من أهم المحاور التي يتناولها
معارضي ومناصري أي نظام سياسي في أي دولة هو محور الحريات العامة، ولا يجهل
أي ليبي وضع الحريات العامة في ليبيا، وإن كان هناك بعض المتجاهلين . طالعنا
في صحيفة أخبار بنغازي العدد 1584 الثلاثاء 17/10/2006م، مقال يتناول جانب من
الحريات العامة، وذلك في زاوية عيون حارسة، و هي زاوية تعنى بالشئون
القانونية.
موضوع المقال هو شرح و تفسير
والتغزل بقانون رقم 20 لسنة 1991م وهو ما يعرف بقانون تعزيز الحرية، وتحديدا
المادة الثانية منه والتي نصها : "لكل مواطن الحق في التعبير عن آرائه
وأفكاره والجهر بها في المؤتمرات الشعبية، وفي وسائل الأعلام الجماهيرية، ولا
يسأل المواطن عن ممارسة هذا الحق إلا إذا استغله للنيل من سلطة الشعب أو
لأغراض شخصية. وتحظر الدعوة للأفكار والآراء سراً أو محاولة نشرها أو فرضها
على الغير بالإغراء أو بالقوة أو بالإرهاب أو بالتزييف ".
المثير للسخرية في هذا القانون أنه
بالإضافة إلى بعده عن مفهوم الحرية المتعارف عليه في أي مجتمع إنساني متحضر،
فهو يدين بالدرجة الأولى النظام الحاكم لدينا فهو من يفرض أفكاره وآرائه
بالأساليب المحظورة في نص المادة، ثم بعد ذلك و كأنه لا يكفي السخرية
الموجودة في هذا النص، فزادوا من جرعة الكوميديا بتسمية القانون بقانون تعزيز
الحرية وليس قانون تعجيز الحرية.
تناول الكاتب الخلفية التشريعية
لهذا القانون وهي بالطبع تشتمل على الوثيقة الخضراء الكبرى لحقوق الإنسان، ثم
بعد ذلك القرآن الكريم وأورد الآية الكريمة " ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير
ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر " صدق الله العظيم. ولا تتعبوا تفكيركم
بالبحث عن أي رابط منطقي بين الآية الكريمة وبين نص المادة لأنه لا وجود لهذا
الرابط، إلا في إطار المنطق المريض المضحك الذي تزخر به النظرية العالمية
الثالثة.
وحتى لا تفقد المقالة روح الفكاهة
فيصاب القارئ بالملل بعد أن يجتاز السطور الأولى، نجد أن الكاتب يعقد مقارنة
بين هذا القانون وبين وثائق عالمية لحقوق الإنسان, هما: الإعلان العالمي
لحقوق الإنسان، والاتفاقية الدولية للحقوق المدنية والسياسية، وأترك لكم تصور
شكل المقارنة بعد أن أذكركم بالمنطق المذكور أعلاه.
قد يستغرب البعض استيائي من هذا
المقال حيث أنه لا يحمل جديد يخرج عن ما عرفناه وتعودنا عليه في الصحف ووسائل
الإعلام المحلية في ظل النظام الجماهيري البديع، و لكن ما أثار استيائي وأسفي
وقلقي هو أن كاتب المقال هو المدعو، الدكتور سعد العسبلي، المستشار بالمحكمة
العليا.
إن القضاة وخصوصاً عند هذا المستوى
هم دائماً محل احترام و إجلال في أي مجتمع، حيث يفترض فيهم الاستقامة
والحيادية وتمسكهم بقيم الحق والعدالة حتى لو تطلب الأمر انتقاد القوانين
القائمة والمطالبة بتعديلها أو إلغائها.
اتضح لي جلياً كما يتضح لأي شخص
يقرأ المقال أن الكاتب غير مقتنع بما كتب، وهذا ليس بغريب على المرتزقين
والمتسلقين الثوريين، ولكن عندما يصدر مثل هذا المقال عن مثل هذا الشخص فإنه
أمر يبعث على المرارة ، خصوصا في هذا الوقت الذي بلغ فيه الاحتقان والغضب في
الشارع الليبي حداً جعل حتى القذافي وأبنائه يحاولون تنفيسه بعدة محاولات
منها حديث سيف الإسلام في أغسطس من هذا العام والذي طالب فيه بمساحات من
الحرية أكبر من ما يسمح به قانون تعزيز الحرية الذي تغزل في محاسنه سيادة
المستشار.
أسم ليبي
|