|
|
 |
حوار مع القاص
والسجين السياسي الليبي سابقا عمر الككلي
الفضاء الثقافي -
حوار/ صابر الفيتوري
|
|
|

جيل السبعينيات كان يحارب فنيا
وأدبيا على جبهتين... كنت سأكون أفضل لو لم أسجن... ليبيا
في صدارة الأقطار العربية القليلة التي تشهد
فيها القصة نضجا...



|
يجمع العديد من الكتاب
والنقاد والمشتغلين في حقل الأدب والمتبصرين بما يتعلق بالثقافة
الليبية على أنه من أبرز من كتب القصة القصيرة في ليبيا ..القصة
قادته إلى قصة فهي أداته التي صنعت كيانه وجعلت منه صوتا لجيله.
قراءتها غير متعذرة في كل قصة يخطها بحرارة وصدق. تعرف على هذا
الفن، أول ما تعرف عليه، من خلال رواد القصة الليبية، وبذا يكون
إنتاجه القصصي ليبيا صرفا له رائحة تراب الوطن بهمومه ،أحزانه
وأفراحه.
(عمر أبو القاسم
الككلي) سجين رأي وقاص وحالم بأشياء أبها وغد مشرق وأفضل للفن
والواقع المعاش.. له آراؤه التي يجاهر
بها دون خوف ولا محاباة، فبعد سجن طويل أضاع الكثير،
ماذا يمكن للإنسان ان يخسر؟ وهذا الحوار معه هو حوار مع
فكرة وزمن وتفاصيل مكان..
• الحضور الثقافي عادة مرتبط بمدى النشر،
أنت فيما يبدو لا تسعى كثيرا للنشر، حتى أن بعض الكتاب من أجيال
لاحقة لهم حضور عربي تجاوزكم ؟
بالنسبة لي يعود ذلك
بشكل يكاد يكون كاملا، وليس أساسيا فقط، إلى أنني مقل في
الإنتاج، فأحيانا تمر سنة أو سنتان ولا أكتب قصة، أو أية كتابة
أخرى، ولا توجد لدي، بالتالي، كتابات غير منشورة. فأنا بدأت
النشر في بداية عقد السبعينيات وتحديدا في 1970 في
صحيفة"الرائد"، عندما كانت هناك صحف خاصة، وبعد ذلك في صحف
ومجلات أخرى. لكن لم أعرف حينها لأنني مقل. إلا أن البروز الفعلي
كان في أواسط السبعينيات، مع إنشاء صفحة" آفاق ثقافية، كتابات
شابة" بصحيفة الفجر الجديد، وفيما بعد في الأسبوع الثقافي، وإن
كنت لم أنشر على الإطلاق قصة في الأسبوع الثقافي إنما نشرت بعض
المواد الأخرى منها المقالات والشعر، فلقد كنت أكتب الشعر في
بدايتي، وكان طموحي أن أكون شاعرا، وكتابة القصة جاءت عرضا، وكنت
أعتقد أن كتابة القصة ستكون بالنسبة لي على هامش الكتابة
الشعرية، إلا أنها طغت بعد، والحقيقة أنني اكتشفت أنه ليس لدي
إمكانيات الشاعر، وهناك من نصحني، في فترة مبكرة،بالتركيز على
كتابة القصة والاستفادة من اهتماماتي الشعرية في تطوير كتابتي
القصصية. وقد كان هذا الرأي رأيا نابها ومتقدما، إلا أنني لم
أكتشف رهافته إلا بعد مرور سنوات عديدة.
• هل تؤيد أن تكون الكتابة لغاية النشر ؟
أنا لا أفكر إطلاقا
إلا في مستويات ومتطلبات العمل الفني، الذي هو هنا قصة، كما
أتخيله وكما أريد أن أنجزه. بعد ذلك يأتي التفكير في النشر.
بطبيعة الحال هم أي كاتب أو أي مبدع، في شتي المجالات، هو أن يجد
جمهورا أو متلقين يتعاملون مع هذا الإنتاج، و هذا الإنتاج يقيم
فيما بعد علاقات خاصة به مع المتلقين والأعمال الإبداعية الأخرى.
لكن مشروع الكتابة في حد ذاته، بالنسبة لي، لا تدخل الرغبة في
النشر على الإطلاق في ممارسة أي ضغط عليه، إذا جاز التعبير ..
•
وبالتالي كل إنتاجك الأدبي المنشور قد وصل إلى درجة من النضج، أو
الرضا التام عليه، وهذا ما دفعك إلى نشره. لكن هل لك بعض النصوص
غير المنشورة لأسباب مثلا ..
ثمة نصوص قليلة تعود
إلى فترة مبكرة، وهناك نصوص نشرت آوائل السبعينيات ولم أعد راضيا
عنها الآن لذا لم أضمها إلى الكتابين اللذين صدرا لي.
• أنت
تصنف علي أنك قاص سبعيني، هل ترى أن هذه التصنيفات لها خصائص
فعلية تميز حقبة ما على أخرى، خاصة فيما يتعلق بجيلك ؟
بطبيعة الحال يصعب
تقسيم الأجيال إلى عقود، ولكنني أعتقد أن هذا التقسيم مفيد من
الناحية العملية، ولعله من باب المصادفة أن المنطقة العربية تمر
بدورة تغيرات كل عشر سنوات تقريبا. فهناك في كل عقد من العقود
مناخ عام يضع المنطقة العربية، وباقي مناطق العالم بطبيعة الحال،
تحت تأثير ظروف جديدة.
وإذا ما تصفحنا
الكتابات الأدبية الليبية في السبعينيات لوجدنا خصائص معينة تجمع
هذا الجيل، في ليبيا كما على امتداد الوطن العربي، ويمكن أن أشير
هنا إلى اهم نقطتين في اعتقادي. النقطة الأولى هي أن هذا الجيل،
جيل السبعينيات، كان يحارب فنيا وأدبيا على جبهتين. الجبهة
الأولى هي جبهة بعض التيارات اليمينية القائلة أن لا علاقة للأدب
بالسياسة والآيدولوجيا (وهم يتخذون هذ
الموقف ليس بناء على قناعة، وإنما كتكتيك في وجه التيارات
اليسارية). والجبهة الثانية هي جبهة الأنظمة والتيارات الشعبوية
التي تريد أن تجند كل شيء، ليس لصالح المشروع السياسي، وإنما
لصالح الشعار السياسي، وتريد الزج بالخطاب السياسي المباشر في
الأدب. وقد وقع هذا الجيل بين سندان الاتجاهات اليمينية ومطرقة
الأنظمة الشعبوية، لأنه كان يقول التالي: إن أي أنتاج فني أو
أدبي هو، في المحصلة، إنتاج آيدولوجي ويصب في رؤية سياسية
وآيدولوجية معينة، ما دام يحمل تصورا عن الحياة و العالم و يتخذ
منهما موفقا، إلا أن هذا الجانب الآيدولوجي أو السياسي لا يدخل
إلى الأدب والفن بما هو آيدولوجيا أو سياسة، أي بشروط الخطاب
الآيديولوجي والسياسي، وإنما بشروط الأدب والفن ويمر بعملية
تقطير يجريها عليه العمل الأدبي أو الفني من حيث هو عمل جمالي
يستهدف المتعة الجمالية. كان هذا الجيل يناضل كي يشق طريقه بين
هذين التيارين اللذين يبدوان متعارضين، لكنهما متفقان، في
الحقيقة، علي محاصرة هذا التيار وقمعه. النقطة الثانية التي ميزت
هذا الجيل هي تركيزه، سواء في الشعر أو القصة أو الرواية، على
مسألة القهر والقمع السياسي وأيضا القمع الاجتماعي، من خلال
إعلائه من شأن الحرية الفردية والكيان الفردي وحق الفرد في
الاستمتاع بالحرية على المستوي السياسي، وعلى المستوى الاجتماعي
في إقامة علاقات إنسانية طبيعية لإشباع حاجاته العاطفية و ما إلى
ذلك.
• في
منظوري الشخصي أعتقد أن الإبداع لا يمكن حجبه. لكن مع ذلك يزداد
تشكي المثقف من مسألة الإقصاء والتهميش، فيرفع الصوت بالرفض لما
يتعرض له. ألا تعتقد أن هذا الشعور مبالغ فيه، وأن الإبداع
الحقيقي لا بد ان يستمر وان يأخذ محله حتما ؟
الإقصاء موجود فعلا
وليس متوهما. ماذا تسمي سجن الكاتب؟. ما ذا تسمي الإجراءات
المتعسفة التي اتخذت منذ سنوات ضد رابطة الأدباء والكتاب
الليبيين والمصممة لاستبعاد المساجين السياسيين السابقين من
الكتاب من عضوية الرابطة نهائيا؟. ماذا تسمي المنع من النشر؟.
ماذا تسمي عدم توفر منابر بها براح من الحرية؟.
لقد سجنت أنا وزملائي
وآخرون غيرنا لكوننا كتابا ومثقفين، وبالتأكيد سبب ذلك تعويقا
كبيرا لمسيرتتنا الأدبية وتحصيلنا المعرفي. وعندما توجد رقابة
متشددة على المطبوعات، وعندما يمنع عني الكتاب والمجلة التي يمكن
أن تساعدني علي تطوير فكري ورؤيتي، أليست هذه عملية من عمليات
الإعاقة الفكرية؟. من المؤكد أنني كنت سأكون أفضل ومعرفتي أوسع و
أغنى، لو لم توجد رقابة من هذا النوع، كنت سأكون أفضل لو لم أسجن
ولو كانت منابر النشر متحررة، ولو كان نشر الكتاب متاحا بسهولة..
فأنا أكتب منذ نحو 40
عاما، وليس لي سوى كتابين ولقد ضاعت مني عدة قصص ومقالات كتبتها
في السجن، في فترة ما يقارب العشر سنوات، كان يمكن أن توفر لي
مجموعة قصصية أخرى على الأقل، ناهيك عن إكمال دراستي في المجال
الذي كنت أنوي التخصص فيه وهو الفلسفة.
• ومع
ذلك فإن كتابيك القصصيين صدرا عن مؤسستين أو داري نشر عامتين،
الأمر الذي يدل على أنك تحظى بالقبول، لنقل مؤخرا على الأقل ؟
صحيح. هذا القبول
موجود، وهو شيء جيد. ثم ينبغي أن تعلم أن مجموعتي الأولى نشرت في
مصر أولا وعن دار نشر حكومية هي الهيئة المصرية العامة للكتاب، و
أن نشرها هنا ونشر مجموعتي الثانية تم بفضل سعي أصدقاء يعملون في
المؤسستين وينظرون إلي كقيمة أدبية مهمة، كما أن سؤالك كان عن
مجمل المسيرة. وكان عما أسميته أنت بـ" هاجس" الإقصاء الذي هو
ليس هاجسا أو عقدة نفسية، وإنما هو واقع ملموس وضاغط مثلما دللت
في الإجابة السابقة. ربما أنت وجيلك لم تواجهوه. لكن نحن تأذينا
منه، لذا فمن حقنا أن نندد به وأن نبرزه الآن، حتى بعد فوات
الآوان. من حقنا أن نقول أننا ظلمنا وبأنه تمت محاولة إماتتنا
أدبيا وثقافيا من خلال سجننا وتخريب حياتنا وحياة أسرنا. من حقنا
أن نقول كل ذلك للتاريخ، على الأقل ..
• ها
أنت تتلقي بشكل مستمر دعوات من بعض الصحف والمجلات الليبية
للكتابة لها وأنت محط احتفاء من عديد الصحف ؟.
دعنا نسمي الأشياء
بمسمياتها. منذ أن ابتدأنا النشر كان الأدباء والمثقفون الوطنيون
الجادون يعترفون بنا ويقدروننا. أما بالنسبة إلى الأشخاص الذين
هم خارج هذا الإطارو الجهات التي تتخذ منا موقفا معاديا فينبغي
القول أنه تم" التسليم" بمكانتنا. فلقد أصبحنا نمثل قيمة ثقافية
وفكرية ملموسة وفاعلة من غير الممكن الاستمرار في تجاهلها
والتغاضي عنها، وليس لأحد أن يمن علينا بأنه رضي عنا أو اعترف
بنا. فنحن أصبحنا جزءا مهما من التكوين الثقافي الليبي وجزءا
مهما من المعادلة التي تضبطه، ولا يمكن استبعاد اسم من هذه
الأسماء دون أن تختل هذه المعادلة. والحقيقة أننا بعد خروجنا من
السجن وعودتنا إلى الكتابة أحدثنا ترتيبا جديدا في شبكة العلاقات
في الساحة الأدبية والثقافية في البلاد. فالذين لم يجدوا لديهم
القدرة على المنافسة في الوضع الجديد وكانوا سائدين وبارزين في
فترة الثمانينيات، الفترة التي كتب فيها كل من هب، آثروا الخروج
من الساحة، والبعض الآخر(ممن يمتلكون الموهبة) توقف قليلا ليراجع
مسيرته ويطور نفسه متخليا عن الاستسهال والاستهانة اللذين كانا
يجرفانه من قبل.
• ما
يمكن قراءته بوضوح أن جيل الثمانينات ليس امتدادا لجيلكم، ولم
يكن ثمة تواصل، لنقل، طبيعي ؟
ربما كان ذلك لكوننا
غيبنا قسرا عن الساحة، وبالتالي لم يكن لنا أي نوع من الحضور في
فترة الثمانينيات. هذا وارد. إلا أن بعض الأدباء من جيل
الثمانينيات، ممن كانوا يجدفون ضد التيار المهيمن وكان سقف
الحرية الواطيء يضغط على قاماتهم ويجبرهم على الجلوس دون أن يتيح
لهم إمكانية الحركة، وجدوا في عودتنا إلى الساحة الثقافية دعما
حقيقيا لهم، وبالتالي قاموا بدعمنا هم أيضا، وحدث بيننا نوع من
التحالف الضمني غير المعلن.أعزوا ذلك لموقف ..
• ما
تقييمك لواقع القصة الليبية في فترة السبعينات وما بعدها ؟
القصة مثلا ضربت في
نهاية السبعينيات. لا تنس أنه تم سجن أربعة أو خمسة قصاصين مهمين
منهم قامة كبيرة عملاقة مثل "عبد السلام شهاب" الذي أخرج من
التجربة نهائيا ولم يعد إلى للكتابة. وكذلك "جمعة بوكليب" وهو
قصاص مهم جدا وعاد إلى الكتابة مؤخرا وعلى نحو باهر. وأنا الذي
واصلت الكتابة، وإن بندرة. و"فتحي نصيب" الذي كان يكتب القصة إلى
جانب اهتمامه بالنقد. وتوقف القصاص المتميز "محمد الزنتاني"،
الذي لم يسجن، عن الكتابة ولم يعد إلا مع آواخر التسعينيات بعد
حوالي خمس عشرة سنة. وتوقف أيضا قصاص عذب مثل "الطاهر الدويني"
الذي لم يسجن هو الآخر. كما أحجمت عن الكتابة أسماء كانت في
البدايات مثل "سالم الفاخري" و قد أدى كل ذلك إلى حدوث هوة واسعة
وعميقة في مجال القصة، بحيث أننا لا نجد في فترة الثمانينيات سوى
اسمين مهمين في هذا المجال هما
"إبراهيم حميدان و"بشير زعبية". إلا أن القصة بدأت منذ آواسط
التسعينيات تستعيد عافيتها وقوتها عبر أصوات جديدة مثل "أحمد
يوسف عقيلة" الذي بدأ الكتابة منذ آواخر الثمانينيات، وهناك
"إبراهيم بيوض" و"غازي
القبلاوي" وسواهم، إضافة إلى أولئك الذين طوروا قدراتهم القصصية
ممن أشرنا إليهم في إجابة سابقة. واسمح لي أن أستطرد هنا بشأن
المكانة الخاصة للقصة في الأدب الليبي. فأنا أرى أن القصة
الليبية، منذ انطلاقتها الناضجة آواسط الخمسينات، باستثناء
الفترة التي تحدثنا عنها الممتدة من بداية الثمانينيات وحتى
آواسط التسعينيات، متقدمة جدا، وأن ما يكتبه القصاصون الليبيون
الجيدون ينتمي إلى أرقى ما يكتب في الوطن العربي. ليبيا في صدارة
الأقطار العربية القليلة التي تشهد فيها القصة نضجا حقيقيا
واضحا، علي خلاف ما يعتقده الغالبية، بمن فيهم ذلك المثقفون
الليبيون أنفسهم. وإذا توصلت إلى كتابة القصة بشكل ناضج فما ذلك
إلا لأن الحظ حالفني في أن تكون قراءاتي الأولى في القصة القصة
الليبية. لقد تربت ذائقتي القصصية من خلال قصص المقهور والقويري
و التكبالي وأحمد إبراهيم الفقيه و يوسف الشريف و سواهم، وحين
اتسعت دائرة قراءاتي فيما بعد كنت أقيس جودة ما أقرأه بناء على
هذه الخلفية، وبفضلهم تحسنت خياراتي.
• كما
أعرفك وكما ظهر في تفاصيل هذا الحوار تبدو حريصا جدا على علو
مكانة الأدب الليبي ومحيطا بخصائصه الفنية، فلماذا لا تقوم بعمل،
اسمح لى أن أسميه، مجديا ثقافيا، على سبيل المثال الإشراف على
صفحة للأقلام الشابة أو إنشاء جمعية ثقافية أو منتدى لتأطير
الأدباء الشبان ؟ ..
ربما هناك قصور في
تركيبتي الشخصية في حد ذاتها. فأنا ليس لدي هذا المطمح، مطمح
القطب والمريدين، بالإضافة إلى أنني أعتقد أنه قد تجاوزه الزمن
منذ أمد بعيد. كما أنك تعلم استحالة نيل ترخيص لجمعية من هذا
النوع خصوصا إذا كان في صدارتها مثلي. أما بالنسبة للإشراف على
صفحة ثقافية فهذا أمر يسرني أن أتولاه، ولكن أنت تعرف وضعي كسجين
سياسي سابق وعلاقتي بمؤسسات الدولة وعلاقتي بالصحف ورؤساء
تحريرها وأنت تعرف مستوى هذه الصحف نفسها، فأنت من شعابها،
والحقيقة لم يعرض علي مثل هذا الآمر، ومن الطبيعي، في ضوء ما
ذكر، ألا يعرض علي.
موضوع الصالون الأدبي
(سواء كان خاصا بالأدباء الشبان كما قلت أنت أو عاما)
موضوع آخر. وهو لا يحتاج إلى ترخيص طبعا، وكثيرا ما طرح أصدقاء
مقترحا من هذا النوع، و لكن يبدو أن ظروف الحياة والمناخ العام
لم يعودا يمكنان من ذلك.
والصالونات أو
المنتديات الأدبية تلعب دورا مهما في الحياة الثقافية. ففي
السبعينيات كانت "مربوعتي" صالونا
أدبيا، بدون قصد وبدون وعي طبعا، والعديد من الأسماء من أدباء
جيل السبعينيات في طرابلس مرت علي تلك "المربوعة" التي أسهمت،
بشكل أو بآخر، في تكوينهم الثقافي والأدبي منهم الشاعر"محمد
الفقيه صالح" والشاعر"عاشور الطويبي" والشاعر
"علي الرحيبي" والقصاص "جمعة
بوكليب" والقصاص"محمد الزنتاني" والقصاص" عمر أبوالقاسم الككلي"
طبعا، والكاتب والناقد" رمضان سليم" والصحفي" علي الجواشي"
والمثقف اللامع" نور الدين النمر" ومثقفون آخرون لم يكونوا
منتجين للثقافة، وكانت النقاشات غير مخططة مسبقا وتأتي حسب
مقتضيات اللحظة وحسب ما يجر إليه الحديث المرتجل في تلك الجلسات.
لقد أشرت إلى هذا في مقال نشرته مؤخرا وآمل أن يدلي الآخرون
بشهاداتهم بهذا الشأن، لأن هذا، في رأيي، جانب من جوانب تاريخنا
الأدبي و الثقافي.
•
للقصة عدة مصطلحات نقدية. لأوردنا كما كبيرا منها، كالأقصوصة
والقصة القصيرة والقص الشعري والقصة القصيرة جدا إلخ. فلأي من
هذه المصطلحات تنتمي قصة عمر أبوالقاسم الككلي وأي منها أنت أقرب
إليه ؟.
أنا أفضل استخدام
مصطلح قصة بدون صفات، ولا أميل كثيرا إلى إيجاد تعريفات جامعة
مانعة. هذا غير ممكن في الفنون والآداب، لأن الفنون والآداب
تكتسب قيمتها، في تقديري، من كسر القوانين الذي هو عملية ضرورية
لديمومة التطور، وليس من المحافظة على الأعراف والتقاليد
والامتثال لها، فالتعريفات المحددة تحاول أن تجمد الشيء ضمن سنن
و قواعد وأعراف محددة ومحدودة، وسميت الأعمال الإبداعية إبداعا
لأنها تسعى إلى التجدد الدائم وأن تكون على غير مثال سابق.
فبشأن القصة القصيرة
على سبيل المثال، كما أشرت مرة في مقابلة أخرى، يكفي تعريفها
بأنها جنس أدبي، نثري، سردي، تخييلي، يميل إلى القصر. هذا تعريف
فضفاض طبعا، إلا أن فضفضته، في اعتقادي، شيء إيجابي. لأنه من
المرونة بحيث يتسع لمجمل التطورات التي تمس هذا الجنس. فمثلما
نسمي معلقة عنترة وقصيدة لك وقصيدة لدرويش و أخرى لأنسي الحاج
قصيدة، على ما يباعد بينها من فوارق هائلة، ينبغي أن ينطبق ذلك
على القصة أيضا، بحيث تكون هذه الأشكال أو التنوعات المختلفة
قصصا كلها.
• فن القصة هو فن مدني. كيف اعتبرت أن
ليبيا أرض قصة على الرغم من المساحات غير المدنية الموجودة؟
هذا صحيح. لكن المسألة
ليست بهذه الميككانيكية. يقال عن الرواية بأنها ملحمة العصر
البرجوازي، لأنها ظهرت في إطار المخاضات والظروف التي صاحبت صعود
البرجوازية كطبقة ناهضة في المجتمعات الأوربية تطمح إلى إحداث
تحولات، لصالحها طبعا، في هذه المجتمعات وإعادة تشكيلها إلخ. لكن
هذا لا يعني أن الرواية تكتب فقط من قبل المنتمين إلى الطبقة
البرجوازية، بل كتبت وتكتب من قبل أدباء من طبقات أخرى، لأنها
أصبحت إنجازا إنسانيا يمكن استخدامه من قبل الجميع. إنها اختراع
من الاختراعات، مثل القطار أو البندقية أو المكنسة الكهربائية.
وهذا ينطبق على القصة التي هي فن مديني بامتياز، إلا أنها أصبحت
ملكية عامة. ثم ينبغي ألا ننسى أن عالم العصر الحديث قد توحد إلى
حد كبير، وبالتالي فالشخص الموجود في واحة في الصحراء لم يعد
معزولا عن أفق المدينة وعن أفق التطور العالمي والرؤى الحديثة.
فالأديب الذي في الواحة مثلا يتطلع إلى المدينة وليس إلى الواحة
ويستفيد من "المخترعات" الأدبية
مدينية المنشأ، وهذا يمارس بالطبع تأثيرات عميقة جوهرية. إلا أنه
ينبغي ألا يفهم من ذلك أن هذا يحدث بشكل آلي فوري مباشر، وإنما
عبر حلقات من العمليات التفاعلية المعقدة متعددة العناصر، بحيث
تبدو النتائج في النهائية شديدة البعد عن خمائرها أو محفزاتها
الأولية.
•
لديك أيضا اهتمامات أدبية أخرى، كالترجمة مثلا. هل الترجمة هي
مشروع آخر بالإضافة إلى اهتمامك الأساسي بالقصة ؟
هو ليس مشروعا بالمعني
الذي قد يفهم من الكلمة. لقد كان أحد الدوافع الملحة في اكتسابي
الإنغليزية مقاومة أخطار السجن. فعندما سجنت كانت حصيلتي من
اللغة الإنغليزية هي ما ترسب لدي من المناهج التي تلقيتها في
الدراسة، وهي، طبعا، حصيلة لا يمكن التعويل عليها في شيء. وعندما
وضعنا في ظروف صعبة في السجن صادف وجود قاموس إنغليزي-عربي و بعض
المواد المكتوبة بالإنغليزية، إضافة إلى وجود أشخاص متمكنين من
هذه اللغة. فقررت مقاومة هذا العدوان التدميري نفسيا وعقليا و
التصدي له من خلال تركيز جهودي على الاستفادة القصوى مما هو متاح
في اكتساب لغة جديدة لفتح نافذة أستقبل منها العالم. ولم يكن همي
أن أجيد التحدث بها بطلاقة أو كتابتها بشكل سليم، لأنه لا يوجد
ما يساعد على ذلك، فلم تكن لدينا أقلام كافية و كانت الأوراق يتم
الحصول عليها من علب مسحوق الصابون وعلب التبغ وما إلى ذلك. لكن
سعيت في أن أقرأ وأستمع إلى المذياع. وبعد خروجي كان يهمني إيصال
هذه الرسالة إلى الذين سجنوني: لم تفلحوا في تدميري!. عندما
أودعتموني السجن لم أكن أعرف الإنغليزية، وها أنني خرجت وأنا
أعرفها وقادر على الترجمة منها!. وكذلك إيصال رسالة طمأنة إلى
اصدقائي: لم يدمرني السجن، لقد صارعته وغنمت منه غنائم مهمة!.
النقطة الأخرى أنني أحيانا أقرأ أعمالا بالإنغليزية فأعجب بها و
تنشأ لدي رغبة في إشراك آخرين في الاستمتاع معي بهذا العمل، وبما
أنه لا يمكنهم الاطلاع عليها بلغتها الأصلية أقدم أنا لهم هذه
الخدمة، إلى جانب أن ممارسة الترجمة تقوم بعمل ذي حدين في تصوري.
الحد الأول أنها تزيد تمكني من لغتي العربية ذاتها من خلال
الاجتهادات في الترجمة، والحد الثاني أنها تطور معرفتي
بالإنغليزية وتمتن علاقتي بها، كما أنها توسع أفقي وتنمي معرفتي
بشكل عام. يتخلل كل ذلك أني وجدت فيها مساعدة على هزال الراتب
وتأخره ..
•
الرواية هي جنس المرحلة. فكتاب الرواية هم الأشهر، وهم من يحصد
الجوائز. أما القصة فنصيبها أقل دائما. هل فكرت في كتابة الرواية
؟
لم تتبلور عندي فكرة
لرواية. ومن طبيعتي ألا أسعى إلى تعمد ما لم يتبلور عندي ويتضح و
يصبح ضاغطا على وجداني. لقد استوعبت القصة قدراتي وأشبعت شغفي
إلى الكتابة فاكتفيت بها، وإن كانت تراودني رغبة في كتابة رواية
تكون طويلة جدا (لقد سبقني إلى ذلك
آخرون منهم أحمد إبراهيم الفقيه) ولكن هذا الهاجس لا يلح علي
بدرجة مقلقة. لعلي لست مؤهلا للتحرك على مساحات شاسعة والسيطرة
عليها والتمكن منها، ففي القصة أركز على مساحة محدودة وأعمل على
محاصرتها والتوغل فيها( لقد شبهني القاص جمعة بوكليب في مقال
كتبه عني في السجن بالعنكبوت الذي يمد نسيجه في الزوايا الضيقة).
ولقد اكتشفت أن الميل إلى القصر والتركيز على مساحات صغيرة
محدودة سمة تطبعني حتى فيما أكتبه من مقالات. لكن هناك من اعتبر
أن مجموعاتي القصصية يمكن أن تعد رواية ضمن المفهوم المتحرر
للرواية الذي يركز على تشابه المناخات وتشابه الشخصيات التي تكاد
تكون في قصصي، كما يرى هؤلاء، شخصية واحدة، بغض النظر عن كون
السرد يتم من خلال ضمير المتكلم أو ضمير الغائب. هذه مسألة نقدية
قابلة للأخذ و الرد. ما يهمني هنا هو أنني مرتاح لإنجازاتي في
القصة، وعلى مستوى العالم هناك كتاب لم يعرفوا بغير القصة
القصيرة.
•
النقد محليا غير موجود فليس لدينا ناقد متخصص. أنت من الذين
مارسوا النقد في مرحلة من المراحل. لاحظت ذلك في مداخلات كنت
تجريها في النصف الثاني من التسعينات برابطة الأدباء. هل من داع
إلى أن يمارس القاص أو الشاعر النقد ؟
غياب النقد، أو ضعفه
الشديد، بالنسبة للحركة الأدبية الليبية كان دائما محل اهتمام و
تساؤل. وأنا أعزو ذلك إلى أسباب عدة، أولها أن النقد نشاط فكري
لا يمكن أن ينشأ ويزدهر إلا في مناخ حرية كاملة لا يوجد فيه حجر
على الأفكار ومطاردتها بحيث يمكن للشخص الذي يختار طريق النقد
بناء نفسه فكريا. وهذا شبه منعدم في ليبيا منذ تكوين الدولة
الليبية الحديثة بعد الاستقلال، وإن كان الحال في الخمسينيات
والستينيات أفضل قليلا. لقد بلغ الأمر في فترة من الفترات أن
يحجم المرء عن الكتابة النقدية عن عمل أدبي ما خشية أن يشكل ذلك
وشاية بصاحبه لدى جهات معينة!. النقطة الأخرى أنا لا أقتنع حاليا
بتكون ناقد مهم وفعال دون إجادة لغة أجنبية، لأن الجزء الأساسي
من الفكر النقدي والمناهج النقدية تصنع، سرنا ذلك أم أحزننا، في
الغرب، وصار الشغل النقدي خارج هذه المناهج
(و مرة أخر سرنا ذلك أم أحزننا) مجرد إنشاء نافل.
وفي ليبيا نحن للأسف
ليس لدينا لغة أجنبية تعتبر لغة ثانية تمكن السواد العام
للمثقفين من المتابعة بها والاتصال عبرها بالمنابع. النقطة
الأخرى هي أن العمل النقدي أصبح، في تقديري، عملا بحثيا ألصق
بمناهج البحث العلمي التي تحتاج إلى تربية أكاديمية. المشكلة
عندنا أن أدباءنا لم يتربوا أكاديميا، وأكاديميينا لم ينفتحوا
على المناخات والإنجازات الجارية في مجال النقد والإبداع.
فيما يخص كتابتي أنا
شخصيا أود القول بأنني لا أنظر إلى نفسي كناقد ولم أسع إلى بناء
نفسي نقديا. و أنا أتابع الاطلاع في مجال النقد بحثا عما يفيدني
في تطوير كتابتي القصصية وزيادة استيعابي لخفايا الفن الذي
أمارسه. لكن أحب أن أوضح أنه في نهاية السبعينيات نشأ لدى العديد
من كتاب جيلنا نوع من الإحساس بغيبة الناقد الذي لديه القدرة على
التعامل مع هذه الحساسية الجديدة التي كنا نرى أننا نمثلها،
فارتأينا أن نكتب عن نتاجات بعضنا إلى حين تكون نقاد ممارسين
يتولون عنا المهمة، وأحب أن أذكر بأن هذا قد حدث أيضا مع جيلنا
في مصر مثلا، رغم زخم الحركة النقدية في مصر.
وفي هذا السياق كتبت
دراسة عن قصص القصاص محمد الزنتاني الأولى و كنت أنوي الكتابة عن
قصصاصين آخرين، إلا أن المشروع قيض له ألا يستمر لسببين: الكسل
الذي يلازمني والإسراع بإداعنا السجن. وأريد هنا أن أميز بين
الناقد المحترف أو الممارس وبين الكتابة النقدية للمبدع الذي
يكتب عن عمل إبداعي لمبدع آخر. فالمبدع يركز في كتابته هذه على
الجوانب التي تجعله يطور عمله هو ذاته. لذا فهو لا يكتب إلا عن
الأعمال التي تستحوذ على إعجابه، في حين يمكن للناقد أن يكتب عن
أعمال لم تعجبه.
• تحاول، عبر قصصك، تقديم نظرة عن الأشخاص
الذين من حولك. فنجد أنك تصور جوانب من سيرتك كقصتك (أبي) على
سبيل المثال ؟.
حين قرأت هذه القصة في
جلسة قراءة بأحد النشاطات الثقافية، وبعد خروجنا من القاعة، قال
لي شخص بأن هذه سيرة ذاتية، فأجبته: أنا قلت قصة!. نعم، هي عن
أبي فعلا، وذكرت فيها اسمه واسم أبيه وجده وجد أبيه، ولو كانت
شجرة العائلة متوفرة لمضيت أكثر (لكن
للأسف لا يستطيع الفقراء الأميون توثيق نسبهم) وأوردت اسم أمه،
ولكنها تظل، مع ذلك، قصة، أي تخييلا، وليس سيرة ذاتية. ذلك أنني
أرى أن ما يحدد طبيعة الجنس الأدبي هو طريقة الكتابة، وليس مصدر
المادة. لو كنت أكتب سيرتي الذاتية أو سيرة أبي لكتبتها بشكل
آخر، مثلما تكتب السير، حتى ولو حاولت التجديد في شكل الكتابة
فسيكون تجديدا في كتابة السيرة الذاتية أو السيرة. وبالنسبة لهذه
القصة فإنها تحتل مكانة خاصة في علاقتها الوجدانية بي. لقد كانت
علاقتي بوالدي يسودها الخلاف وانعدام التفاهم. فلم نكن يوما على
وفاق. إلا أن واقعة سجني هزت كيانه، إن لم تكن قد قصمت ظهره.
كانت مفاجأة كاسحة جعلته، فيما يبدو، يغير رأيه في ويشعر بندم
شديد لأنه لم يكن يقدرني حق قدري. فشخص تخشاه الدولة بجلال قدرها
وبما تملكه من قوة وعظمة وتدبر حيلا للتخلص منه، لابد أن يكون
شخصا عظيما خطير الشأن، و ليس كما كان يراه هو الإنسان الجاهل
البسيط. قيل لي بأنه كان دائما يعرب عن أسفه وندمه لما صار يحس
الآن أنه كان سوء معاملة منه لي ويتمنى أن أكون قد سامحته!. توفي
قبل خروجي بثلاثة أيام. لما خرجت كان المأتم منصوبا وتحول الوضع
إلى حالة مركبة لا يمكن لي أن أنساها و كلما اتذكرها يرتعش جسدي
وتجيش خواطري وأوشك على البكاء. أشخاص يحتضنوني مباركين بعيون
فرحة ويبتسمون، ثم، فجأة، يعزونني فيتملكهم الحزن، حقا وصدقا،
وتدمع عيونهم.
المسألة الأكثر تأثيرا
في وجداني أن والدي كان كثيرا ما يظهر لي في الحلم وكان ينشب
بيننا الخلاف والخصام فيتحول الحلم إلى نوع من الكابوس. أتعبني
ذلك. فجاءت كتابة هذه القصة نوعا من التطهير. كانت دعوة له
للتصافي والتصالح. أردت أن أقول لكيانه الماثل في وجداني: أنت
لست سيئا، لم أعتبرك في يوم كذلك، صدقني. وأنا أيضا لست سيئا.
المشكلة أننا لم نجد طريقة للتفاهم. أنا لم أنس معاناتك وأفضالك
علي. وأنا أعرف أنك في أعماقك تحبني ولم يجعلني ما كنت تبديه من
قساوة أؤمن بالعكس. فلماذا نستمر في الخلاف؟. ما هي مصلحتنا في
ذلك؟. لقد تعبت أنت وأنا ووصلنا إلى مرحلة ينبغي أن نتصالح فيها
ونتصافى وينصف أحدنا الآخر. الغريب في الأمر أنه لم يعد يظهر في
أحلامي كثيرا ولم نعد نتخاصم.
• أنت، إذن، تؤيد التصالح مع الآخرين ؟
بالتأكيد. ما فائدتي
في عدم التصالح؟. لكن التصالح غير التنازل. البعض يعتبرني متشددا
وصارما. لكنني أعتبر نفسي شديد المرونة. أنا فعلا متشدد فيما
يتعلق بالمسائل المبدئية، وبالمناسبة هي ليست كثيرة، إنها مباديء
خط الدفاع الأخير. فيما عدا ذلك أعتبر نفسي مرنا جدا ومتفهما
وأرى أن التصالح هو مفتاح حل المشاكل مهما كانت معقدة. وأعني
بالتصالح التصالح الجاد الذي يعترف بحقوق كل أطرافه وقيمتهم،
وبدن تحايل أو نصب.
الفضاء
الثقافي
|
|
libyaalmostakbal@yahoo.com