اليمين
الديني في خدمة المشروع الامبريالي الصهيوني للشرق الأوسط الجديد
إلى أرواح أطفال
قانا الشهداء وأنفسهم الطاهرة الزكية يقول الله تعالى في القرآن الكريم:
" ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء
عند ربهم يرزقون ."
إلى الأنظمة العربية
المتخاذلة يقول الله عز وجل في كتابه العزيز: " وتعاونوا
على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان."
إلى قياصرة العالم
الحر وحكام بني صهيون يقول الله قاسم الجبارين وقاهر المسكتبرين:
" قل سيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المجرمين."
[النمل69 ]
إلى المجاهدين
الأشاوس رافعين رايات العدالة يقول الله ناصر المظلومين ورفيق المضطهدين:
" قاتلوهم يعذبهم الله ويشفي صدور
المؤمنين"
أطل علينا العدوان
الصهيوني البربري الغاشم برأسه القاتم وعانقت وحشيته وفاشيته السماء بحيث لم
يسلم منه لا الجماد ولا الأحياء , اذ حتى الأطفال في قانا والعجائز في قرى
الجنوب الصامد لم يسلموا من عدوانيته وتعطشه السادي لسفك الدماء وارتكاب
المجازر. يحدث كل هذا والعالم يتفرج والعرب والمسلمون صامتون والجميع في
الغرب يفشلون كل محاولة لوقف اطلاق النار ومجلس الأمن الذي يتربع على عرشه
شرذمة من المخنثين والذي لا يتوانى في وضع جميع العراقيل والعقبات ضد كل قرار
لإدانة الكيان الإسرائيلي الغاصب ويلقي به في التسلل ويرميه في سلة مهملات
الدبلوماسية الأمريكية الباردة ويجعل أي مشروع للأمن والسلام بالنسبة للشرق
الأوسط مشروعا مؤجلا دوما وغير قابل للتنفيذ.
كما أطل علينا بعض
فقهاء أم القرى والمدينة المنورة ليثبتوا للعالم تحالفهم مع الأنظمة الرجعية
العربية ضد الشعوب التائقة نحو الانعتاق والنهوض وليبينوا دون أدنى شك
عمالتهم وتبعيتهم لأسيادهم وهم في ذلك على نفس النهج الذي خطه فقاء البلاط
والسلاطين منذ أقدم السنين ومنافسين في ذلك جميع المرجعيات السنية المعتدلة
الخجولة منها (الوسطية الفقهية المستقيلة عن شؤون الدنيا المهتمة بشؤون
الآخرة) وبعض التيارات الشيعية المتواطئة مع الاحتلال الأمريكي الغربي للعراق(
المرجعيات المرتبطة ببعض وكالات المخابرات وأزلام الاستعمار).
والحق أننا وجدنا أنفسنا وجها لوجه أمام معسكرين:
اليمين الديني: المعسكر الأول هو من أهل الشمال
تلقى الدين تلقيا رجعيا محافظا ينشر الرعب والإرهاب في العالم ويصدر الحروب
والتكفير والقتل وهو في خدمة الامبريالية والصهيونية ويمثله اليهود المتشددون
من يدعون أنفسهم أنهم أمناء الهيكل وجنود جيش الرب الصهيوني ودعاة إقامة دولة
اسرائيل من الفرات إلى النيل ومن أهلنا سنة وشيعة من أفتوا بالتعامل مع
الأجانب الأعاجم ضد الأخوة البررة وأجازوا الصلح مع بني اسرائيل دون قيود أو
شروط وتحالفوا بوعي أو دون أن يشعروا مع الانجليين الفكتوريين الجدد من
اليمين المسيحي الماسكين بزمام القرار في الإدارة الأمريكية ومجلس الأمن
الذين يدعمون الكيان الصهيوني دون شرط أو قيد ويؤمنون بمقولة نهاية التاريخ
وصراع الحضارات وانتصار الإمبراطورية الأمريكية ويعملون على نشر الفوضى
البناءة والحروب الوقائية الاستباقية للمحافظة على عولمتهم الظالمة وهيمنته
المتغطرسة.
من البين إذن أن
الذين يكونون على يمين السياسة والتاريخ والحضارة يكونون أيضا على شمال الله
من المنافقين المتاجرين بالدين ومن أهل المشأمة والخاسرين.
اليسار الديني: المعسكر الثاني هو من أهل اليمين
تلقى الدين تلقيا ثوريا تنويريا وتبين له الخيط الأسود من الخيط
الأبيض,يتفانى في خدمة المصالح العامة للشعوب بتحرير القلوب من قيود الخوف
والقنوط ويعمل جاهدا على شحذ العزائم وحفز الهمم ويؤاخي بين الناس وينشر
المودة والرحمة في الأنفس ويعمل على توفير الأمن من الفقر والحاجة ويمثله
الإسلام المقاوم في العراق وفلسطين ولبنان والصومال والسودان وأفغانستان ومن
يناصرهم من هيئات المجتمع المدني والمثقفين العضويين والحركات المناهضة
للعولمة وكل المسيحيين الوطنيين الغيورين على عروبتهم وكذلك تجارب اليسار في
أمريكا اللاتينية وأمريكا الوسطى وعلى رأسهم رمز المعارضة الراديكالية
العالمية هوغو شافاز وخاصة تجارب الكنيسة الشعبية ولاهوت الأرض والتحرير. لقد
بني هذا التيار إستراتيجيته على مقاومة الظلم ومقارعة الباطل وحمل على
الاستبداد والفساد تصديقا لما رواه أبو ذر الغفاري عن رسول الله صلى الله
عليه وسلم فيما يقوله عن ربه: "يا عبادي
إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرما فلا تظالموا, يا عبادي كلكم ضال
إلا من هديته فاستهدوني أهدكم.".
من البين خلاف ذلك
أن الذين يكونون على يسار السياسة والتاريخ والحضارة يكونون أيضا على يمين
الله من الفائزين ومن أهل الميمنة المقربين. وتمثل كل حركات التحرر الوطني في
العالم والمنظمات المقاومة والجمعيات المناوئة هذا المعسكر الثاني رغم
التباين في المنطلقات والأسس وتوزعها بين السياق الوطني والسياق القومي
والسياق الأممي ولعل أهم هذه الحركات المستنيرة الثورية التقدمية نجد حزب
الله وحماس والمقاومة المجيدة في العراق لأنها رفضت الذل والخنوع والاستسلام
ونهضت من أجل صون الشرف والعرض وللدفاع عن الكرامة والسيادة بالنسبة للأرض
والوطن تصديقا لما قاله الحبيب المصطفى: "حب
الأوطان من الإيمان"
أما عن الشرق
الأوسط الجديد الذي تبشر به الإدارة الأمريكية وتريد أن تكون فيه الملة
اليهودية هي الأرفع شأنا وعددا وتكون إلى جوارها فسيفساء من الطوائف
والاثنيات والدويلات والملل والنحل المتناحرة والمتصارعة فيما بينها من
الحالتين العربية والإسلامية فإنه سيكون شرقا بحق جديدا يولد من كهوف الشرق
تكون فيه دار العروبة موحدة وراية الإسلام مرفرفة عاليا وتكون فيه القيم
الإنسانية الكبرى (الحق والخير والجمال والعدل والمحبة والمساواة والإنصاف...)
مصانة ومحترمة ومطبقة على أرض الواقع كحقيقة معاشة.
إن المسلمين
والمسيحيين وكل شعوب العالم الأخرى المستضعفة المضطهدة يمكن لهم أن يتفقوا
على حد أدنى من المطالب وأن يكونوا جبهة عالمية واحدة أو مجتمع مدني عالمي
ليواجهوا عدوا واحدا وهو العولمة الظالمة التي تنفث سمومها الولايات المتحدة
الأمريكية وتستعمل فيها الكيان الصهيوني كقوة ضاربة وعصا غليظة متقدمة في
المنطقة وتجعل من الدولار والحياة الدنيا والاستهلاك والرفاه والسوق والمنفعة
ديانة وثنية جديدة.
لاشك أن الدين
الجديد الذي يجمع كل هؤلاء الفرقاء هو دين مستنير يضع نصب عينيه خدمة الإنسان
أين ما كان دون تمييز ويراعي حرمة المصالح الخمسة:
حفظ النفس والعقل
والنسب والمال والعرض ويحمل على الفساد والاستغلال والظلم ويحارب أرباب الأرض
من الطواغيت ويعمل على استئصال الطبقية والتفاوت بين الشعوب ويحرص على إنتاج
نمط من التنمية المقتدرة ويدعو إلى العدالة والمساواة في التمتع بخيرات الأرض
والى حرية العقيدة وحق الأفراد في التفكير لأن الملك لله والحكم لله والله
وحده ملك السماوات والأرض ولا يجوز لأي دولة أو طائفة أن تبسط نفوذها على
السماء بعد أن أنهت تخريبها للحياة على أديم الأرض.
يقول العلي القدير:
" ونريد أن نمن على الذين
استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين"[ القصص5].
يقول شاعر
المقاومة التونسية الفتية ضد الاستعمار الفرنسي الغاشم أبو القاسم الشابي:
لو
تعلمون بني قومي الذي كتموا عنكم لأضرمتم الدنيا وما فيها
حربا مضرسة يمتد ثائرها إلى
الكواكب يدحوها ويطويها
وثرتم تنفضون الذل عن مهج غلت من الظلم إرغاما أياديها
لو تعلمون الذي يخفون من احن نحو العروبة قاصيها ودانيها
إذا وثبتم على الأيام وثبتها أو تستكين لكم كرها مراميها
وسرتم نحو أقوام جبابرة نهم المطامع أغوتها أمانيها
أما وربكم يا قوم ما هدأت في صدرهم غلة سحم مآتيها
إن المظالم أنواء مروعة والحق لج عميق سوف يطويها"
إذا كان المولاة
لأمريكا وإسرائيل والشق المتسلط العنصري من الغرب هو الشرك الأكبر طالما
أنهما يمثلان سبب البلاء وأصلا المؤامرة المطلقة التي تتعرض لها الأمة
الإسلامية والعربية فإن الإيمان المطلق يقتضي مقاطعة الكيان
الغاصب ورفض حقه في الوجود ويتطلب الكفر بالقيم الأمريكية الزائفة وأصنامها
الجديدة سواء في الاقتصاد أو في الثقافة أو في السياسة ومساندة كل القوى التي
تحارب الفكر النيوليبرالي وتواجه العولمة الظالمة.
عندئذ أليس الأوان قد حان عندنا لكي يبرز الاستضعاف كله ويناطح الاستكبار كله
وتنهض قوى الأمة من غفوتها لتعيش معركة عصرها التي انتظرها الجميع طويلا.
فمتى تتوحد
الطاقات الثورية للشعوب المظلومة ضد جلاديها الحقيقيين ؟ وهل نشهد بعد ملحمة
حزب الله تصاعد أسهم الإسلام المقاوم المستنير وفشل الإسلام السلطوي الرجعي
الذي يخدم الأنظمة المستبدة الطاغية ويبرر الوقوع في الاستعمار والاستيطان ؟
متى ينتقل الفقهاء عندنا من الاهتمام بالعبادات والطقوس إلى التشريع
للمعاملات والمواقف ؟ أليس من الضروري اليوم أن نفسح المجال لفقه المقاومة
دون تنازل أو مساومة طالما أنها موعودة بالنصر بإذن الحكيم القدير ؟
أبو ذر
|