلبيات هذه البرامج والاتجاهات، لاستشراء الفساد وغياب الجدية الحقيقية في
المعالجة، ما شكل عبئا ثقيلا على الفرد والمجتمع وتسبب في فشل برامج التنمية
السياسية والاجتماعية والاقتصادية». لتصل الى انه «للخروج من واقع المعاناة
التي يعيشها المواطنون في ليبيا، وفي ظل اخفاق الاجهزة المناط بها محاربة
الفساد بمختلف أشكاله، وعدم القدرة على تحقيق الحد الأدنى من الحياة الكريمة
للغالبية العظمى من المواطنين، واحداث التنمية اللازمة للمجتمع نحو التطور
وبتالي رغم اننا نعيش في زمن أختلت فيه المعايير وتسطحت المفاهيم وابتُذلت
الشعارات، فلم يعد المواطن يعرف الفرق بين النصر والهزيمة، بين المناضل وغير
المناضل، بين الثوري والرجعي، بين أنظمة الثورة وما يفترض أنه نقيضها، بين
الاستقلال والتبعية، بين الحرية والاستبداد، بين الديمقراطية والفوضى،بين
الدولة والقبيلة، في هذا الزمن حيث يعيش المواطن منقسما على ذاته، مترددا
حائرا، ضائعا، لم يعد فيه الوطن بالنسبة له إلا محل إقامة إجبارية، هذا وان
كان من البديهي إن ممارسة الحقوق والحريات تلك ممارسة مجتمعية حضارية عقلانية
لا تتسنى إلا ضمن قوانين وإجراءات تنظيمية وتأطيرية تيسر الأمن والاستقرار
والطمأنينة, فإن ضمان التمتع بها لا يقره إلا الدستور...
بقلم: د.شعبان علي
ابراهيم
|