27/12/2007

 


كل الرسائل تنشر كما هى وبدون تصحيح للأخطاء الإملائية أوالنحوية

 
منعم شريف ـ اخترت لكم / نزار قبانى: مواطنون ... دونما وطن *
 
 
مواطنون دونما وطن……
 
مواطنون … دونما وطن
مطاردون كالعصافير على خرائط الزمن
مسافرون دون أوراق
وموتى دونما كفن
نحن بغايا العصر .. كل حاكم
يبيعنا، ويقبض الثمن ! !
نحن جواري القصر ، يرسلوننا
من حجرة لحجرة
من قبضة لقبضة
من هالك لهالك
من وثن إلى وثن
نركض كالكلاب كل ليلة
من عدن لطنجة
نبحث عن قبيلة تقبلنا
نبحث عن عائلة تعيلنا
نبحث عن ستارة تسترنا
وعن سكن
وحولنا أولادنا
احدودبت ظهورهم ، وشاخوا
وهم يفتشون في المعاجم القديمة
عن جنة نظيرة
عن كذبة كبيرة ..
تدعى الوطن
مواطنون نحن في مدائن البكاء
قهوتنا مصنوعة من دم كربلاء
حنطتنا معجونة بلحم كربلاء
طعامنا، شرابنا
عاداتنا، راياتنا
صيامنا، صلاتنا
زهورنا، قبورنا
جلودنا مختومة بختم كربلاء
لا أحد يعرفنا في هذه الصحراء
لا نخلة، لا ناقة
لا وتد، لا خنجر
لا هند، لا عفراء
أوراقنا مريبة
أفكارنا غريبة
فلا اللذين يشربون النَّفْطَ يعرفوننا
ولا اللذين يشربون الدمع والشقاء ..
معتقلون ..
داخل النص الذي يكتبه حكامنا
معتقلون ..
داخل الحزن، وأحلى ما بنا حزننا
مراقبون نحن في المقهى .. وفي البيت ..
وفي أرحام أمهاتنا ..
حَيْثُ تَلَفَّتْنَا، وجدنا المخبر السري في انتظارنا
يشرب من قهوتنا
ينام في فراشنا
يعبث في بريدنا
ينكش في أوراقنا
يدخل من أنوفنا
يخرج من سعالنا
لساننا مقطوع
ورأسنا مقطوع
وخبزنا مبلل بالخوف والدموع ..
إذا تظلمنا إلى حامي الحمى
قيل: لنا ممنوع
وإن تضرعنا إلى رب السما
قيل لنا: ممنوع ..
وإن هتفنا:
يا رسول الله، كن في عوننا
يعطوننا تأشيرة من غير ما رجوع
وإن طلبنا قلما
لنكتب القصيدة الأخيرة
أو نكتب الوصية الأخيرة
قبيل أن نموت شنقا
غيروا الموضوع ..
يا وطني المصلوب فوق حائط الكراهية
يا كرة النار التي تسير نحو الهاوية
لا أحد من مُضَرٍ .. أو من بني ثقيف
أعطى لهذا الوطن الغرق بالنزيف
زجاجة من دمه ..
أو بوله الشريف !!
لا أحد .. على امتداد هذه العباءة المرقعة ..
أهداك يوما معطفا أو قبعة ..
يا وطني المكسور مثل عشبة الخريف ..
مُقْتَلِعُون نحن كالأشجار من مكاننا ..
مُهَجَّرُون من أمانينا، وذكرياتنا ..
عيوننا تخاف من أهدابنا
شفاهنا تخاف من أصواتنا
حكامنا آلهة يجري الدم الأزرق في عروقهم
ونحن نسل الجارية
لا سادة الحجاز يعرفوننا ..
ولا رُعاع البادية
ولا أبو الطيب يستضيفنا
ولا أبو العتاهية
إذا ضحكنا لِعَلِيٍّ مرة ..
يقتلنا معاوية
مهاجرون نحن من مرافئ التعب
لا أحد يريدنا
من بحر بيروت .. إلى بحر العرب ..
لا الفاطميون، ولا القرامطة
ولا المماليك.. ولا البرامكة
ولا الشياطين، ولا الملائكة
ولا أحد يريدنا
في المدن التي تقايض البترول بالنساء،
والتاريخ بالقروش، والإنسان بالذهب
وشعبها يأكل من نِشَارَة الخشب ! !
لا أحد يريدنا
في مدن المقاولين، والمضاربين، والمستوردين،
والمصدرين، والملمعين جزمة السلطة،
والمثقفين حسب المنهج الرسمي،
والمستأجَرين كي يقولوا الشعر،
والمقشرين اللوز، والتفاح للملوك،
والمقدمين للأمير عندما يأوي إلى فراشه
قائمة بأجمل النساء ..
والموظفين في بلاط الجنس ..
والمهرِّجِين ..
والمخنَّثين ..
والمخوِّضين في دمائنا حتى الركب
لا أحد يقرؤنا
في مدن الملح التي تذبح في العام
ملايين الكتب ..
لا أحد يقرؤنا
في مدن ..
صارت بها مباحث الدولة
عرَّابَ الأدب
مسافرون نحن في سفينة الأحزان
قائدنا مرتزق
وشيخنا قرصان
مكوَّمون داخل الأقفاص كالجرذان
لا مرفأ يقبلنا
لا حانة تقبلنا
لا امرأة تقبلنا
كل الجوازات التي نحملها
أصدرها الشيطان
كل الكتابات التي نكتبها
لا تعجب السلطان ..
مسافرون خارج الزمان والمكان
مسافرون ضيعوا نقودهم ..
وضيعوا متاعهم، وضيعوا أبناءهم
وضيعوا أسماءهم ، وضيعوا انتماءهم ..
وضيعوا الإحساس بالأمان
فلا بنو هاشم يعرفوننا، ولا بنو قحطان
ولا بنو ربيعة، وبنو شيبان
ولا بنو (لينين) يعرفوننا .. ولا بنو (ريغان)
يا وطني: كل العصافير لها منازل
إلا العصافير التي تحترف الحرية
فهي تموت خارج الأوطان …
 
 
نزار قباني

 


* نقلا عن (موقع الأندلس للأخبار)

جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع >>>> ليبيا المستقبل منبر حر لكل من يطمح ويسعى لغد أفضل لليبيا الحبيبة

libyaalmostakbal@yahoo.com