16/04/2008

 

كتاب الراحل نجيب سرور: تحت عباءة أبي العلاء (8)
حققه وكتب مقدمته: د. حازم خيري
 
الجزء الأول: الفكر والشعر فى منظور أبي العلاء (مجموعة مقالات)
 
المقالة السابعة: بين هوامش الغفران

راجع بقية الحلقات
(1) سؤال عن ابن القارح:
 
لا يوجد عمل فى أدبنا العربي على اطلاق تحار فيه العقول كما تحار في "رسالة الغفران" لأبي العلاءالمعري. وأكثر من هذا ابتعاثا للحيرة الدوافع التى دفعت رجلا كأبي العلاء إلى أن يكتب مثل هذه الرسالة الالغازية الى رجل كابن القارح. فمن هو ابن القارح؟
 
ان أبا العلاء نفسه يحدثنا بأنه يعرف ابن القارح معرفة سطحية حين يقول: ".. وأول ما سمعت بأخبار الشيخ من رجل واسطي يتعرض لعلم العروض، ذكر أنه شاهده بنصيبين وفيها رجل يُعرف بأبي الحسين البصري، معلما لبعض العلوية، وكان غلام يختلف اليه يُعرف بابن الدان، وقد اجتاز الشيخ ببلدنا والواسطي يومئذ فيه. وقد شاهدت عند أبي أحمد عبد السلام ـ رحمه الله ـ كتبا عليها سماع لرجل من أهل حلب، وما أشك أنه الشيخ، وهو لا يفتقر الى تعريف بالقريض، كما قال الطائي:
 
تحميـه لألاؤه أو لوزعيتـــه
من أن يُذال بمن؟ أو ممن الرجل"
 
إن أبا العلاء نفسه يشك فيما هو يؤكد أنه لا يعرف ابن القارح معرفة يقينية قاطعة. ثم ان ابن القارح لم يكن بالشخصية الشهيرة المتفقهة فى علوم الدين واللغة والكلام، وما كان لرجل كأبي العلاء أن يكتب مثل هذه الرسالة التى تعتبر أهم ما كتب الى شخصية عابرة لا تتمتع بالصيت القوي فى عصره. فقد كان المعقول أن يكتب مثل هذه الرسالة الى شخصية كشخصية أبي نصر ابن أبي عمران ـ داعي الدعاة ـ لا الى ابن القارح المزعوم. ثم ان ابن القارح يُعرفنا ببدء التعارف بينه وبين أبي العلاء بطريقة أكثر سطحية وأكثر ابتعاثا للقلق والحيرة، وذلك حين يقول في رسالته إن أبا العلاء ذكر اسمه فى مناسبة عابرة حين قال فى ما نقله ابن القارح: "بلغني عن مولاي الشيخ ـ أدام الله تأييده ـ أنه قال وقد ذُكرت له: أعرفه خبرا، هو الذي هجا أبا القاسم على بن الحسين المغربي".
 
هذه المعرفة الجادة من جانب أبي العلاء تثير القلق أكثر. ثم ان رجلا كأبي العلاء كانت العيون تترصده وتطارده فيما يكتب أو يقول. ورجلا بهذا الحذر، ورجلا سبق أن سُرق له رحل به رسائل أخرى من ابن القارح الى أبي العلاء، رجلا كهذا وبمرارات أبي العلاء لا يمكن أن ينزلق إلى التراسل المفتوح بينه وبين ابن القارح الذي نحار بين كونه يعرفه معرفة يقينية وكونه يعرفه معرفة سطحية، وبين واقعة أنه كتب رسالة الغفران له بالذات وان أخذت الشكل الشفري الالغازي الغامض التى هي عليه. هو الذي لم ينزلق الى مثل هذا الحوار المفتوح مع داعي الدعاة ولم يستجب لاستفزازاته المتكررة.
 
هل ابن القارح شخصية وهمية ألبسها أبو العلاء أفكاره وجسد فيها رؤاه؟ نبادر فنقول لا. انها شخصية حقيقية ولكن الاسم مستعار تختفي وراءه شخصية هامة فى ذلك العصر. انهما يتحاوران أو يحاورها أبو العلاء دون أن يتورط فى كشف النقاب عن وجهها الحقيقي وذلك لظروف سياسية واعتبارات دينية معينة. تُرى من عساها تكون تلك الشخصية؟ نحن نظن، وهذا أغلب الظن، انها شخصية داعي الدعاة نفسه الذي اتفق مع أبي العلاء بعد المراسلة على المساكتة أو الصمت كما يسجل ذلك ياقوت. فمن الملفت للنظر هذه الجدية فى الكتابة الى ابن القارح، ومن الملفت للنظر هذه الطمأنينة والثقة فى الكتابة إليه. ومن الملفت للنظر أن رجلا كأبي العلاء بطبيعته كان شديد الحذر من الناس ومن العصر. ومن الملفت للنظر أخيرا ذكاء ابن القارح فى الرسالة التى وصلت الى أبي العلاء بين رسائل أخرى سرقت ثم رغم ذلك يكتب أبو العلاء رسالته بطريقته الشفرية هذه ممتحنا ذكاء ابن القارح وذكاء من قد تقع بين يديه رسالة الغفران. من هنا شدة صعوبة رسالة الغفران على من يحاول حل ألغازها وفك رموزها وتحليل محتواها.
 
(2) سؤال آخر عن حكاية الطفل:
 
ورد فى رسالة الغفران ذكر لطفل بما نصه أن التأله، أي التوحيد، غريزة فى الطفل. وورد ذكره فى مطلع رسالة الغفران بطريقة غير مباشرة، كما سبق أن ورد فى لزوميات أبي العلاء وفي سقط الزند. ومن العبث أن نمر بهذه الظاهرة مرورا عابرا، فهو الطفل الذي يريد أبو العلاء أن يربيه منذ المهد كما فعل أفلاطون والفارابي من قبل لكى يحكم العالم. فهل كان أبو العلاء هو الآخر طوباويا؟. إن أفلاطون لم يكتف بأن كتب جمهوريته بل راح يبحث عنها بالعمل السياسي الدائم فى العالم المحيط به، وكذلك الفارابي. نعم لقد مارسوا السياسة قبل وبعد التورط فى الطوباوية. فهل تورط فيها أبو العلاء الذى قال: "انما هذه المذاهب أسباب لجلب الدنيا إلى الرؤساء"..نعم. حتى أبو العلاء كان طوباويا، وراح يبحث فى عصره عن الشخصية التى تتجسد فيها أحلامه وأفكاره ورؤاه فلم يجد فيمن حوله أحد ولم يجد بين المذاهب على الاطلاق مذهبا واحدا يستريح إليه ويهدأ عنده فراح يبحث عن امكانية تربية المستبد العادل أو المهدى المنتظر وذلك منذ نعومة أظفار الطفل. ولذلك جاءت رسالة الغفران خط عمل أو برنامج سياسي لا علاقة له فى الواقع بجنة أو بنار الا علاقة الحقيقة بالمجاز.
 
يتبــع >>>
 
 

جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع >>>> ليبيا المستقبل منبر حر لكل من يطمح ويسعى لغد أفضل لليبيا الحبيبة

 

libyaalmostakbal@yahoo.com