15/10/05


 

 

 

أبدى قلقله من إعادة محاكمة قادة الجماعة.. وتمسك بخيار الإصلاح
عبد القادر: من يقف في وجه الإصلاح تيار أيديولوجي وأمني لا يؤمن بأن الوطن للجميع


 
قدس برس  13 اكتوبر 2005

 

جنيف ـ خدمة قدس برس


لا يزال ملف أكبر التنظيمات والجماعات الإسلامية والسياسية في ليبيا، التي يرجع تاريخ تأسيسها إلى عام 1948، يثير قلقا واسعا لدى منظمات حقوقية دولية وعربية عديدة، وجدلا سياسيا داخل النظام الليبي، وتنظيمات المعارضة الموجودة في الخارج.


ومنذ حملة الاعتقالات الواسعة، التي شنتها السلطات الليبية في صيف 1998 على قيادات وأعضاء جماعة الإخوان المسلمين المحظورة، وشملت أساتذة جامعات وأطباء ومهندسين وأكاديميين ومستشارين، بلغ عددهم 152 عضوا، فإن ملف الجماعة لا يزال ينتظر تنفيذ وعود الإفراج، التي أطلقها رئيس مؤسسة القذافي للجمعيات الخيرية ونجل العقيد الليبي سيف الإسلام القذافي في مبادرة صدرت عنه في 20 آب (أغسطس) الماضي، أطلق من خلالها حزمة من الوعود الإصلاحية الشاملة.


وكالة "قدس برس" التقت مراقب جماعة الإخوان المسلمين في ليبيا المهندس سليمان عبد القادر في مقره بجنيف، وأجرت معه حوارا حول خيار الجماعة، وأسباب تأخير الإفراج عن معتقلي الجماعة، وآخر مستجدات القضية، ومستقبل الإصلاح السياسي في ليبيا.

* تناقلت وسائل الإعلام خبرا بشأن إعادة محاكمة 85 من قيادات وأعضاء الجماعة.. ما تعليقكم على الخبر؟


- شكرا لكم.. اسمح لي بداية أن أتقدم بالتهنئة إليكم وإلى جميع أبناء الشعب الليبي في الداخل والخارج وإلى أمتنا العربية والإسلامية، بشهر رمضان المبارك، سائلا الله أن يعيده علينا جميعا بالسلامة والإسلام والأمن والإيمان.


نحن في الحقيقة نعبر عن استغرابنا وقلقنا الشديدين، من إعادة محاكمة سجناء الجماعة، في وقت كنا نتوقع فيه تنفيذ قرار الإفراج عنهم فورا، بعد أن اعترف النظام الليبي بأنهم سجناء رأي.


لقد صرح المسؤولون الليبيون مرارا وتكرارا، وفي أكثر من مناسبة، بأن سجناء الرأي سيطلق سراحهم قريبا، ومن بينهم بالطبع سجناء الإخوان، بل إن التصريحات، التي كانت خلال مبادرة سيف الإسلام في 20 آب (أغسطس) الماضي، أكدت بشكل قطعي إطلاق سراحهم خلال شهر أيلول (سبتمبر) الماضي.

* ماذا تعني إعادة محاكمتهم بالنسبة لكم؟


- كما قلت لك نحن عوضا أن نسمع اليوم خبر إطلاق سراحهم، نسمع تحويلهم إلى المحكمة من جديد، مما يجعلنا نتساءل على أي القوانين ستستند المحكمة في محاكمتهم. فإن كانوا سيحاكمون بنفس القوانين، التي حوكموا بها أثناء تداول قضيتهم من قبل ما يسمى بمحكمة الشعب الاستثنائية، التي ألغيت، مثل قانون تجريم الحزبية، فهذا حقا يثير مخاوف بانتهاك حقوقهم في إطار جديد.


ثم إن هؤلاء سجناء رأي قبعوا منذ عام 1998 في السجن، حتى 2002، عندما صدرت في حقهم تلك الأحكام القاسية، من محكمة الشعب الاستثنائية، فكم سينتظرون الآن حتى ينظر في قضيتهم مجددا، وما هي الأحكام التي سيواجهونها علاوة على ما واجهوا!!؟؟.


إن حزمة الوعود التي أطلقت، والإصلاحات التي تحدث عنها سيف الإسلام في مبادرة (20/8)، تبدأ بإطلاق سراح سجناء الرأي، من أجل تهيئة أجواء يمكن أن تتحقق فيها المصالحة الوطنية الشاملة، غير أن تأخر هذا الإفراج والمماطلة فيه يفتح باب التساؤلات على مصراعيه حول مدى جدية الدولة في تحملها مسؤولية الإصلاح.

 

* لكن لماذا لم يتم إطلاق سراح الإخوان حتى الآن؟


- ليس لدينا تحديدا أي معلومات.. كل ما لدينا هو ما عرض في أكثر من مناسبة، بأن إطلاق سراح سجناء الرأي، سيكون خلال شهر أيلول (سبتمبر) الماضي. أما لماذا لم يتم تنفيذ قرار الإفراج حتى الآن؟.. فليس لدينا أي معلومات بخصوص ذلك.

* (مقاطعا) طيب ولكن لماذا تأخر الإفراج حتى الآن، إذا كانت هناك وعود كما تقولون؟


- أعتقد أن هذا السؤال يجب ألا يوجه إلينا نحن، فإعلان الإفراج عن سجناء الرأي، ومن بينهم سجناء الإخوان، تناقلته وسائل الإعلام في أكثر من مناسبة. أما نحن فإننا نستغرب هذا التأخير حقيقة، ويساورنا قلق بشأن البطء في تنفيذ مبادرة سيف، التي من شأنها أن تسهم فعلا، في حالة تطبيقها، في انفراج الأوضاع، وخلق أجواء مطمئنة للجميع، من أجل المساهمة في بناء الوطن.

* ولكن هناك من يتحدث عن وجود جناح متطرف وتيار متشدد داخل النظام، يقف أمام إطلاق سراح سجنائكم.. فماذا تقولون في ذلك؟


- لعل هذا الأمر هو ما أشار إليه سيف الإسلام نفسه، أثناء حديثه بكل صراحة مع قناة /الجزيرة/، عندما أرجع سبب تأخير الإفراج إلى "ترتيبات أمنية". وقال وقتها: "كان فيه تخوف من أطراف، وهو طبيعي يعني خاصة من الجهات الأمنية". وفي رأينا هذا البطء ربما يعكس فعلا وجود تيار يرى في الانفراج تهديدا لركائز النظام.

* (مقاطعا) إذا كان الأمر كذلك، فهل هذا يعني أن هناك انقساما في أوساط النظام تجاه الانفتاح الداخلي؟


- اعتقد بأن التيار الذي يعارض الانفتاح هو في الأغلب تيار ذو طابع أيديولوجي وأمني، ويتعامل مع الأمور بعقلية أمنية "بوليسية"، لا تؤمن باختلاف الآراء ولا تعددها، ولا تؤمن بمبدأ الشراكة، على قاعدة أن الوطن للجميع، وإنما تصر على التعامل مع الأمور على قاعدة "معي أو ضدي".


من وجهة نظرنا هذا التيار الذي يقف في وجه الإصلاح والانفتاح، جُرّبَ طيلة العقود الثلاثة الماضية، ورأينا كيف آلت الأوضاع داخليا وخارجيا، وهو مع الأسف لا يزال يصف الوضع الداخلي بشكل مثالي أقرب إلى الخيال، ولا أثر له في الشارع الليبي، معاكسا بذلك حتى الوصف الذي طرحته القيادة الليبية في أكثر من مناسبة، من أن هناك أخطاء مورست، وتجاوزات وانتهاكات وقعت، على الصعيد الحقوقي والقانوني والاقتصادي.


اليوم لا بد أن يفسح المجال لتيار ذي عقلية تبدو أكثر انفتاحا ومتفهمة، وترى الأمور بنظرة أكثر إيجابية، تؤمن بوجود أزمة داخلية وحالة احتقان، وتؤمن بالاختلاف كظاهرة صحية داخل المجتمع، وتبتعد عن الخطاب المتشنج، الذي يجيد لصق تهم العمالة والخيانة بمخالفيه، مما قد يفسح فعلا المجال لكل القوى الوطنية للمشاركة في عملية الإصلاح الوطني، في ظل أجواء يسودها القانون، وتجسد حقوق الإنسان واقعا معاشا.

* هل تعتقدون بأن سيف الإسلام أخفق في تحقيق وعوده على أرض الواقع؟


- اعتقد أن ما طرحه سيف الإسلام من مضامين خلال أكثر من لقاء يشكل طموحا لدى كثير من قوى الإصلاح الوطني، في داخل الوطن وخارجه، ومن الطبيعي أنه بين يدي التحولات الجذرية، لابد أن تكون هنالك خطوات عملية متدرجة، ستجعل المواطن يتفهم أن طموح الإصلاح بدأ يتحقق على أرض الواقع.


مبادرة الإصلاح وإن كان قد تلقاها الشارع الليبي بارتياح، فإن البطء في تنفيذها جعل هناك انقساما كبيرا داخل الشارع بين من يرى بأنها ليست إلا لذر الرماد في العيون، وستذهب أدراج الرياح، وستفرغ من محتواها، ولن تجد لها أثر في الشارع, وبين من يرى بأنها مبادرة تستحق التشجيع والترحيب، ويطالب بأن يرى أثر المبادرة على أرض الواقع.


نحن في الجماعة، ومنذ اليوم الأول، نعتقد بأن الخطوات العملية من قبل النظام، والتي تبدأ بمعالجة أزمة الثقة، سيكون لها أثرا بالغا في إنهاء هذا الانقسام، وستحقق تقاربا بين وجهتي النظر، وستدعو إلى التعاطي بإيجابية وعملية، أكثر مع المبادرة.


أنا لا أريد أن أنظر إلى المسألة من منظور الإخفاق من عدمه، ولا أريد أن أقيم مبادرة الإصلاح فقط، من خلال مفرد من مفرداتها، ولكن أقول إن التغييرات الكبيرة لا تدرك من قبل كثير من الناس إلا بخطوات عملية، تمهد لأرضية من الثقة. وفي وضع بلدنا أعتقد أن إطلاق سراح سجناء الرأي، وإسقاط الأحكام الغيابية، التي صدرت ضد بعض من أبناء الوطن، وفتح ملفات المفقودين، هذه كلها خطوات تصب في بناء أرضية من الثقة للتفاعل والتعاطي الإيجابي.

* هل تعتبرون أن النظام عدل عن فكرة إطلاق سراح معتقلي الجماعة؟


- بدون اتخاذ خطوات عملية سيبقى الباب مفتوحا على مصراعيه لكل التكهنات والتوقعات والتحليلات, مع اعتقادي الجازم بأن خطوة إطلاق سراح سجناء الرأي وغيرها من الخطوات العملية، لا تنفصل عن أية مبادرة للإصلاح، لأنها كما أسلفت تشكل أرضية التعاطي الإيجابي، والشعور بأن هناك فعلا انفراجا بدأ يشق طريقه، ويخطو خطواته.

* هل لازلتم مصرين على المضي في خيار الإصلاح، والنظام يرفض الاستجابة لأبسط مطالبكم؟


- الإصلاح الوطني في نظرنا ركيزة أساسية في بناء صرح وطننا، وتحقيق كرامة شعبنا، ولذلك فإن انحيازنا إليه أصيل، وقناعتنا به راسخة، والمناداة والانحياز إلى خيار الإصلاح الوطني من قبلنا، لم يكن وليد نظرة ترتبط بمصالح ذاتية للجماعة، أو شخصية لأفرادها، بل كان نتاج انحياز إلى مصلحة الوطن والمواطن.
لقد نادينا بالإصلاح الوطني لقناعتنا بأنه أنجع الطرق لمعالجة أزمة الاحتقان الداخلي، وتحقيق كرامة المواطن الليبي، وأمنه وحريته وحقوقه الإنسانية، وتجنيب البلد ويلات الوقوع في مخططات خارجية، أو صراعات داخلية. وعندما طرح سيف الإسلام مبادرة الإصلاح، رحبنا بها على الفور، ولم نتردد، لقناعتنا بأهميتها، وأنها الحل الأسلم الذي سيحفظ للوطن أمنه واستقراره، وفي نفس الوقت سيعدل ميزان الحقوق لصالح المواطن، ويرفع القوانين، التي كانت تعيق حريته، ويفتح المجال لسيادة القانون، ونزاهة القضاء، ولتنطلق الدولة في تحمل مسؤوليتها إزاء حاجات المواطن ومعاناته.

* (مقاطعا) لكن خيار الإصلاح الذي تتحدثون عنه انتكس؟ فلماذا لا تنحازون إلى خيار تنحية العقيد معمر القذافي، وهو الخيار الذي تجمع عليه سائر قوى المعارضة الليبية؟


- عفوا.. هذا اجتهادنا وهذه قناعتنا.. انتكاس مشروع الإصلاح لا ننظر إليه من منظار موقف الجماعة، بل من منظار مصلحة الوطن.. لأن السؤال الذي يجب أن يطرح على الجميع هو ماذا سيجني وطننا من ويلات، وماذا سيحصد من صراعات، إن لم يتحقق الإصلاح الوطني؟

* ما الشيء الذي تنوون فعله في حالة عدم إطلاق سراح معتقلي الجماعة؟


- نحن لم نتوقف عن التحرك يوما، والمطالبة ليست عندنا مرتبطة بتحقيق مطلب بعينه.. ولسنا وحدنا في ذلك، ولا ندعي أننا فقط دعاة الإصلاح الوطني، بل هناك جمع من أبناء وطننا من نخب وكتاب ومثقفين وصحافيين في الداخل وفي الخارج، ينشدون تحقيق الإصلاح الوطني في بلادنا، ويعملون من أجله.


لقد عرف المنصفون الإخوان بجهودهم وعطائهم، منافحين عن حقوق الإنسان في ليبيا، دعاة للإصلاح بكل مفرداته، ولذلك فإننا سنواصل العمل من أجل خير وطننا، وتحقيق كرامة المواطن.. سنواصل العمل من أجل تحقيق مطلب الإصلاح بكل الوسائل السلمية، ولن نوقف نشاطنا السياسي والإعلامي والحقوقي، حتى يتحقق مطلبنا ومطلب الجميع في إصلاح دستوري وقانوني وحقوقي، وتفعيل مؤسسات المجتمع المدني، وضبط عمل جميع الأجهزة الأمنية، ضمن إطار قانوني، يحفظ حقوق الإنسان وحريته، وإطلاق يد الصحافة الحرة، وتحقيق الإصلاح الاقتصادي والإداري والخدمي، وتخفيف العبء عن كاهل المواطن المكبل، من أجل تحقيق المصالحة الوطنية.


نحن لم نحصر يوما الإصلاح فقط في إطلاق سراح سجنائنا، لأننا نعتقد بأن الوطن هو وطن الجميع، والجميع شركاء فيه، ومعاناة الإنسان الليبي أيا كان مذهبه أو فكره، هي جزء من معاناة المجتمع بأكمله.

* نسبت مؤخرا مجلة /الصياد/ اللبنانية كلاما لسيف الإسلام اتهمكم فيه بأنكم تلقيتم في بدايات الثورة دعما من بعض الدول العربية، ودخلتم في مؤامرة من أجل قلب نظام الحكم.. فما تقولون في ذلك؟


- بداية لا أدري مدى صحة نسبة الكلام، ولكن إذا ثبت فإنني أعتقد بأن جهود الإخوان داخل البلد كانت جميعها لخير الوطن والمواطن: إعالة الأسر الفقيرة، ومساعدة الأيتام والأرامل، وذوي الحاجات، وأشكال كثيرة من العمل التطوعي، وغيرها من الجهود، التي لا يسع المقام لذكرها، بل وأكثر من ذلك.


فالإخوان كانوا يقومون بهذا وليس لهم لافتة معلنة، ليضربوا بهذا مثلا في التجرد وحب الوطن، والتضحية من أجل أبناء المجتمع الليبي، وليثبتوا بما لا يدع مجالا للشك أن المساهمة في الإصلاح الوطني من قبلهم، ليست لتحقيق مكاسب سياسية، بل هي انعكاس لقناعة ثابتة بأهمية الإصلاح الوطني لمعالجة أزمة الوطن والمواطن.


بل وحتى عندما زج بهم في المعتقلات، وهم يعانون مرارة السجن وقسوته، لم يكن لهم من مطلب سوى الإصلاح ورفع المعاناة عن كاهل المواطن، ولم يطلبوا لأنفسهم شيئا، رغم معانات أسرهم وأطفالهم. نحن نستغرب أن ينسب إلى الإخوان هذا في الوقت الذي جاءت فيه تصريحات متكررة، وفي مناسبات عدة تعترف بمشروع الإخوان الإصلاحي، وأسلوبهم السلمي لتحقيق أهدافهم.

* كيف تنظرون إلى مستقبل مشروعكم في ظل هذا التعثر؟


- نحن واثقون من نجاعة اجتهادنا الذي سلكناه، لأنه حسب رأينا وحسب رأي كثير من نخبنا الوطنية هو الطريق الأسلم لوطننا وشعبنا، وهو أملنا الذي لا يتزعزع في الله سبحانه وتعالى.. لذلك نحن لا نفقد الأمل، وعلى الرغم من كل العراقيل والعوائق والصعوبات، التي قد تطرأ في طريق الإصلاح، فإننا سنستمر في مطالبتنا به والتحرك من أجل تحقيقه، وسوف تظل أيدينا ممدودة إلى الجميع، ممن يسعون إلى الدفع بعجلة الإصلاح الوطني، من أجل غد مشرق، ينعم فيه الوطن والمواطن بالحرية والأمن والكرامة والازدهار.
 

 

الأستاذ سليمان عبد القادر مراقب جماعة الإخوان المسلمين بليبيا


 

libyaalmostakbal@yahoo.com

 

الأراء المنشورة  بالموقع تعبر عن وجهة نظر أصحابها