13/04/2008

 

كتاب الراحل نجيب سرور: تحت عباءة أبي العلاء (6)
حققه وكتب مقدمته: د. حازم خيري
 
الجزء الأول: الفكر والشعر فى منظور أبي العلاء (مجموعة مقالات)
 
المقالة الخامسة: خصومة خسرها الأدب العربي

راجع بقية الحلقات
 
كنت أتمنى لو اصطدم العقاد بطه حسين أو طه حسين بالعقاد، إذن لأعطت المعركة بينهما الكثير من الثمار التى كان يمكن أن يفيد منها الأدب العربي الكثير. فلا شك أن الصدام بين عميدي الأدب العربي وبين رأسين كرأسي العقاد وطه حسين، كان سيُحدث ضجة لا يستطيع أحد أن يتنبأ بنتائجها. وثمة خصومة قديمة لم تُؤت ثمارها فى تاريخ الأدب العربي ألا وهي الخصومة بين أبي العلاء المعريوداعي الدعاة، انسحب منها أبو العلاء العري لأسباب سياسية واتفق الطرفان على الصمت بعد جدل قصير، أو لعل ياقوت الراوي شاء أن يختصر الخصومة وأن يزعم أنهما اتفقا على الصمت. كم كانت هى الأخرى معركة مفيدة ومثمرة وخطيرة للنتائج.
 
رسالة الغفران
 
على أن الصدام بين العقاد وطه حسين كاد يحدث حين كتب العقاد عن الخيال في رسالة الغفران فقال: "..أما أن يُنظر إليها كأنها نفحة من نفحات الوحي الشعري على مثال ما نعرف من القصائد الكبرى التى يفتن فى تمثيلها الشعراء والقصص التى يخترعونها اختراعا، ويُنظر إليها كأنها عمل من أعمال توليد الصور وإلباس المعاني المجردة لباس المدركات المحسوسة، فليس ذلك حقا وليس فى قولنا هذا غبن للمعري أو بخس لرسالة الغفران، كلا ولا هو مما يُغضب المعري أن يُقال هذا القول في رسالته".
 
هذا فى نفس الوقت الذي يؤكد فيه العقاد: "ان رسالة الغفران نمط وحدها في آدابنا العربية وأسلوب شائق ونسق طريف فى النقد والرواية وفكرة لبقة لا نعلم أن أحدا سبق المعري إليها، اللهم إلا إذا استثنينا محاورات لوسيان فى الأولمب والهاوية، وفذلكة جامعة لاشتات من نكات النحو واللغة. ذلك تقدير حق موجز لرسالة الغفران".
 
طه حسين يخالف العقاد
 
واستفزت هذه الكلمة الدكتور طه حسين البارد الأعصاب، فكتب يقول: ".. ولكن الذى أخالف العقاد فيه مخالفة شديدة هو زعمه فى فصل آخر أن أبا العلاء لم يكن صاحب خيال حقا فى رسالة الغفران. هذا نُكر من القول لا أدري كيف تورط فيه كاتب كالعقاد. نعم ان العقاد كاتب ماهر يُحسن الاحتياط لنفسه، فهو بعد أن أنكر الخيال على أبي العلاء عاد فأثبت له منه حظا قليلا. ولكنه يستطيع أن يخدع بهذا الاحتياط قارئا غيري، أما أنا فلن أنخدع له، فهو ينكر على أبي العلاء أن يكون شاعرا عظيم الحظ من الخيال في رسالة الغفران، (سنة سودة) كما يقول العامة. وهل يعلم العقاد أن دانتي إنما صار شاعرا نابغة خالدا على العصور والأجيال واثقا من اعجاب الناس جميعا بشيء يشبه من كل وجه رسالة الغفران هذه. استغفر الله ان من الأوروبيين الآن من يزعم أن شاعر فلورنسا قد تأثر بشاعر المعرة قليلا أو كثيرا".
 
العقلانية.. والفنية!
 
والسؤال هو: ما مدى التوفيق الذي أصابه كل من العقاد وطه حسين في فهم رسالة الغفران؟ هنا نموذج لامكانية الصدام بين الطبيعة العقلانية للعقاد والطبيعة الفنية لطه حسين. ومهما يكن الأمر فان طه حسين فنان مفكر أكثر منه مفكرا فنانا، بينما العقاد مفكر فنان أكثر منه فنانا مفكرا. وأقرب الأشياء إلى الطبائع أن يفهم العقاد ما يعجز عنه طه حسين، مهما كانت الصلة النفسية والروحية بين طه حسين وأبي العلاء المعري. بل انى كثيرا ما أشك فى فهم طه حسين لأبي العلاء، وبالذات لرسالة الغفران، مع أن رسالة الغفران ـ وفي احدى فقراتها على التخصيص ـ تشكل المنبع أو الأصل الذي استقى منه طه حسين فكرته فى كتابه الشهير "فى الشعر الجاهلى". ومن السذاجة أن يُؤخذ عمى طه حسين واشتراكه معه فى محبسه أو محبسيه دليلا على قدرة طه حسين فى فهم أبي العلاء، فقد يشترك اثنان في عاهة دون أن يشتركا في الفكر.
 
إن قراءة واحدة لكتاب "صوت أبي العلاء" لطه حسين تدلل على أنه أبعد كثيرا من أبي العلاء فى الفكر وفي الطبيعة وفي الآفاق. لم يكن إذن طه حسين بأقدر على فهم أبي العلاء من العقاد العقلاني. ولا يمكن تخيل أن العقاد أخطأ فهم رسالة الغفران حيث نجح طه حسين. وفهم رسالة الغفران بالذات يحتاج إلى الطبيعة العقلانية لدى العقاد أكثر منه إلى الطبيعة الفنية لدى طه حسين، مهما كان القرب المزعوم لطه حسين من أبي العلاء المعري. على أن العقاد باعتراف طه حسين ـ لم ينكر تماما الخيال في رسالة الغفران، وانما أثبت لأبي العلاء ـ على حد تعبير طه حسين ـ حظا منه. إنما أنكر فقط أن تكون نفحة من نفحات الوحي الشعري، وهى فعلا ليست نفحة من نفحات الوعي الشعري التى يفتن فى تمثيلها، أي ليست مسرحية كما أنها ليست قصة أو رواية. ولكن العقاد فى تعليقه الموجز على رسالة الغفران لم يقل لنا إذن ما هي. إنها ليست قصيدة من القصائد الكبرى (التى يفتن فى تمثيلها الشعراء)، وليست قصة. نعم، ولكن يا استاذنا العقاد ما هى وما عساها أن تكون؟ هنا، كأنما اتفق العقاد مع نفسه على الصمت الذى اتفق عليه داعي الدعاة وأبوالعلاء أو المؤرخ ياقوت لأسباب فى نفس العقاد أو في نفس أبي العلاء أو في نفس ياقوت أو فى نفس يعقوب! فما عساها تكون بواعث هذا الصمت؟
 
بواعث الصمت
 
لم يكن العقاد عاجزا عن الرد على طه حسين، خاصة وأن طه حسين أخطأ فهم العقاد وقوله مالم يقل. إذن لابد أن تكون بواعث الصمت لدى العقاد أقوى من بواعث القول والاضافة والشرح تماما، كبواعث الصمت لدى أبي العلاء، خاصة إذا تذكرنا أن أبا العلاء لم يكن يناقش داعي الدعاة بقدر ما كان ينسحب من المناقشة خطوة بعد خطوة فى كل مرة تجددت الرسائل بينهما. يريد للمناقشة أن تنتهي ويريد لنفسه النجاة من الفخ المنصوب له ـ فيما كان يُظن ـ ويريد لداعي الدعاة أن يتركه وحاله وألا يجره إلى حديث لا تُحمد مغبته خاصة وأن الظاهر أن داعي الدعاة قد أحسن فهم أبي العلاء. والدليل على ذلك أنه يخاطبه بقوله فى رسالته: "فاذن هو ـ حرسه الله ـ بمقتضى هذا الحكم مرتو من عذب مشرب هذا العلم وانما ليس يبوح به لضرب من ضروب السياسة، والدليل على كونه ناظرا لمعاده سلوكه سبيل العيش بالتزهد وعدوله عن الملاذ من المأكول والمشروب والملبوس وتعففه عن أن يجعل جوفه للحيوان مدفنا، أو أن يذوق من درها لبنها، أو يستطعم من طعام استُكدت عليه فى حرثه وانشائه".
 
هذا الضرب من ضروب السياسة الذي أشار إليه داعي الدعاة يدلل ـ كما قلت ـ على أنه أحسن فهم لغز أبي العلاء في "رسالة الغفران" أيضا وإن كان الحديث يجرى عن لزوم ما يلزم. وهو باعث الصمت الذى اتفقا عليه في النهاية، وهو نفسه باعث الصمت لدى أبي العلاء، وهو أخيرا السبب فى حرمان الأدب العربي من خصومة ثرية كان يمكن أن تنشأ بين العميدين العقاد وطه حسين. لقد استطاع طه حسين أن يتكلم باستفاضة فنية، حيث عجز العقاد عن الكلام فى دروب السياسة التى تفتحها أمام القاريء ـ وخصوصا قاريء كالعقاد ـ رسالة الغفران. إذن فقد هرب العقاد من المناقشة كما هرب أبو العلاء مضطرا، لا عن عجز، والدليل على هذا رد أبي العلاء حين يقول مخاطبا داعي الدعاة: "قال العبد الضعيف العاجز أحمد ابن عبد الله بن سليمان: أول ما أبدأ به، أني أعد سيدنا الرئيس الأجل المؤيد فى الدين ـ أطال الله بقاءه ـ ممن ورث حكمة الأنبياء، وأعد نفسي الخاطئة من الأغبياء.
 
وهو بكتابه إلى متواضع، ومن أنا حتى يكتب مثله إلى مثلي؟! مثله فى ذلك مثل الثريا كتبت إلى الثرى. وقد علم الله أن سمعي ثقيل، وبصري عن الأبصار نقيل. قُضى على وأنا ابن أربع، لا أفرق بين البازل (الجمل إذا استكمل الثامنة) والرُبع (الفصيل الذي ينتج في الربيع)، ثم توالت محني، فأشبه شخصي العود المنحني، ومنيت في آخر عمري بالإقعاد، وعداني عن النهضة عاد.
 
وأما ما ذكره سيدنا الرئيس الأجل المؤيد في الدين، فالعبدُ الضعيفُ والعاجز يذكر له مما عاناه طرفا، فأقول:
إن الله جلت عظمتُهُ حكم على بالإزهاد، فطفقت من العُدم في جهاد، وأما قول العبد الضعيف العاجز: غدوت مريض العقل والدين فالقني..، فانما خاطب به من هو فى غمرة الجهل، لا من هو للرياسة علم وأصل".
 
عمل سياسي
 
رسالة الغفران إذن عمل سياسي قبل أن تكون شيئا شيئا آخر والكلام فيها ضرب من ضروب السياسة وخوض فى صميمها فى كل عصر. ولقد قلت مرارا إنها برنامج سياسي أو خطة عمل، أو بالتعبير الحديث "مانفستو"، ومن هنا خطورتها وخطورة الحديث فيها. ومن هنا أيضا اتفاق كل من داعي الدعاة وأبي العلاء وياقوت على الصمت، ومن هنا أخيرا صمت العقاد عمدا عن الرد على طه حسين وهنا آخرا الفرق بين الطبيعة العقلانية والطبيعة الفنية حين تغلب الأولى الأخيرة أو العكس. وهنا يتجلى ظلم النُقاد للعقاد، وما أكثر المظالم التى تعرض لها العقاد حيا وميتا، ولكن هذا موضوع حديث آخر.
 
يتبــع >>>
 
 

جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع >>>> ليبيا المستقبل منبر حر لكل من يطمح ويسعى لغد أفضل لليبيا الحبيبة

 

libyaalmostakbal@yahoo.com