الدجاجة السمينة والقطط السمان
حكايات البشباشي

مللنا
البسباسي الخرفان
سكران المدعو يترنح
يجوس مواخير الهذيان
ويلوك الألم
ويزين عهد الطغيان
يرسم جنته
ويحرقنا بنار العصيان
قرفنا حكايته الخرساء
باتت نكاثا سمجة
وروتين سماعا
يجلدنا
بالسخف
بالهراء
باللعق والمسح
على جوخ السلطان
|
ذات يوم كنت مارا من أمام أحد
المحلات التي تبيع الدجاج المذبوح, فراق في عيني وبطني حجم الدجاج الملفت
وكأنه نعام, حجم من العيار الكبير والمثير والنادر ايضا في زمن حملات التجويع
المنظم الذي طالت البشر والدجاج والكلاب. نعود للمحل الذي كان صاحبه منتفخ
الريش كأنه ديك وهو مزهو بدجاجه السمين والمتين. كان بالمحل مشتري أخر يبدو
أن زوجته الهزيلة قد نبهته الى المحل الذي كان يقابل جهة نافذتها المشرعة على
كل الفيترينات فنزل من سيارته على عجل تتبعه ضربات مرافق الزوجة المحرضة
وكلماتها المستفزة لعقله والمحرجة لجيبه المجلل بالعار وفقدان الرجولة, كانت
تركله نحو حافة الجنون, كاد أن يطلق صرخة طرزان الغابة بل كاد أن يخلع ملابسه
ليعلن التجرد من كل شيء وأمام الكون كله. رغبته في عقد صفقة كبيرة تستهدف
شراء منهج دسم من اللحوم البيضاء لتسمين زوجته العجفاء في دورة علاجية طارئة,
أنزلت من غيمة الهدوء زخة ارتياح فانتعش.
طوفان القحط غمر الكل وامتدت أذرع
الهزال إلى بيوت الخواء, فجفت الضروع وفرغت القدور وانخرطت الجموع في حملة
وطنية للتخسيس الرخيص, فيما أسعار البترول تسجل طفرة غلاء وتحشو في جيوب طبقة
النبلاء المزيفة وجموع الاقطاعين الاشرار أثمان ثروة الشعب الكحيان.
صاحب المحل الموشى بالريش المنتوف
والمدجج بالكبرياء المنفوخ. بدا مزهوا كانت أثار بقع الدم الطازجة عالقة
ببالطو الذبح الناصع الحمرة الذي لونته فرشاة الذبح بتشكيل دموي ناتج عن
جرائمه الفنية المعهودة كل صباح كسفاح مسلح بالسكاكين.
قلت له ...
خير يا حاج حمد
رد قائلا...
نهارك مبارك تي شنو حالك ؟
والله يا حاج شني بنقوللك اهو ماشي
حال الديك عالرحى
والرحى ما طيحت شي اللي تطيح فيه يلهفوا فيه الجماعة
غيرت الموضوع
وطرحت سؤالي بسرعة 50 حرف في الدقيقة:
بكم الدجاج ياسي الحاج اليوم
؟
بعد لحظات من الكبر واللامبالة
نطق قائلا بـ 8 دنانير يا مبحبح.
اتبع كلامه بغزلية وصفية طالت
الدجاجة من صدرها الى فخذيها حتى كدت أظن أن الرجل قد أختلط عليه الأمر واصفا
كائنا أخر.
قلت على رسلك ياخوي خلينا في
الدجاج خير راهو الحال حال عيد وادواخ رمضان عدى....
لدي سؤال لو تكرمت.... منذ سنوات اتابع
بورصة الدجاج ولي فيه ذائقة مدمنة وغرام قديم, وإن كنت
لا أشتريه الا مرات معدودة في الشهر الواحد الا انني ازعم أن عيني
كانت نادرا ماتحظى بلقطة طيبة للدجاج السمين كمثل هذا الذي عندك.
الله يسلمك والله يسمنا ويسمنا حتى
احنى.
جلس صاحب المحل على كرسيه وسحب
كرسيا اخر ومرر شحنة وافرة من الابتسامات ناحية دجاجه - الذي بث فيه مشاعر
الفخر- ثم رمى لي بواحدة تلقفتها شاكرا.
يا بوصاحب تعال نهدرزوا شكللك فاضي
وفي عقلك كلام.
تشجعت للعزومة مؤملا منها النجاح
في خفض قيمة الدجاجة وطرح أسئلتي الفضولية على بائع الدجاج السمين...
جلست على كرسيه الخائر متحفزا مخافة السقوط في برك الماء القرمزية.
ريت ياسيد هذا الدجاج يأتي الينا
نادرا, في هذه صدقت واهنئك على ذاكرة عينك النهمة
وأحسدك عليها.
قلت...
تقصد ان هذا الدجاج موسمي الهجرة يتم ذبحه عقب وصوله طائرا من اقاليم اخرى.
انتابته حالة ضحك شديدة لم يقو
عليها صدرها العليل فكاد أن ينفجر أمامي.
يبدو انك تجيد التلاعب بالكلمات
وتجر لساني الى مساحات خطرة. ولكن لا تهتم يبدو
انك ابن حلال وطيب وشكلي بنودك بدجيجة بلوشي.
سعدت بمزاح الجزار الكريم وارتحت
من عناء التوجس منه فرفعت وتيرة الحوار وعمقت سبري لاغواره.
اه يا حويج يعلم الله انك كريم
ودجاجك يستأهل بارك الله فيك... لكن عندي سؤال...
من أين يجيكم هالدجاج السمح والسمين والمدرهب والمنفوخ تقول عليه ديك
رومي.
اه يا وليدي اه اه اه..
ان كان نقولك ما تصدقش.. هالدجاج جاي من
الصحراء.. انت ماسمعتش بالقطط السمان .... ....
.... الخ. اقصد اللي زاطوا في الدحي الذهبي اللي
ماسكين الدجاجة الكبيرة ويحلبوا في البقرة ليهم اسنين يمصوا في الحليبة واحنا
نمصوا في الليم.... المهم ياوليدي راهو حتى الطيور
فيهن راقد الريح وفيهن المرتاح كيفنا بالضبط...
موش هنا طيور البلاد ونحنا عبيد البلاد ولخرين قطوطة البلاد.

بلدي بلدي بلدي
بيدي نبنيك يا بلدي
باخلاص نعليك
ومانبخلش عليك
بدمي يا بلدي
قلت الله الله يا حاج اهو الغنى
الليبي السمح والكلام السمح لكن يا حسرة وينهم
التريس الصقورة..
يلطف ربي ياوليدي وسع بالك لايام
جايبات مطر ان شاء الله
قلت...
كيف ؟ شنو قلت... شكلك
دائخ يا حاج والباين السهر مازال صابغ في عقللك.
حتى اعيونتاك موليات حمر... تي شنو دخل القطاطيس
والطيور والدجاج ورقاد الريح.
وسع بالك يا راجل...
بشوية... تو انقوللك...
هذا الدجاج مكمل حليب امه... قصدي مكمل علفته صح وواكل لين قايل بس
ومحصل هناقر اسماح وتكييف وتدفئة مركزية ما تقول الا قاعد في قاعة
مؤتمرات. يعني يا بوصاحب دجاج ولد عز وزايط من يوم
جابوه كتكاكيت, موش زي كتاكيت الناس العرقانة تعيش جعانة وتأكلها الناس
التعبانة.
ونقوللك على راي حاتم الكور من
لاخير... هذا ياوليدي دجاج سمين ربوه ووكلوه القطط
السمان في مزارعهم اللي مخازنها مليانة علفة من الرخيصة امتاع الدولة. ماهو
القطط السمان يقدروا يحصلوا الكتكوت الاصلي والعلفة السمحة, أه بيش بيعوا
للشعب التعبان دجاج سمين وسمح زي هالدجاج.
أصلا هما عايشين في عصر الجماهير
ومن اجل الترفيه عالكادحين.
فعلا فعلا ... قلت عصر ... يعلم
الله انه عصر أصلي.
نظر لي الحاج ولف برقبته كضبع في
أرجاء المحل وومددها قليلا نحو الشارع ثم سكب سره في جوف أذني:
عارف الدجاج هذا شنوا الماركة
المسجلة امتاعة بين سمسارة السوق ؟
قلت لا والله.
قال الحاج:
ياولدي هذا دجاج الصحراء العملاق
... منتجات هناقر الكبار في سرت وما حولها ماهو
القطوطة الكبار ماخلو شي الا مابزنسو فيه من بل جدهم الى دجاج شعبهم ويربوه
لينا وياكله واحد زي وزيك تعبان وعريان بعد ما يدفع فيه باهظ الاثمان.
فهمت توة ولا انزيدك بيش نكملوا
هالنهار في ....
أطلق الحاج لسانه بالغناء مادحا
دجاجه...
انا دجاجي بطعم السمان
كبير وماشي في رمضان
جابوه صيادين احنان
فكوه من اقطط سمان
تعال اشوي يا بولعويلة
دجاجي ماتلقاش ازويلة
تعرف يا وليدي احنا عايشين اكبر
كذبة... يقولونا اشتراكية ومساواة...
وهما خلوا من الحكومة غولة راسمالية...
طاحونة للشعب يرحوا فيه ليل نهار... راهي
فعلا احكومة ميري والله كان اينوض التركي والباشا
والانكشارية ايتبروا من ظلمهم.
البشباشي
|