|
||
|
اللجنة الإعلامية بالمؤتمر الوطني للمعارضة الليبية ندوة ذكرى الإستقلال - قاعة الكوفة - لندن - الخميس 29 ديسمبر 2005مسيرة النضال الوطني الليبي (ورقة الأستاذ مفتاح الشريف فى ندوة الذكرى الـ 54 لإستقلال ليبيا)
في أعقاب انهيار الدولة الوطنيّة الليبيّة الأولى الممثّلة في الإيالة القرهمانليّة (1835 – 1711) عاد الحكم العثماني المباشر وسط إستمرار الإنتفاضات القبليّة في أقاليم طرابلس تحت قيادة زعامات شهيرة من بينها رموز كغومة المحمودي في الجبل والدواخل،وعبد الجليل سيف النصر في فزّان وعثمان الأدغم في مصراته وعبد الهادي المريّض في ترهونة. ولجأت الإدارة العثمانيّة الى قمعها بالوحشيّة المعروفة . وكانت دوافع هذه الإنتفاضات الضرائب الباهظة ورفض التجنيد والنزاعات القبليّة التقليديّة، كما أنها اتّسمت بالأنتظام في تكتّلات متضامنة ومحاربة على هيئة "الصفوف" فوضعت بذلك لبِنات للإصطفاف الجماعي في مواجهة الأعداء الخارجيين،ولكنّها أيضا حافظت على المواقف المتباينة والصراعات المتحزّبة التي تفرزها طبيعة النظام القبلي. أمّا في برقة فقد شهدت هذه العودة للحكم العثماني المباشر مجيء الإمام محمّد علي السنوسي مؤسّس الطريقة الصوفيّة أو الإخوانيّة السنوسيّة،وشروعه في بثّ دعوته التي كانت في الحقيقة ذات مضامين وأهداف سياسيّة، وإن تدثّرت بلباس الدين. وقد تجسّدت في كيانات اجتماعيّة واقتصاديّة،ونعني بها الزوايا-والتي شيّدها ومن بعده إبنه الإمام المهدي بشكل واسع، وبعدد أقلّ خليفته السيدّ أحمد الشريف،واستطاعت أن تقضي على الإحن والصراعات القبليّة، والتي نجم عنها ترحيل قبائل أولاد علي والجوازي من إخوتهم السعادي الى أن حطّت في الصحراء الشرقيّة المصريّة في الفترة ما بين 1830 –1861 . وأن تنشيء السنوسيّة سلطة خاصة في الدواخل بديلة عن السلطة العثمانيّة المتمركزة في المدن الرئيسيّة على الساحل. وقد اتسمت العلاقات بين السلطتين بتبادل المصالح ومحاولة كلاهما استغلال الآخر لتحقيق مآربه. فالأتراك وجدوا في السنوسيّة ممثّلا لهيبتهم في الدواخل (أو ما أُطلق عليه الهنترلاند)، ومن ناحية أخرى قيادة محليّة ذات نفوذ ديني قادرة على التصدّي للغزاة والخصوم الأوربيين الذين بدأت طلائعهم في الأراضي الأفريقيّة ممّا يهدّد ممتلكات الإمبراطوريّة العثمانيّة هناك والغائبة عنها فعليّا. أمّا السنوسيّة فسعيا منها الى تنفيذ مشروعها،أرادت أن تستظلّ بالحماية العثمانيّة،فرفعت رايتها في وجه الغزاة حتى يكون لها ضمان دولي يحمي ممتلكاتها وطرق القوافل التي سيطرت عليها وأخذت تستخدمها في تجارتها مع السودان الأوسط،مع ما يتبع ذلك من تعزيز سطوتها وتعزيز نفوذها بين السكّان (ولم يكن همّها الأساسي نشر الإسلام الذي دخل تلك الأصقاع منذ القلان السادس عشر). وهكذا اكتسبت صفة ما أطلق عليه المؤرّخون (دولة داخل الدولة). ولعلّ خير تلخيص لحقيقة وضع السنوسيّة تحت زعامة السيد أحمد الشريف، ما كتبه الجنرال (إميليو) والي ليبيا، في تقرير له الى وزير مستعمراته بتاريخ28 ديسمبر 1915، حيث قال: "لقد ظهرت السنوسية كعامل توحيد في العداء ضدّنا، والخصم الأكثر حيويّة وعزما تجاهنا وتجاه القوى الصديقة في أفريقا الشمالية. فبدون أعمال تصليب المواقف، وتهييج الجماهير التي تقوم بها السنوسية، كان لتدابير هذه الحكومة في إحداث الإنقسامات السياسية، أن تؤتي ثمارها أكثر مما تحقّق حتى الآن. ويفترض أن هذه الحيويّة، قد غذّاها منح السنوسي الكبير (أي السيّد أحمد) لقب ممثّل السلطان في أنحاء أفريقيا المسلمة. ومما لا شك فيه أن السنوسيّة أخذت تستفيد من الأوضاع الدوليّة، مواصلة نموّها وانتشارها في أفريقيا، مع مقاصد أخذت تتّضح شيئا فشيئا. فبرنامجها من أجل تجديد الإسلام، تجلّى في إتقانها لكيفيّة استنباط الحوافز العرضيّة أو الظرفيّة التي تمكّنها من ممارسة الضغط بمثابرة على الأمم المسيحيّة ذات الأغراض التوسّعيّة، بهدف تقوية ذاتها، وبالتالي التصدّي المعادي لهذه القوى، عن طريق تسديد الضربات لمستعمراتها. وإننا لنرى في الوقت الحاضر، أنها – في مواجهة فرنسا، تقوم السنوسية، وللمرّة الثالثة، باستعمال نفس الأساليب، ونفس الحيل التي حقّقت لها النجاح في الكفاح ضدّنا وضد الإنجليز...". ولهذا اعتبرت السنوسيّة المكوّن الأساسي للحركة الوطنيّة الليبيّة. وبخلاف فرق دينيّة سابقة عليها كالوهّابيّة التي شنّت هجمات خارج حدودها على العراق،أو المهديّة المعاصرة لها والتي هاجمت حدود مصر،فأوّل معارك خاضتها السنوسيّة كانت دفاعيّة محضة ضد قوى أجنبيّة غازية معتدية. فالإمام المهدي السنوسي لم يحارب القوّات الفرنسيّة إلاّ عندما اعتدت على الزاوية السنوسيّة في (بير علالي). وقد زحفت هذه القوّات منذ عام 1899 على السودان الأوسط (تشاد والنيجر وشرقي نيجيريا وأفريقيا الوسطى الحالية اليوم) وفقا لمعاهدة فاشودة بين فرنسا وبريطانيا لتقاسم أفريقيا بينهما. ومن ثمّ اندلعت الحرب المتقطّعة بين القبائل الليبيّة المنضوية تحت لواء السنوسيّة والقوّات الفرنسيّة،وخلالها سقط الإمام المهدي عام 1902 شهيدا في معركة (قورو)، كما ذكرت بعض المصادر. ثمّ واصل الكفاح بعده خليفته السيّد أحمد الشريف الذي نقل مركز الحركة الى الكفرة. واستمرّ الصراع الذي قادته السنوسيّة ضد الغزو الفرنسي لا سيّما في منطقة تبيستي،وسط تعدّد المساومات والإتفاقات السريّة والعلنيّة، على الحدود الجنوبيّة لليبيا، وأهمّها اتفاق سنة 1915 والآخر سنة 1935 بين إيطاليا وفرنسا،حتى بعد الغزو الإيطالي لليبيا عام 1911. وفي المقابل، على الضفّة الأخرى من المتوسّط،دخلت إيطاليا في صراع مع القوى الأوربيّة لتقاسم النفوذ والمستعمرات التي تساقطت نتيجة إنهيار الإمبراطريّة العثمانيّة. فمنذ عام 1863 بدأ التلويح في الصحف الإيطاليّة الرجعيّة بضرورة توسّع إيطاليا خارج حدودها لحلّ مشاكل البرجوازية الصناعية النامية فيها والمتمثّلة في التكاثر السكّاني والحصول على مواد أوليّة وأسواق ومواطن للهجرة. وبذلك دخلت في حلبة التنافس المحموم مع فرنسا التي سبقتها الى الجزائر عام 1830وتونس عام 1881. وفي نفس الوقت كانت بريطانيا تتسلّل لتحتلّ مصر ومن ثمّ السودان، ولم يبق أمام إيطاليا ألاّ ليبيا. فبعد إبرام اتفاقات ومساومات مع التحالفات والدول الأوربيّة- حتى قبل اجتياحها لليبيا- شرعت في تنفيذ المخطّط التمهيدي له عن طريق زرع شبكات التجسّس واستمالة أعيان البلاد وشيوخ القبائل بل وزعماء الحركة السنوسيّة في محاولة لاستعمال امتيازات ورشاوى بنك روما الذي فتح فروعه في بنغازي وطرابلس منذ عام 1907 - إيفاد الرحّالة والمستكشفين،الذين تبعهم الصحفيّون فكتبوا تحقيقات وتقارير مليئة بالدعايات المضلّلة التي صوّرتها بأنها جنّات من النعيم - تدعيم مكانة الجالية الإيطاليّة المقيمة في البلاد بفتح معاهد تعليميّة لأبنائها وإرسال البعثات الدينيّة. ومن ثمّ أخذت الحكومات الإيطاليّة تتحجّج بمضايقة السلطات العثمانيّة الحاكمة لهذه الجالية ولمصالح إيطاليا الإقتصاديّة، وهو ما ساقته حكومة جوليتي في إنذارها النهائي لإسطامبول بتاريخ 26 سبتمبر 1911،والذي قرّرت فيه عزمها على احتلال ليبيا. وهكذا ومنذ 28 سبتمبر أطلّت الأساطيل الإيطاليّةعلى السواحل الليبيّة وبدأت في قصف المدن ثم إنزال جنودها الغزاة على الشواطيء حيث دوهمت طرابلس يوم 2 أكتوبر وطبرق يوم 4 أكتوبر،ودرنة يوم 16 أكتوبر،والخُمس يوم 17 أكتوبر،وبنغازي يوم 18 أكتوبر. وقد فوجئت قوّات الغزو بالمقاومة الشعبيّة المستبسلة في المعارك الشهيرة المعروفة ممّا جعل الجنرالات الإيطاليين يرتكبون أعمال القتل العشوائي والشنق الجماعي في الساحات العامّة للمجاهدين الليبيين. وقد لا يعلم الكثيرون أن أوّل طائرات استعملت في الحروب كانت في ليبيا،ففي يوم 22 أكتوبر 1911 قام الكابتن Piazza.بقصف المجاهدين في عين زاره وزنزور،وفي 10 مارس1912 استخدم الإيطاليّون المنطاد P1 وP2 في قنبلة المجاهدين المتحصّنين بفندق التوكار،وفي يوم 12 سبتمبر 1912 أسقط المجاهدون في المنطقة بين (المايه) و(القديم) المنطاد P2، وكان يقوده الكابتن Moizo (ماوزو) الذي اعتقله المجاهدان عموره بن حمزه والحشّان وعاملاه معاملة حسنة إذ أطعماه تمرا بالحليب،كما نشرت "الكورييري ديلاّ سيرا"،ثم أخذاه ليقضي ليلته ضيفا بخيمة قائد فرقة المجاهدين المرغني سالم،وفي صباح اليوم التالي نُقل الى العزيزيّة. وقد ندّدت الصحف الأوربيّة ومراسلوها الذين صاحبوا الحملة بفظائع الشنق التي اقترفها الجيش الإيطالي، بل إن القوى الحيّة من أبناء الشعب الإيطالي تظاهرت ضدّ العدوان الوحشي وأضرب العمّال في الشمال الإيطالي عن العمل يوم 23 سبتمبر،واصطدموا مع الشرطة (كان من بين المتظاهرين يا للمساخر موسوليني الإشتراكي يومئذ!) محاولين عرقلة إرسال الجنود بالقطارات لتدعيم الحملة،الأمر الذي ترتّب عليه أول إنشقاق داخل الحزب الإشتراكي الإيطالي في مؤتمره (بمودينا) الى تيّارين: يساري معارض للحملة بزعامة تريفيس والإصلاحي توراتي ونيني،وتيّار مؤيدّ لها بزعامة بيسولاتي وبونومي. ولم تصغ الحكومة الإستعماريّة لنصيحة الجنرال كانيفا قائد الحملة نفسه بتلمّس أساليب سلميّة للتفاهم مع السكّان، لما استشعره من استمرار حرب طويلة ومريرة بسبب شراسة مقاومتهم - كما جاء في بيانه بتاريخ 6 نوفمبر أي بعد مرور شهر على بداية الغزو. وعلى الجبهة الشرقيّة في برقة أعلن السيّد أحمد الشريف الجهاد ضد الغزو الإيطالي لبلاده. وكان لنزوله شخصيا لساحة الوغى في معارك (قصر اللبن) و(سيدي كريّم القرباع) الضارية خلال شهر مايو 1913، والتي اتسع مداها ولهيبها من درنه حتى شحات في الجبل الأخضر، قد اعتبرته المصادرالإيطالية الفتيل الذي أشعل شرارة الثورة العارمة، لأن مشاركة السيّد الشخصيّة في القتال كان له فعل السحر – لما له من تأثير روحي - وازدهف بعقول الناس فتنادواالى الجهاد من كلّ حدب وصوب. ناهيك عن قيادته للمعارك، ضد القوّات البريطانيّة على الحدود الشرقية مع مصر،في نوفمبر 1915 والتي ورّطه فيها ضبّاط أتراك وعناصر ليبيّة عميلة لهم تحقيقا لمخطّط تركي –ألماني بهدف إشغال بريطانيا والهجوم على قناة السويس. ورغم احتلال جيش السيّد لمشارف مرسى مطروح،إلآّ أن قوّات بريطانيا أقوى دولة عظمى آنذاك،وتفشّي المجاعة بين الجنود الليبيين،أدّت الى دحره وتشتيته،الأمر الذي غيّر من مسار الصراعات الدوليّة على الساحة الليبيّة،وأدّى الى تنازل السيّد عن زعامة الحركة وتسليمها للسيّد إدريس السنوسي، تمهيدا لتنفيذ مشروع بريطاني - إيطالي، كان يهدف الى منح السيّد حكما ذاتيا على واحات برقة،ونضج الآن لكي يمنح للسيّد إدريس ، ومؤدّاه الإعتراف بالسيادة الإيطاليّة على ليبيا،وإنهاء الكفاح. وذُهلت جماهير الشعب الليبي حين خذلتها تركيا ووقّعت مع إيطاليا معاهدة أوشي (لوزان) يوم 18 أكتوبرالتي بموجبها تنهي تركيا حالة الحرب (التي لم تعلنها)، وتسحب قوّاتها من ليبيا (لم يتجاوز عددها خمسة آلاف جندي موزّعين في جميع أنحاء البلاد)، وجرى الإتفاق على أن يُصدر السلطان (فرمان) يمنح فيه أهل ليبيا الحكم الذاتي يوم 17 أكتوبر،وتعلن إيطاليا في نفس اليوم إعترافها بهذا الحكم. بيد أن إيطاليا سارعت الى إضفاء سيادتها على ليبيا بسلسلة من الإتفاقات الدوليّة: مع روسيا يوم 6 أكتوبر،وألمانيا والنمسا يومي18-17 ومع بريطانيا يوم 19أكتوبر ومع فرنسا يوم 20 أكتوبر،أي في الأيام التالية لتوقيع المعاهدة (ضمن التواطؤ الأوروبي المعروف) ثمّ وقعت يوم 30 نوفمبراتفاقا ثانيا مع فرنسامع يقضي بتدعيم مركزهما في كل من ليبيا ومراكش(المغرب الأقصى)، وقد تلتها اتفاقية مماثلة مع إسبانيا بتاريخ 4 مايو 1913. وفي 20 نوفمبر1912 أصدرت مرسوما بتكوين وزارة المستعمرات لأول مرة،وعُيّن وزيرا لها (بيترو بيرتوليني) الذي شارك في مفاوضات لوزان المذكورة . أمّا على الجانب الليبي فقد اجتمع رؤساء وأعيان طرابلس وناقشوا الأمر وانقسموا الى مجموعة على رأسها فرحات الزاوي ومختار والهادي وأحمد المريّض وعلي بن تنتوش قرّرت الدخول في مفاوضات مع الإيطاليين بغية الحصول منهم على الإستقلال الذاتي الذي ورد في (الفرمان)، والمجموعة الثانية وكان وراءها نشأت بك الوالي العثماني المؤيّد (لتركيا الفتيّة) الراغبة في مواصلة الحرب، وقد مثّلها سليمان الباروني والشيخ سوف ومحمد بن عبد الله البوسيفي. ورغم هذا الموقف فإننا نرى المجاهد سليمان الباروني يبذل محاولة إنفراديّة لعلّه يقنع الإيطاليين بالحصول على الحكم الذاتي فيرسل الى الوالي الإيطالي رسالته الوديّة التي يختمها: "وأشير على دولتكم بالموافقة على استقلالنا حسب الفرمان السلطاني، وتعالوا نستعين بكم على تعمير هذه البلاد حيث فضى الله بمجاورتنا، كما كان أجدادنا من قبل." ولمّا امتنع الوالي الإيطالي عن الردّ عليه،اضطرّ لمحاربة الاحتلال. وكان أن قاد معركة جندوبة (أو الأصابعة) التي أبلى فيه،ولكن تفوقّ القوّة الإيطالية ألحق به الهزيمة،فالتجأ الباروني الى تونس،ومنها الى لندن،وهاجر الشيخ سوف إلى حلب(الشام)،غير أن المجاهد الجسور محمد بن عبد الله ومن معه أصرّعلى مواصلة المقاومة، واتجه الى فزّان معتصما فيها. بينما أرسلت المجموعة الثانية يوم 28 أكتوبر رسالة الى الوالي الإيطالي يطلبون فيها المفاوضات التي انعقدت في عدّة جلسات الأولى منها يوم 2 نوفمبر،وكان الوفد مكوّنا من : محمد فرحات بك النائب عن الزاوية في البرلمان العثماني ـ الهادي بك كعبار قائمقام غريان ـ الصغير بك المريّض قائمقام ترهونة ـ على بك شلابي قائمقام النواحي الأربعة ـ نوري أفندي السعداوي الموظف في الخمس ـ المرغني بن سالم رئيس بلدية العزيزيةـ الطيب أفندي البشتي مفتي الزاوية. وفي اجتماع 4 نوفمبر أُضيف إلى الوفد أحمد بن باشا المنتصر(تغيب عن الاجتماع الأول،لأنه كان في روما حيث قابل رئيس الوزراء جوليتي،كما ذكر هو نفسه في اجتماع يوم 5 نوفمبر)،وأُضيف أيضا أحمد شلّيق رئيس بلدية العجيلات،وخرج منه كل من علىشلابي ونوري السعداوي. وفي اجتماع 5 و6 نوفمبر لم يطرأ تغيير على عضوية الوفد حسبما جاء في نصوص المحاضر الرسمية الإيطالية ومنها اتضح أن الجانب الليبي (وكان فرحات الزاوي الناطق باسمه) حاول في البداية إقناع الوفد الإيطالي بمنح الإستقلال الذاتي،وأمام الرفض الإيطالي طالب بنفس حقوق الإيطاليين،ثم تنازل الى القبول بما يمنحه المستعمر لسكّان مستعمرته وجاءت تدخلاّت المنتصر وكعبار بالذات حاسمة في هذا الإتجاه. وحسب ما ورد في تقرير الوالي رانيي الى حكومته: "أنه بعد استمزاج رأي بعض الوسطاء حيال توجهات بعض الرؤساء،تم عقد لقاء منفصل مع أحمد بك المنتصر(باسمه شخصيا ونيابة عن صهريه الهادي بك كعبار والصغير بك المريّض)وكذلك مع فرحات بك. وفيه جرى إنجاز بعض المكافآت، وبهذا أمكن تليين معارضة الأعضاء الأربعة الأكثر نفوذاً. وفي اجتماع اليوم نفسه تمّ التوصل إلى الإتفاق ".! والمكافآت المعنيّة تتضمّن إعطاء مرتّبات شهريّة لعمر المنتصر ومختار كعبار وأحمد المريّض وأفراد عائلاتهم مع امتيازات ضريبية وتعويضات ومناصب ..إلخ وأضيف الى القائمة فاضل فكيني في فساطو، ومنح مرتبّا شهريا نظير قيامه بنزع سلاح الذين قاتلوا مع الباروني،كما طالب عبد النبي بالخير بمرتّب مماثل مكافأة على إيفاده لوسطاء الى ترهونه قبل احتلالها. فالمقاومة التي واجهت الغزو الإيطالي في طرابلس انتظمت حول البنية القبليّة الممثّلة في الصفوف، التي يتزعّمها الأعيان ذوو القرابة العائليّة أو العشائريّة بهذه التكتّلات. وبعضهم إمّا موظّفون لدى الإدارة العثمانيّة أو أوتوقراط (متحكّمون) أو وجهاء بحكم الثراء النسبي أو بالتوارث التقليدي،بخلاف الرؤساء الإقطاعيين الذين لم تعرفهم ليبيا لانعدام ملكيّة الأطيان الواسعة ومقوّمات الإقطاع الأخرى. ثم تطوّرت هذه الزعامات أو بالأحرى تبلورت ولم تعد معتمدة على عامل القرابة. وإذا أخذنا سليمان الباروني ومحمّد فرحات الزاوي نموذجين، لأنهما كانا من أوائل من تصدّى للغزو الإيطالي وقادا المعارك ضدّه،فسنجدهما قد تميّزا بخصائص قياديّة أبرزها: أنهما كانا عضوين في (المبعوثان) وهذا أضفى عليهما هيبة السلطة - التمتّع بالثقافة النادرة في ذلك العصر بين أوساط الشعب (الأوّل شاعر وفقيه أباظي والثاني قانوني) كما تمتّعا بالقدرة على تحريض الجماهير وإتقان تنظيمها ومداومة الإتصال بممثّليها.. وبناء على هذه الحقيقة الإجتماعيّة،نتجت ظاهرة أن هؤلاء الرؤساء مارسوا عبر التاريخ توجيه الأمور في البلاد القاحلة التي تسكنها جماهير بائسة مشتّتة بين أصقاع صحراويّة،معظمها إمّا رعويّة أو شبه رعويّة. وكان التطلّع الى الحاكم الأجنبي والتقرّب منه للحصول على المناصب والإمتيازات هو المسلك الغالب بين هؤلاء الرؤساء. ألاّ أن هذه الإتفاقات لم تفتّ في عضُد المقاومة التي كانت مشتعلة في كامل إقليم برقة،وامتد لهيبها الى الجبل الغربي وفزّان وكان محمد بن عبد الله يقود فيها المجاهدين من ورفله وأولاد بوسيف والزنتان والمشاشيه ضد جيش العقيد مياني المدجّج بأفتك الأسلحة والذي انهكته هجمات المقاومة طوال عام 1913 وقد لجأ القوّاد الإيطاليون الى بث الفتنة بين الرؤساء. (فهيركولاني) تلاعب بالخصومات والتنافس على الزعامة بين عمر المنتصر وسيف النصر،ومن أجل هذا فإن الأخير ساعد الإيطاليين على احتلال سوكنه يوم 23 يوليو، ولكنهم لم يحقّقوا له وعودهم. واكتشافا منهم لما كان يبيّته ضدّهم - نصبوا له كمينا عندما تحرّك مع أولاده من الودّان،ونقلوهم في سيّارة مصفّحة الى مصراته ثم طرابلس، ومن جهة أخرى انتدب الجيش الإيطالي الزاحف عبد النبي بالخير كمستشار يمهّد لهم احتلال وادي الشاطيء، ولكنه لم يفلح في إقناع محمد بن عبد الله بالإستسلام. كما أن راسم كعبار كان يقود (باندا) من المأجورين الليبيين مساندا لمياني. وأعتقد الإيطاليّون أن محمّد العابد السنوسي الذي استغلّ تأثير السنوسيّة لتغذية مطامعه وحاول - في اتصالات مستمرّة مع مياني تهدئة السكّان، قد باءت محاولاته بالفشل إذ استمرّ القائد السنوسي المهدي السنّي يقود الكفاح في مزده،وكانت نهاية محمد العابد أن نفاه الثوّار بزعامة المجاهد صالح بوكريّم شيخ الزويّة في الكفرة اتلى تشاد في وقت متأخّر (في عهد الوالي الفاشيستي لبرقة تاروتزي) كما تعاظم الكفاح بقيادة سالم الزنتاني وسقوط قلعة سبها (القارة)واعتقد المستعمرون بإمكانيّة قمعها إذ تحرّك جيش مدجّج يقيادة العقيد مياني خلال عام 1913 وأثناءها أثخن فيه المجاهدون في كافّة المواقع، حتى أنهك فصدرت اليه الأوامر بالإنسحاب من كامل فزّان يوم 9 ديسمبر 1914 في اتجاه النوفليّة وسرت،حيث كانت قوّات المجاهد صالح الأطيوش تحقّق الإنتصارات المتلاحقة الى أن اندحرت القوّات الإيطاليّة يوم 26 سبتمبر إذ بعدها تتابعت هزائمها،وأخلت كافة المواقع التي احتلتها ولم تتحصّن حامياتها سوى في طرابلس وزوارة. وتوّجت إنتصارات المقاومة في موقعة (قصر بوهادي –القرضابيّة) بتاريخ 29 أيريل 1915 التي غيّرت مسار الإستعمار الإيطالي لليبيا. امّا الكفاح المسلّح في برقة فقد اقتطف النتائج الأوليّة للهزائم العسكريّة الإيطاليّة . ولكن أيضا هزيمة السيد أحمد الشريف في الصحراء الشرقيّة. عندما تولّي السيد إدريس زعامة المنظّمة السنوسيّة والتي أفضت الى منحه الإستقلال الذاتي على واحات برقة ومقرّ حكومة في أجدابيا مع منحه لقب أمير ومرتّبات شهريّة له ولأفراد العائلة السنوسيّة وجيش وشرطة وموّظفين ،كنتيجة لمفاوضات (الزويتينة) في مايو ويونيو عام 1916 بوساطة إنجليزيّة ثم بمفاوضات (عكرمة) بالقرب من طبرق في أبريل عام 1917 التي أسفرت عن (إتفاق مؤقّت) ModusVivendi مما سهّل الطريق نحو توقيع اتفاقيّة الرجمة في 25 أكتوبر 1920. علما بأن شيوخ قبائل العواقير والمغاربة والعبيد والعرفة الذين اجتمعوا عام 1919 بالقرب من أجدابيا وقّعوا على (مضبطة) قرّروا فيها عدم سماحهم للأيطاليين إلاّ بالحقوق التجاريّة وسلّموها للسلطة الإيطاليّة في بلدة (انطيلات) وكانت جميع القبائل في برقة تعارض تسليم سلاحها رغم المحاولات التي جُربت من خلال (الأدوار المختلطة مع الجنود الإيطاليين)! وبموجب إتفاقيّة الرجمة صدر القانون الأساسي متضمّنا حقوقا مدنيّة مماثلة لما يتمتّع به الإيطاليون،وتشكيل أوّل برلمان لبرقة ترأسّه السيد صفيّ الدين السنوسي اجتمع خمس جلسات . كما نتجت عنها تبدّلات تاريخيّة هامة منها: 1)) تحوّل السنوسيّة من حركة دينيّة تعتمد على القبائل في الدواخل فقط ،إلى كيان زمني يمارس السلطات المدنيّة،وإن في نطاق ضيّق. (2) زادت من إبراز ملامح سياسيّة مميّزة لإقليم برقة. (3) أكّدت للسيّد إدريس مركزا قيادياّ سياسيّا ذا شرعيّة ودفعته الى خوض الغمار السياسي الذي يلائم العصر. أمّا في طرابلس فإن حركة المقاومة الشعبية تعاظم شأنها بانتصارات رمضان السويحلي التي أعقبت موقعة القرضابيّة،مدعوما من تركيا وبدعم لوجيستي من حليفتها ألمانيا، وأُعلنت الجمهوريّة الطرابلسيّة في 16 نوفمبر 1918 وترأسّها مجلس مكوّن من السويحلي والباروني والمريّض وبالخير، وعلى إثر ذلك أضطرّت الإدارة الإستعماريّة الى المراوغة فدخلت في مفاوضات مع الزعامة الوطنيّة في (خلّة الزيتون) في مارس 1919 والذي أسفر عن صلح (بن يادم) في يونيو من نفس السنة ،وعلى أثره صدر القانون الأساسي الطرابلسي، وهو مثل نظيره في برقة،يعطي بعض الإمتيازات ويحفظ بعض الحقوق. وتعيّن مجلس إستشاري من الأعيان وزّعت الإدارة الإستعماريّة اختصاصاته، دون أن يباشرها فعليّا،ضمن لعبة التسويف والمماطلة التي اتبعتها ،ممّا دعا المجاهد رمضان السويحلي الى إصدار تحذير الى المواطنين يدعوهم الى التيقّظ تجاه الخديعة الإيطاليّة. وحتى يمتحن حقيقة نوايا إيطاليا الإستعماريّة أرسل خطابا شخصيّا موقّعا منه وبخطّ يده الى رئيس الحكومة الإيطاليّة يسرد فيه ما مرّ بين الجانبين من أحداث مؤلمّة، ويؤكّد له فيها الرغبة في تحقيق الإستقلال مع الصلح ويختمها بقوله: "أصبحنا ننظر الى حياة اتفاق بين إيطاليا والعرب مبنيّة على الإعتماد والثقة بسرور ونعدّها في حيّز الممكن،ولذلك سنصبر ونوصي بالصبر حتى يتحقّق ما ذكرناه لكم ويكون عندكم الوقت الكافي لإدراك حقيقة وطننا بعد الحرب العامة وترون بأنفسكم ضرورة المطالب التي تسعد بها بلادنا وتنالون مآربكم السياسيّة والإقتصاديّة. وتفضّل أيها الوزير الكبير فائق احترامنا ومزيد سلامنا" وكان تاريخ هذه الخطاب التاريخي الهام في 8 أغسطس 1920 أي قبل أسبوع فقط من مصرعه ! فقد سقط يوم 20 أغسطس 1920 أثناء زحفه على بني وليد ،وعلى أثر ذلك ازدادت الأمور توتّرا وتعقيدا،خاصة بعد استشراء الفتنة في الجبل الغربي بين بعض القبائل العربيّة والأمازيغيّة والتي حدثت بسببها حرب أهليّة دامت طوال العام 1921 فراح ضحيّتها الكثير من الأبرياء. وأمام استمرار مراوغة سلطات طرابلس الإستعماريّة لم تتردّد زعامة الجمهوريّة ،وعقدت مؤتمر غريان في نوفمبر 1920 برئاسة أحمد المريّض الذي تأسّست فيه (هيئة الإصلاح المركزيّة) كظلّ لحكومة مؤقتة كما قرّرت فيه بيعة السيد إدريس كأمير على القطرين، وإرسال وفدين أحدهما يحمل البيعة للسيّد إدريس والثاني الى روما من بين أعضائه فرحات الزاوي وخالد القرقني ونوري السعداوي والساعدي بك والصادق بالحاج النائب في المبعوثان. وقد امضى الوفد هناك ستة أشهر لم يقابلهم فيها أحد من المسئولين سوي أعضاء من الحزبين الإشتراكي والشيوعي، المعارضين مظهرين تعاطفهم مع القضيّة الليبيّة،ونتيجة لضغط هؤلاء الأعضاء اضطرّ وزير المستعمرات لمقابلتهم .وحسب رواية نوري السعداوي أبلغهم الوزير بهذا الرفض القاطع لمطالبهم قائلا "لقد كان القصد من دعوتي لكم مجرّد الإستماع لشكواكم كأفراد لا كوفد رسمي يمثّل البلاد،ومع ذلك فإني أدعوكم للعودة الى بلادكموالسعي لإقناع المقاتلين من الأهالي بتسليم ما بإيديهم من السلاح الى الحكومة المحليّة الإيطاليّة والإتفاق معها على إجراء انتخاب مجلس يمثّل الأهلين ويكون من حقّ أعضائه مفاوضة الحاكم العام الإيطالي فيما يعود على مصلحة البلاد" ومن هنا بان جليّا أن الحكومة الإيطاليّة قد قلبت ظهر المجن،فبعد أن أطلق المجاهدون سراح أسراها (بلغ عددهم 450 أسيرا) حسب شروط الصلح،استبدّ بها القلق من توصّل المتفاوضين لتوحيد الجهود والقيادة وأخذت تضمر مخطّطا لتدمير الإتفاقات، وهكذا تلاحقت الأحداث: أصدر عبد الرحمن عزّام مستشار الجمهوريّة تصريحا نشرته (La Rivista Colniale) بتاريخ أبريل 1921 ذكر فيه: "ما تعتبرونه خطأ فادحا من جانبي هو أن أقصى مطالبي أن تكون طرابلس للطرابلسيين،وأدناها والذي اؤيّده هو إعلانها إمارة"، وقد سرى اعتقاد بأن عزّام - بعد وفاة الزعيم المجاهد السويحلي- طمح الى إقناع الإيطاليين بتولّي هذه الإمارة،خاصة أنه رسّخ مكانته وتزوّج من أهل البلاد. وهو ما يفسّر توجّهه المستقبلي في التفاهم مع إيطاليا ما بعد الحرب، وأثناء المناورات الدوليّة حول مستقبل مستعمراتها . استعدّت القوّات الإستعمارية باستئناف عمليّاتها العسكريّة بالسيطرة على مناطق حيويّة في الجبل الى حدود تونس،وبالمقابل هاجمت قوّات المجاهدين بقيادة صفي الدين السنوسي قافلة تموين إيطاليّة بالقرب من (الخولان) مع الإغارة على أخرى تابعة للرضا ومؤيّد للإيطاليين. في صيف 1922 أقلق تدهور الأوضاع إيطاليا فجاء وزير المستعمرات (أميندولا) وقابل السيّد إدريس في بلدة (غوط الساس) في محاولة لثنيه عن قبول بيعة أهل طرابلس وتوحيد البلاد، طالبا منه التفرّغ لشئون برقة ونفض يده من شئون طرابلس. ولم يعطه السيّد إدريس جوابا شافيا،فغادر الوزير مغضبا. وفي أكتوبر 1922 انفجر الوضع في إيطاليا نفسها باستيلاء الفاشيست على الحكم. وهنا واستشعارا للخطر المحدق بالبلاد وحماية لنفسه من البطش الذي أخذ يلوح في الأفق، إذ إبلغ الوفد الطرابلسي في نوفمبر التالي بقبول البيعة،فوضع السيّد إدريس بهذه الخطوة،الحجر الأساس لبناء الدولة الليبيّة الجديدة. وهرب وبرفقته عبد الرحمن عزّام عبر الصحراء الى مصر. وبقدوم الفاشيست تغيّرت السياسة الإيطاليّة تجاه المستعمرة الليبيّة،خاصة وأن شيخ المجاهدين عمر المختار تولّى قيادة الكفاح المسلّح،وحقّق فيه الإنتصارات المتلاحقة، فصمّم الفاشيست على اتباع سياسةالإبادة والسحق للمقاومة،ففي الفترة من1931-1923 أستطاع الفاشيست من توسيع رقعة الإحتلال حتى شمل كافّة طرابلس وفزّان بعمليّات استمرت حتى 1930. وفي برقة أجتاحوا أغلب أراضي الإقليم. ومارس المارشال بادوليو الذي توحدّت الولايتين في عهده لتصبح ليبيا في يناير 1929 إستخدام العنف، مع المطالبة باستسلام المقاومة،فاستدعى السيّد الرضا الذي كان في روما منذ عام 1928 محاولا وساطته مع قائد المقاومة عمر المختار، الذي لم رضي بالمفاوضات مع بادوليو والتي جرت في 19 يونيو 1929 في منطقة (بو مريم) بالجبل الأخضر، ثم مع نائب الوالي سيشسلياني نفي (بير جندولا). وعلى ما رواه العقيد جوزيبي دايوديتشي الذي كان حاضرا في هذا الإجتماع لكاتب هذه الورقة (قابلته بمنزله في روما عام 1968) تمسّك شيخ المجاهدين بتطبيق اتفاقيّة الرجمة التي ألغاها الفاشيست في مايو 1923، وإشراك بريطاني وفرنساوألمانيا في هدنة جديدة. ثم أرسل الى الوالي رسالة أخرى بالمطالب الوطنيّة المشروعة. ولمّا رفض الفاشيست الردّ عليها استأنف القتال في 8 نوفمبر 1929. وجاء الردّ على لسان وزير المستعمرات (دي بونو): "إن المتمرّدين أرادوا الحديث عن السلام والضمانات، ولكن الإيطاليين الفاشيست لن يحموا المتمرّدين ولا ممتلكاتهم.. إنهم يقبلون الخضوع فقط ،وإلاّ فالرشاشات، وإذا دعت الضرورة فالمشانق" وهو ما طبّقه السفّاح جرازياني الذي عّيّن نائبا للوالي في مارس 1930 ليعلن أمام جنوده: "لن يكون هناك سلام لأي متمرّد ولا لعائلته ولممتلكاته أو مواشيه .. دمّروا كلّ شيء الناس والأشياء .."! وفي حربه الوحشيّة استخدم جرازياني أيضا القصف الجوي بالغازات السامة والمشعة من نوع (إيبيرتي) - نسبة الى المدينة الفرنسيّة المصنّع بها yepres وهو القصف الذي شمل العديد من القرى والواحات من القبله الى زنزور والنوفليّه ثم الكفره وتازربو. ولم يُكشف عن ذلك غلاّ في وثائق إيطاليّة نُشرت عام 1979 ! وهكذا استطاعت إيطاليا الفاشيّة أن تنتصر عبر عشرين سنة من كفاح مرير غير متكافيْ بكلّ المقاييس ،إذ تمكّنت من أسر شيخ الشهداء الذي سقط جريحا من جواد في موقعة (عين لافو) بالقرب من شحّات يوم 11 سبتمبر 1931،وجاء العقيد دايوديتشي المذكور ليتعرّف عليه. .ثمّ نُقل الى بنغازي بالباخرة وخفّ اليها جرازياني - وكان في روما- لمقابلته وإدراء المقابلة الشهيرة معه. وأجريت المحكمة له في مقر البرلمان المنحلّ يوم 15 سبتمبروفي فجر يوم 16 سبتمبرشنق شيخ الشهداء على مرأى من أبناء شعبه الذين أُجبروا على مشاهدة جريمة العصر النكراء. وفي مصر وسوريا وتونس واصل المناضلون الليبيّون وما تبقّى من الرؤساء التشاور مع السيد أدريس ونشطوا في اتصالاتهم ونشر فظائع إيطاليا والمشاركة في المهرجانات التي قامت هناك. وبعد اندلاع الحرب العالميّة الثانية عام 1939، التقى هؤلاء الرؤساء في الإسكنريّة وجدّدوا بيعة سرت 1921 للسيّد إدريس وأبلغوا بها رئيس وزراء مصر والسفير البريطاني مؤكّدين أن السيّد يمثّلهم فيما يتعلّق بشئون البلاد. وبذلك كثّف السيد من اتصالاته مع القيادات العسكريّة البريطانيّة، وفي المحاضر الرسميّة التي بين يدينا ركّز في محادثاته على ضرورة نيل الإستقلال العاجل لليبيا ووحدتها بمجرّد انتهاء الحرب التي تكهّن بانتصار الحلفاء فيها. وهو ما أسفر على تكوين الفيلق السنوسي من الليبيين بتاريخ 9 أغسطس 1940ورغم بروز خلافات بين زعماء طرابلس صدى لنزاعاتهم القديمة،وتكوينهم للجنة منفصلة، غير أن مساعداتهم لجيش التحرير البريطاني اتخذت عدّة وجوه. وكانت لمشاركة الفيلق السنوسي في العمليّات ذات تأثير في سيرها. وبما أن برقة خضعت لاحتلال الحلفاء لفترة قصير – مرّتين عام 1941 وعام1942- الى أن احتُلّت نهائيّا في نوفمبر 1942 – فقدترتّب على ذلك قيم الإيطاليين بعمليّات انتقام من أولئك الذين أيّدوا الحلفاء، وهو ما جعل الكثيرين يغادرون مع الجيش البريطاني في انسحاباته. ويقول الجنرال (كامينج) أول حاكم عسكري بريطاني لليبيا في تقرير له عام 1946 أن هذا الوضع دفع بأنتوني أيدن وزير الخارجيّة البريطانيّة بإصدار التعهّد الشهير بعدم السماح بوقوع "السنوسيين" في برقة تحت الحكم الإيطالي مرّة أخرى. ولذلك سارعت الجالية الإيطاليّة المقيمة في برقة بالجلاء عنها،وأعطى ذلك الإنطباع للبرقاويين بأنهم أصبحوا مستقلّين وتمسّك السيد إدريس بلقب الإمارة، وهو ما رفضته بريطانيا تمسّكا بالمواثيق الدوليّة التي لا تبيح تغيير وضع المستعمرات إلاّ بعد توقيع اتفاقيّة سلام. وبعد المؤتمرات الدوليّة التي بدأت في أوربّا وأمريكا لتقريرمصير المستعمرات الإيطاليّة،كان الزعماء الليبيون قد استعدّوا للدفاع عن مطالبهم أمام المناورات الدوليّة التي كشفت عن أطماع بعض الدول في تحقيق مصالحها . الى أن بلغ الأمر بتواطؤ بريطانيا مع فرنسا وإيطاليا وبتأييد أمريكي باقتراح مشروع بيفن سفورزا ومؤدأه تقسيم الولايات الثلاث: طرابلس تحت الوصاية اإيطاليّة وبرقة تحت الوصاية البريطانية وفزان تحت الوصاية الفرنسيّة،غير أن الإنتفاضات الشعبيّة العارمة في جميع أنحاء البلاد أسقطته، ولذلك أرسلت الأمم المتحدة لجنة تحقيق دوليّة من الدول الأربع المنتصرة الى الأقاليم الثلاة حيث استمعت الى زعماء الأحزاب فيها والممثّلين لجموع الشعب. وكانت كما يلي: في طرابلس: الحزب الوطني الذي تأسّس سرّا عام 1944 واعترفت به الإدارة العسكريّة البريطانيّة عام 1946، ومطالبه المحافظة على وحدة ليبيا والإستقلال، ولا يمانع في وصاية الجامعة العربيّة أو مصر إن تعذّر إقراره. وانشقّ الحزب حول هذه النقطة - حزب الجبهة الوطنيّة المتحدة الذي تأسّس عام 1946 ومطالبه رفض الوصاية والإستقلال في دولة برمانيّة دستوريّة والوحدة تحت قيادة إدريس على ألاّ تكون وراثيّة. - حزب الكتلة الوطنيّة الحرّة وتأسّس عام 1946 ويدعو الى الوحدة والإستقلال، ولكن ليس تحت العرش السنوسي - حزب الإستقلال تأسّس بانشقاق سالم المنتصر عن الجبهة الوطنيّة المتحدة وكان مواليا لإيطاليا التي مولّت تأسيسه تمهيدا لتنفيذ مؤامرة بيفن سفورزا التي أطيح بها. - المؤتمر الوطني الطرابلسي وقد تأسّس عام 1949 بعد مجيء الزعيم المهاجر بشير السعداوي الذي تزعّم في المهجر هيئة تحرير ليبيا والتي نشطت من أجل القضيّة في المحافل العربيّة والعالميّة .والمؤتمر ضم إتحاد بين الجبهة الوطنيّة المتحدة والحزب الوطني. وأصبح هو الحزب الرئيسي الذي قاد معارك الإستقلال والوحدة وتكوين دولة ليبيا الدستوريّة الجديدة، الى أن تكلّلت جهوده بالنجاح. ثمّة أحزاب أخرى صغيرة لم يكن لها شأن كبير. في برقة : جمعيّة عمر المختار تأسّست من المهاجرين في مصر عام 1942 ومطالبها كان إستقلال ليبيا ووحدتها تحت التاج السنوسي، وإن حدث خلاف بين مركزها الرئيس في بنغازي الذي طالب بالوحدة مع براجماتيّة تجاه المراحل بينما تشدّد فرع درنة في الوحدة الناجزة. وعندما حلّ الأمير الأحزاب عام 1947 غيّرت الجمفيّة إسمها الى الجمعيّة الوطنيّة مع إعلان إمارة برقة عام 1949 وهنا تبنّت شعر الوحدة ورفض إستقلال برقة الذي كان سيمهّد الى التجزئة. الى أن صدر قرار بحلّها في يوليو 1951. ولكن في ذلك الوقت كان استقلال ليبيا الإتحاديّة على الأبواب فواصلت الكفاح الإعلامي والتنظيم السرّي لبلوغه. الجبهة الوطنيّة البرقاويّة: دعا الى تأسيسها زعماء القبائل منذ 1946 ومطالبها إستقلال برقة فورا تحت إمارة السيد إدريس. وعشيّة مجيء اللجنة الرباعية في 30 نوفمبر 1946 توسّعت في ضويّتها لتشمل شخصيّات مدنيّة وحزبيّة أخرى. - رابطة الشباب الليبي وتأسّست منذ عام 1945 وكانت تميل الى الجبهة الوطنيّة وإن تبنّت في بعض المراحل شعارات جمعيّة عمر المختار. - المؤتمر الوطنبي البرقاوي الذي تأسّس عام 1948 وقد ضمّ ممثلين للطائفة اليهوديّة والجالية اليونانيّة واستوعب أهم الشعارات السياسيّة في برقة: أي استقلال ليبيا ووحدتها تحت تاج إدريس السنوسي في عرش وراثي. في فزّان: حضرت السلطات الفرنسيّة أي نشاط حزبي فتكو!نت حركة سريّة نظّمها عبد الرحمن البركولي ومحمّد عثمان الصيد عام 1946 وكانت ميّالة الى تبنّي شعارات المؤتمر الوطني في طرابلس. وهذه لأحزاب باشرت نشاطا دينقراطيّا سلميّا عجّل بحصول البلاد على استقلالها الذي أفرّته الأمم المتحدة في قرارها بتاريخ 21 نوفمبر 1949. مفتاح السيّد الشريف |
||
|
|