12/11/2006
|

|

|
|
|
لذة العمل
والإنجاز
روى البخاري في صحيحه عن أبي هريرة
رضي الله عنه" أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يوما يحدث، وعنده رجل من أهل
البادية، أن رجلا من أهل الجنة استأذن ربه في الزرع. فقال له: ألست فيما شئت
؟ قال: بلى، ولكني أحب أن أزرع. قال: فبذر فبادر الطرف نباته واستواؤه
واستحصاده، فكان أمثال الجبال. فيقول الله: دونك يا ابن آدم، فإنه لا يشبعك
شيء. فقال الأعرابي: والله لا تجده إلا قرشيا أو أنصاريا، فإنهم أصحاب زرع.
وأما نحن فلسنا بأصحاب زرع فضحك النبي صلى الله عليه وسلم"
فهذا الرجل من أهل الجنة،
على ما هو فيه من النعيم المقيم، وتحصيل ما
تشتهيه نفسه مما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر،
وعلى الرغم من كونه في دار جزاء ولا عمل،
اشتهت نفسه القيام بعمل الزرع والحصاد، فمكنه الله
من ذلك، فألقى البذر فنبت في الحال،
أسرع من حركة جفن عينه،فلم يكن بين بذره واستواء الزرع ونجاز أمره كله
من الحصد والتذرية والجمع إلا قدر لمحة البصر، وما
يهمنا في الحديث بعد الاعتقاد بأن كل ما اشتهي في الجنة من أمور الدنيا ممكن
فيها، هو أن للعمل الصالح النافع لذة خاصة ولو لم
يرج من ورائه ثمرة مادية ملموسة، ومحبوب لذاته حتى
تمناه بعض من في الجنة نعيما زائدا على ما هم فيه.
وما يعزز هذه الفلسفة الشرعية
وتوجيه الأنظار إلى هذه النعمة التي يغفل عنها كثير من الناس،
ما ذكره النبي صلى الله عليه وسلم وهو يتحدث عن العمل وسوق القيامة
قائم، أي خارج مسرح الحياة الدنيا وحتى قبل دخول الجنة،
روى أحمد في مسنده عن هشام بن زيد قال: سمعت أنس بن مالك، قال: قال
رسول الله صلى الله عليه وسلم:" إن قامت الساعة وبيد أحدكم فسيلة فإن استطاع
أن لا يقوم حتى يغرسها فليفعل" فلا أحد في ذلك الموقف الرهيب الذي ستنتهي فيه
الحياة الدنيا وتنتهي فيه قيمها وموازينها الأرضية وأموالها ومناصبها
وألقابها وكل شيء يشغل الناس فيها، يخطر بباله أن يفكر في مثل هذا العمل.
ولا أحد يستطيع مع استحضار ما في
الساعة وما بعدها من أهوال القيامة، والتي تشيب
لها الولدان وتضع فيها كل ذات حمل حملها ويتراءى الناس سكارى وما هم كذلك على
الحقيقة، أن يفكر في أي عمل وبالأحرى أن ينشغل
بالفسيلة وغرس النخلة وما يأتي بعدها.ومع ذلك يوجه النبي صلى الله عليه وسلم
المسلمين، وخصوصا ممن وجد مجرد فسحة للتفكير،
وربما أيضا ممن شعر بنوع اطمئنان لما يلمسه من تميزه عن الآخرين بظل الرحمن،
أن يبادر إلى استثمار وقت ذلك اليوم الطويل الذي سيمتد بحسابنا خمسين
ألف سنة، فيبادر إلى غرس الفسيلة والقيام بهذا
العمل الصالح النافع.وهو قد يئس من ثمرتها الدنيوية،
كما أن أقلام الآخرة جفت بقيام الساعة وصحفها طويت.
هذا التوجيه النبوي،يفيدنا ونحن
بعد مع معاييرنا في هذه الحياة الدنيا، أن نقبل
على العمل الصالح بهمة ونشاط وتلذذ وإصرار، ونحن
مطمئنين مع الإخلاص، بأنه لا يضيع من العمل الصالح
النافع شيء عند الله حتى ولو ما كان منه في مثاقيل الذر،
أو أصغر من ذلك،فهو سبحانه (لا يضيع أجر من أحسن عملا).
ولأن أعمارنا محدودة بأجل يتهددها، وبموعد
يفاجئها، لا بد من اختيار أفضل الأعمال وأحسنها في
ميزان الله، وأكثرها أجرا وأوفرها ثوابا وأنفعها
للخلق وأدومها أثرا بعدنا، بحيث يلحقنا خيرها بعد
رحيلنا.
ولا ننسى مكر الشيطان بنا في
التدرج والخطوات،حتى يكون من كيده إذا يئس منك، وقلما ييأس،
أن يشغلك بالعمل المفضول عن الفاضل،وبالحسنات المحدودة عن الجبال
العظيمة منها، فتحرم من تربية ابنك تربية ربانية
صالحة يأتيك ذخرها دعاء بعد وفاتك ، وربما درجات
في الجنة لم تصلها بعملك، وتحرم علما نافعا تبثه
في الخلق، ودعوة للتوحيد والصلاح والإصلاح وتربية للناس عن قرب ،تربح بها مثل
أجور عمل المهتدين وثواب أثر ذلك ما بقي بعدك.
وتحرم بركة الصدقة الجارية التي يأتيك ريعها كل حين ما دام نفعها باقيا.وتحرم
الجهاد بالوسائل المشرعة لتكون كلمة الله هي العليا وغيرها من الأعمال
الجليلة..
والمهم ما يصحب عملك من إخلاص، وما
يلازمه من إتقان، وما يناسب واجب الوقت، وما يكون لك عليه من دوام، وما تشعر
به من لذة العمل الصالح، ومن راحة في النفس والقلب والضمير، وإن تعب الجسد
وأرهقت العضلات والأعصاب، فالأوقات قليلة.
محمد بولوز
|
|
|
|
libyaalmostakbal@yahoo.com