24/03/2008

       

 
 
قـوانـين تنتهك حقوق الانسان في ليـبـيا !! *
 
جمعة القماطي

سن النظام الليبي مند وصوله الى السلطة عام 1969 المئات من القوانين في مخلتف المجالات، ومنها ما له علاقة مباشرة بالحريات العامة وممارسة النشاط السياسي والثقافي ‏والاقتصادي في ليبيا. القوانين الكثيرة الصادرة لا تعكس بالضرورة زخم وثراء ‏تشريعي ايجابي بقدر ما عكست وتعكس حرص النظام الليبي على تحصين نفسه بسد ‏الثغرات وصد الأبواب أمام أي رأي أو تيار آخر منافس لسلطته وبالتالى ايجاد ‏المبررات القانونية الجاهزة لقمعه واقصائه.‏
 
الأمر الأخر المهم في القوانين التي استصدرها النظام الليبي هو في كونها لم ‏تصدر عن سلطة تشريعية منتخبة مباشرة من الشعب الليبي، ولكن صدرت عن سلطة ‏تنفيدية مباشرة ـ مجلس قيادة الثورة، مـثلا ـ لم تكن تملك أي تفويض شعبي. وحتي ‏القوانين التي صدرت باسم مؤتمر الشعب العام مند 1977 كانت غالبا بايحاء من ‏وتعكس رغبات حاكم البلاد المطلق العقيد معمر القدافي لترسيخ سلطته وتقنين ‏مقولاته وليست بالضرورة لخدمة حاجة أو مصلحة جوهرية تهم المجتمع الليبي.‏
 
بعض هذه القوانين المتعلقة بالحريات العامة وممارسة النشاط الفكري والسياسي أو ‏الاقتصادي استخدمت سيوفا مسلطة على رقاب الليبيين لحرمانهم من حقوق ‏أساسية مشروعة، ولترسيخ نهج استبدادي مدمر على مدى ثلاثة عقود من الزمن أدى ‏الى تقهقر وتخلف ليبيا على كافة لمستويات. كما أدي هذا الاستبداد الى حرمان المجتمع ‏الليبي من فرصة تاريخية لتحقيق تنمية شاملة وانبعاث نهضوي كان يمكن أن يفخر به ‏أمام العالم.‏
 
وسأستعرض هنا على سبيل المثال لا ‏الحصر أهم هذه القوانين، ولماذا يجب أن تتغير مع التطرق الى خطوات أخري ‏عملية مطلوبة كذلك كمقدمة ضرورية لأي اصلاح حقيقي شامل في ليبيا اليوم. ومن هذه ‏القوانين: ‏
 
1. قانون رقم 45 لسنة 1972 بشأن تحريم الإضرابات والإعتصامات ‏والمظاهرات، حيث جاء في المادة (1) من هذا القانون: "... والإضراب جريمة في ‏حق الوطن تعوق مسيرته الثورية وتعرقل تقدمه" كما جاء في المادة (3): "لا ‏يجوز الإلتجاء الى الإضراب بأي صورة لحل المنازعات أو لتحقيق أي مطلب أو ‏هدف معين..."‏
 
ان هذا القانون ينتهك حقا أساسيا هو حق التظاهر السلمي للمطالبة بحقوق أو ‏التعبير عن مواقف وأراء معينة من قبل أفراد أو تجمعات بكل حرية، وهو الأمر ‏الذي نجده في كل الدول التي تحترم مواطنيها حيث يكون حق التظاهر والاعتصام ‏مكفولا بحكم القانون وتقوم الشرطة بحماية المتظاهرين أثناء ممارستهم لهذا الحق. ‏
 
2. قانون رقم 71 لسنة 1972 بشأن تجريم الحزبية حيث تنص المادة (2) منه على أن "الحزبية خيانة في حق الوطن وتحالف قوى الشعب العاملة الممثلة ‏في الاتحاد الاشتراكي العربي. ويقصد بالحزبية كل تجمع أو تنظيم أو تشكيل أيا ‏كانت صورته أو عدد أعضائه يقوم على فكر سياسي مضاد لمباديء ثورة الفاتح من ‏سبتمبر في الغاية أو الوسيلة، أو يرمي الى المساس بمؤسساتها الدستورية سواء كان ‏سريا أو علنيا، أو كان الفكر الذي يقوم عليه مكتوبا أو غير مكتوب، أو استعمل دعاته ‏ومؤيدوه وسائل مادية أو غير مادية"‏... وتنص المادة (3) منه على أن "يعاقب بالإعدام كل من دعا الى اقامة ‏أي تجمع أو تنظيم أو تشكيل محظور بموجب هذا القانون، أو قام بتأسيسه أو تنظيمه ‏أو ادارته أو تمويله أو أعد مكانا لاجتماعاته، وكل من انضم اليه أو حرض على ذلك ‏بأية وسيلة كانت، أو قدم أية مساعدة له، وكذلك كل من تسلم أو حصل بطريقة ‏مباشرة أو بطريق غير مباشر بأية وسيلة كانت على نقود أو منافع من أي نوع أو من ‏أي شخص أو من أي جهة بقصد اقامة التجمع أو التنظيم أو التشكيل المحظور أو ‏التمهيد لإقامته. ولا فرق في شدة العقوبة بين الرئيس والمرؤوس مهما كانت درجته ‏في الحزب أو التجمع أو التنظيم أو التشكيل أو الفرقة أو الخلية أو ما شابه ذلك"... ‏ ولا ندري أين هو اليوم "الاتحاد الاشتراكي العربي"‎ المشار اليه في المادة الثانية ؟!
 
ان هذا القانون المشين يتعارض مع كل المواثيق والتشريعات الدولية التي وافقت ‏عليها الدولة الليبية، ولا يمنع فقط قيام الأحزاب السياسية بل يصد الباب كذلك أمام ‏قيام ما يعرف بمؤسسات المجتمع المدني الأهلية غير الحكومية والمستقلة من جمعيات وروابط ‏واتحادات ونقابات ومنتديات، أو أي تجمعات من التي يمكن أن تنخرط فيها شرائح ‏مختلفة من المجتمع بغض النظر عن توجهاتها وانتماءاتها الفكرية والسياسية لتدافع ‏عن مصالحها وتعبر عن قناعاتها بعيدا عن سيطرة وأدلجة السلطة القائمة كما هو ‏الحال في ليبيا اليوم، حيث تسيطر اللجان الثورية والأجهزة الأمنية على كل مؤسسات المجتمع في ليبيا، ‏وتزيف فكرتها ودورها. إن استقلالية هذه المؤسسات أمر حيوي لقوة أي مجتمع ‏وتدافعه نحو الأفضل. ‏
 
وقد تابعنا وشاهدنا كيف سلط النظام هذا القانون الجائر من خلال الحكم بعقوبة ‏الاعدام والسجن على شخصيات ومجموعات كثيرة، لا لشيء إلا لأنها تتبني أفكارا ورؤي ‏سياسية سلمية تنافس فكر النظام الأوحد، مع العلم بأن التعدد في الاجتهادات هو ‏الأصل في الفطرة البشرية وفي كل الدول المتطورة القوية في عالم اليوم.‏
 
وهناك سؤال مهم له علاقة بهذا القانون يطرح نفسه كذلك وهو: لماذا أصبح انشاء ‏الجمعيات الخيرية وجمعيات حقوق الانسان في ليبيا حكرا فقط على أبناء وبنات ‏العقيد القذافي؟ ولما أصبح محظورا على غيرهم من المواطنين؟ وفقا لقانون رقم 19 لعام 2000 حول تأسيس الجمعيات الأهلية . ولماذا ـ على سبيل المثال ـ لا ‏يسمح لجمعيات حقوق انسان ليبية نشطة في الخارج بالتواجد والعمل داخل ليبيا؟ ‏خاصة وأن النظام الليبي يصر على أنه لا توجد لديه مشكلة انتهاكات حقوق انسان‎!‏ ‏فما الذي يخشاه من تواجد هذه الجمعيات الليبية المستقلة داخل ليبيا اذا؟
 
3. قانون رقم 75 لسنة 1973 الصادر في 10 أكتوبر 1973 بشأن تأميم ‏الصحف والدوريات الخاصة المستقلة أو الأهلية وأيلولتها بالكامل الى الدولة وكان من بينها آنذاك ‏صحف: البلاغ... الرائد...الحرية... الشوري... الجهاد... الرأي... الميدان... الحقيقة.. ‏وغيرها. وهكذا بعد أن كان المواطن الليبي قبل ثلاثة عقود يتمتع بصدور أكثر من ‏سبعة صحف حرة مستقلة يومية الى جانب الصحف والمجلات الاسبوعية وما كان ‏لذلك من أثر كبير في نشر الوعي والثقافة... أصبحت الصحافة في ليبيا مختزلة ‏في أربعة صحف يومية هزيلة تابعة للنظام الليبي تديرها اللجان الثورية سيئة ‏الذكر... لجان القمع والسحق لأي رأي مخالف. وكثيرا ما نجد هذه الصحف تحمل ‏نفس العناوين والمانشيتات، ونفس ترهات الدجل والتملق والتزييف للوعي، ولا ‏تضيف للقاريء أي قيمة تذكر. اذا الأصل هو أن تكون هناك صحافة مستقلة، ومنابر ‏حرة تعكس آراء وتوجهات كل القوي الفكرية والثقافية في المجتمع، وتساهم في ‏عملية النقد والمراقبة وترسيخ مباديء الشفافية واحترام سيادة القانون. ‏
 
4. وثيقة الشرعية الثورية التي أصدرها مؤتمر الشعب العام بتاريخ 9 مارس 1990 ‏وجاء في البند الأول منها... "تكون التوجيهات التي تصدر عن قائد الثورة ‏ملزمة وواجبة التنفيد". العجيب في هذه الوثيقة أنها تعطي شخص العقيد معمر القذافي سلطات مطلقة، ‏وتجعل أوامره وأراءه ملزمة للتطبيق حرفيا لا تقبل أي نقاش، الحق الذي لم يطلبه ‏حتي الأنبياء والرسل لأنفسهم ـ ولم يمنح لهم ـ في ما هو اجتهاد بشري وليس فيه وحي من السماء. ‏هذا، بينما يصر العقيد القذافي على أنه ليس رئيسا أو حاكما، ولا يملك ‏أي صفة أو مسئولية رسمية في الدولة، وبالتالى فهو لا يخضع لأي مراقبة أو ‏محاسبة دستورية وقانونية أمام أي جهة كانت!!‎
 
5. قانون ميثاق الشرف الصادر في 9 مارس 1997 وينص على... "إنزال ‏عقوبات جماعية على أقارب وعائلات وقبائل وقرى ومناطق أي شخص يتهم ‏بمعارضته السياسية للنظام الليبي، ويمكن أن تشمل هذه العقوبات السجن وهدم ‏البيوت والتهجير القسري الى مناطق أخري نائية. ‏هذا القانون الظالم الذي يكرس فكرة العقوبات الجماعية لم يشهد العالم مثله الا في ‏فلسطين المحتلة من قبل السلطات الإسرائيلية ضد لفلسطينيين. كما أن القانون يتعارض ‏تعارضا قطعيا ومباشرا مع تعاليم الاسلام وما ينص عليهالقرأن الكريم ـ المفترض ‏أنه شريعة المجتمع في ليبيا ـ من أنه "لا تزر وازرة وزر أخرى". كما أن الشريعة الإسلامية وجميع الأعراف والقوانين الدولية والإنسانية لا تسمح بمعاقبة ‏أي شخص أو مجموعة بجريرة أو جرم شخص أخر بلغ سن التكليف القانوني مهما ‏كانت صلة الدم أو القرابة التي تجمع بين الطرفين. ‏
 
هذه بعض القوانين التي لا بد من تغييرها أو إلغائها كمقدمة ضرورية للشروع ‏في أي برامج إصلاحية شاملة في كافة جوانب الحياة السياسية والاقتصادية والادارية ‏والاجتماعية في ليبيا اليوم.
 
والى جانب الغاء هذه القوانين الظالمة المنتهكة والمكبلة لحرية المواطن الليبي ‏الفكرية والسياسية والاقتصادية هناك أيضا خطوات أخري لا تقل أهمية يجب على ‏النظام الليبي اتخاذها من أجل توفير أجواء جادة إيجابية تسهل الشروع في اصلاحات ‏حقيقية... ومنها:
 
• اطلاق سراح جميع السجاء السياسيين...
 
• اصدار عفو عام على كل ‏الملاحقين في الداخل والخارج بسبب مواقف سياسية أو فكرية...
 
• التعويض ‏المعنوي والمادي العادل لكل الأسر التي قام أعوان النظام بقتل أبنائهم وتصفيتهم ‏جسديا بأساليب مختلفة في الداخل والخارج، ومنهم المئات الذين راحوا ضحية قتل ‏جماعي متعمد داخل سجن بوسليم في صيف 1996 وغيره.
 
• رفع كل أنواع الظلم على المواطنين ‏ورد جميع الحقوق التي أغتصبت الى أصحابها.‏
 
لا شك أنه بعد الفشل الكامل الذي آلت اليه الأمور في ليبيا بسبب نهج النظام الليبي ‏الخاطيء، وبعد التنازلات الضخمة التي قدمها الى الخارج على حساب أموال الشعب ‏وطموحاته أصبح شروع هذا النظام في مراجعات واصلاحات داخلية شاملة هو ‏الحد الأدني المطلوب من أجل تعويض كافة الليبيين عن معاناتهم الطويلة القاسية.

 

com.hotmail@gelgamaty

 


* سبق نشر هذه الورقة كما تم تقديمها كملحق لورقة لجنة التضامن مع سجناء الرأي في ليبيا بالملتقى التضامني بباريس يوم 22 مارس 2008
جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع >>>> ليبيا المستقبل منبر حر لكل من يطمح ويسعى لغد أفضل لليبيا الحبيبة
 

libyaalmostakbal@yahoo.com