12/04/2008

 

كتاب الراحل نجيب سرور: تحت عباءة أبي العلاء (5)
حققه وكتب مقدمته: د. حازم خيري
 
الجزء الأول: الفكر والشعر فى منظور أبي العلاء (مجموعة مقالات)
المقالة الرابعة: الفكر والشعر في منظور أبي العلاء المعري

راجع بقية الحلقات

"واسروا على الخيل العتاق واصمتوا
نواطقــــــها  ألا تحمحم هائب
وشد لسان الطرف  خوف صهيلــه
فقد ألجموا أفواهها بالسبــــائب!"

 

أبو العلاء

 
لأبي العلاء كلام في "الخيول" أكثر مما قاله المتنبي وأبو تمام وغيرهما إلى الملك الضليل امرئ القيس! وخاصة في مقدمتي ديوانيه (سقط الزند) و (لزوم ما لايلزم)، وهو يرتب مراتب الخيول على بحور وأوزان وقوافي الشعر العربي! فلم يكن الرجل، وفي (لزوم مالا يلزم) بالذات، معنيا بترتيب أوزان وقوافي الشعر العربي بقدر ما كان معنيا بتصنيف وتصفيف "الخيول العربية" أي الفرسان العرب من أنصاره ومريديه وأعضاء حزبه الباطني السري الذي تفرغ له في منفاه الاختياري "المعرة"، بعد أن رفض جميع الأحزاب والمذاهب والاتجاهات والحركات السرية والعلنية، ولذلك راح يقول بالرمز وبالمصطلحات الشرطية: "أما بعد، فإن الشعراء كأفراس تتابعن في مدى (غاية)، ما قصر منها سُبق، وما وقف ليم ولُحق".
 
ويقول صاحب "شرح الند على سقط الزند" انه شبه حال الشعراء في المشاعرة والمباراة في إنشاء الشعر بخيل أُرسلت في حلبة السباق، متتابعة بعضها في اثر بعض، متوجهة إلى غاية نصبت لها وقد اختلفت مناصبها، فهو المجلي وهو السابق الحائز قصب السبق.
 
واضح أن أبا العلاء وأن الشارح لسقط الزند لا يتحدثان عن الشعر وعن الخيول بما هى، وإنما يتحدثان عنها حديثا رمزيا اصطلاحيا شرطيا شفريا يقصدان به في الظاهر أشياء وفي الباطن أشياء أخرى هى ـ أي ما هو في الباطن ـ التنظيم والتشكيل والتجميد والحشد على مراتب ودرجات وفئات لحزب أو لحركة سرية باطنية بديلة للحركات الباطنية التي كانت سائدة في القرن الرابع الهجري وفيما قبله وفيما بعده حتى كتابة هذه السطور.
 
لماذا الهجوم؟
 
إذن ماذا عسانا أن نبغي عند أبي العلاء غير اللغة والنحو هو المتهم منذ أكثر من ألف عام بأنه ملك التشدق باللغة وبالنحو من قبل اللغويين والنحويين؟ هذا ما يلفت الرجل نظرنا إليه ويحذرنا منه، خاصة وأنه قد أضاف في مقدمة اللزوميات ـ فيما أذكر ـ أنه كتب اللزوميات على معجم العامة لا على معجم العلماء، مما يوحي بأن لأبي العلاء معجما خاصا شرطيا ورمزيا واصطلاحيا وهو معجم العلماء، ومما يوحي في نفس الوقت بأن الرجل لا يقصد ما يقوله في الظاهر وإنما يقصد العكس والعكس تماما. إن الرجل يقول: 
 
ولحبر اليهود في درسه التو
راة فن والهم في التدبيـل
 
فهو يدعوك بهذا إلى أن يكون لك أيضا فن في دراسة تراثك وتراث أعدائك والتراث الإنساني كله بما فيه تراث أبي العلاء نفسه، أو أن تكتشف (الفن) الذي يدرس به الآخرون أي تراث. الرجل إذن يعطيك سره حين يعطيك سر الآخرين ويعطيك المفتاح إلى عالمه الشفري السري الباطني كما أن عوالم الآخرين منذ أقدم العصور حتى ما بعد أبي العلاء بأكثر من ألف عام!!
 
لابد أن يكون القراء قد وقفوا طويلا أو قصيرا أمام هجوم ياقوت على أبي العلاء واتهامه له ـ هو المفترى عليه ـ بالتشدق باللغة، وهو أول من تبرأ من هذه التهمة بلسانه الصريح المباشر تارات وبلسانه الباطني غير المباشر تارات أخرى!
 
ولا يمكن أن نتصور أن ياقوت لم يفهم أبا العلاء ولم يع قاموسه السري!.. إذن لماذا كان الهجوم، واضح أن ذلك كان على سبيل التنكر والحيطة والتحفظ والحذر، إذ من الواضح أن السيوف التي كانت مشرعة على رقبة أبي العلاء كان يمكن أن تُشهر على رقبة كل من يتعاطف مع أبي العلاء أو يبدي بادرة من تعاطف، لذلك لا نرى هجوم ياقوت على أبي العلاء إلا في ضوء الظاهر والباطن أيضا، نزولا على قول أبي العلاء نفسه:
 
ودهاك من أمسي لذكرك شاهرا
 
حوار مع أبي العلاء
 
أنا: ما الروي يا أبا العلاء؟!
 
هو: فأما الروي فأثبتُ حروف البيت، وعليه تُبنى المنظومات. وهو يكون من أي حرُوف المعجم وقع إلا حروفا تضعفُ ولا تثبتُ. كألف الترنم، وواوه، ويائه، وهاء الوقف، وهاءات التأنيث إذا كان ما قبلها متحركا، والألفُ التي تلحق علما للتثنية في مثل ـ ضربا وذهبا، والواو التي تدل على الجمع إذا كان مضموما ما قبلها في مثال ـ ضربوا وقتلوا، وغير ذلك من الحروف، فان اتفق غير ما ذكرتُ فهو شاذ مرفوض!
 
أنا: إنني لم أفهم شيئا مما قلت، وسأدع هذا لمن قد يفهمون في العروض والقافية والروي أكثر مما أفهم
 
لا تعرف الوزن كفى بل غدت أذني
وزانة ولبعض القول مــــيزان
 
ولكنى أسألك لماذا استهللت مقدمتك للزوم ما لا يلزم بقول الشاعر:
 
ولقاك العقوق من البنينــــــا
 
ثم أتساءل لماذا ضربت أول مثل بـ "ضربا وذهبا" وثاني مثل بـ "ضربوا وقتلوا"؟!..انك تضرب مثالا "للخروج" بقول الشاعر القديم:
 
في ليلة لا نرى بها أحدا
يحكي علينا إلا كواكبُهـا
 
الخروج إذن يعني الوعد والموعد والرجعة والظهور إلى العلن بعد الكمون الباطني الطويل، وبعد الثقة المطلقة في إمكانية النصر، وبعد أن تعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم..في ظل الصمت المقدس المتربص وفي ظل السكون المتحرك والتحرك الساكن!!
 
قل لي ماذا عن "التأسيس"؟!
 
هو: والتأسيس كقول القائل:
 
ألا يا ديار الحي بالأخضر اسلمي
وليس على الأيام والدهر سالــمُ
 
أنا: قل لي بم تستشهد أقل لك من أنت!..أتراها مجرد أبيات عابرة على الخاطر بعد الضرب والقتل وخيانة الأم والدعوة عليها بالعقوق من البنين والبنات..الأم الوطن..الأم الدار..الأم المغتصبة الأسيرة..الأم المكتوفة اليدين والرجلين.
 
هو: أنت مباحثي!
 
أنا: نعم.. ولكن في التراث ودفاعا عن التراث، وخاصة أن شبابنا قد زهد في التراث، وخاصة وأن الهجوم قد اشتد هذه الأيام بالذات على التراث تمهيدا لسحب الأرض من تحت أقدامنا وجريا على عادة الاستعمار الاستيطاني! اسرق تراث أي شعب تسرق ذاكرته، تسرق تاريخه، تسرق عقله، تسرق قدرته على التفكير في الحاضر والمستقبل، تسرق ألأرض.
 
نص غريب
 
لم يكن أبو العلاء إذن معنيا ـ كما قلت ـ بالعروض والقافية واللغة والنحو، وإنما استخدم كل ذلك استخداما اصطلاحيا وشرطيا كان يفهمه عنه معاصروه ومريدوه وأنصاره خاصة! وعلى هذا الضوء تصبح مقدمة أبي العلاء للزوم ما لا يلزم أكثر خطورة وأهمية من الديوان نفسه. وبتخطي جميع الاستشهادات العلائية من الشعر والشعراء في المقدمة المذكورة، وبترك هذا عمدا إلى فطنة القارئ الذكي والمتواضع، نصل إلى قول الرجل في نهاية المقدمة: "وقد كنتُ قلتُ في كلام لي قديم: إني رفضت الشعر رفض السقب (ولد الناقة إذا ولدته وعُرف أنه ذكر) غرسه، والرأل (فرخ النعام) تريكته (البيضة)، والغرض ما استُجيز فيه الكذب واستعين على نظامه بالشبهات. فأما الكائن عظة للسامع، وإيقاظا للمتوسن، وأمرا بالتحرز من الدنيا الخادعة وأهلها الذين جبلوا على الغش والمكر، فهو إن شاء الله مما يلتمس به الثواب. وأضيف إلى ما سلف من الاعتذار أن من سلك في هذا الأسلوب ضعُف ما ينطق به من النظام، لأنه يتوخى الصادقة، ويطلب من الكلام البرة ولذلك ضعف كثير من شعر أمية ابن أبي الصلت الثقفي ومن أخذ بفريه من أهل الإسلام. ويُروى عن الأصمعي كلام معناه أن الشعر باب من أبواب الباطل، فإذا أريد به غير وجهه ضعُف، وقد وجدنا الشعراء توصلوا إلى تحسين المنطق بالكذب وهو من القبائح. وزينوا ما نظموه بالغزل وصفة النساء ونعوت الخيل والإبل وأوصاف الخمر. وتسببوا إلى الجزالة بذكر الحرب. واحتلبوا أخلاق الفكر وهم أهل مقام وخفض في معنى ما يدعون أنهم يُعانون من حث الركائب، وقطع المفاوز، ومراس الشقاء"!!
 
انتهى نص أبي العلاء. نص غريب على كل الوجوه!
 
فهو يعني أن لأبي العلاء كلاما ضاع فيما ضاع أو سُرق أو خبيء من التراث العربي، ويعني أن أبا العلاء لا يؤمن بأن أعذب الشعر أكذبه على عكس الخطأ الشائع فى عصره وفي كل العصور، ويعني أن أبا العلاء يرفض شكل ومضمون القصيدة العربية فيصبح منظرا لحركة تجديد منشودة، ويعني أن أبا العلاء يعترض على الشكلية وان لم تكن "الشكلية" معروفة على عصره كمصطلح نقدي أو جمالي، ويعني أن أبا العلاء لا يتحدث عن الشعر على اطلاق وانما عن (الشكلي) منه، ويعني أنه لا يفهم امكانية التناقض بين القول والفعل وانما تطابق القول مع السلوك والنظر مع الممارسة والقول مع العمل. أما أن يكون الشاعر فارسا بالقول خائنا وجبانا بالسلوك فهذا ما لم يفهمه أبو العلاء وما لا يمكن لأبي العلاء أن يفهمه أو يتسامح فيه أو يقبل فيه المساومه والسمسرة والتجارة تحت السيوف المشرعة وفي ظلال غابات المشانق الجاهزة، هو الذي عاش ومات مدللا بما لايدع مجالا للشك على حتمية والزامية التطابق بين القول وبين العمل، أما التاريخ فحافل بالفرسان الكذبة فرسان اذا ما خلا الجبان بأرض!! ثم يعني النص أن أبا العلاء يتمرد على بناء القصيدة العربية التقليدي منذ العصر الجاهلي حتى القرن الرابع الهجرى، ويعني النص أن أبا العلاء يقف فى صف "الواقعية" وان لم تكن أخذت اسمها هذا على عصره، ويقف إلى جانب "العقلانية" في الشعر كما في كل شيء! ثم يدين الشعراء الكذبة وما كان أكثرهم ممن يدعون الفروسية ويحتلبون اخلاف الفكر ويزعمون أنهم يعانون من "حث الركائب وقطع المفاوز ومراس الشقاء"، وهم أبعد ما يكونون عن الفروسية وعن الركائب وعن المفاوز وعن الشقاء مما عاناه وعايشه طويلا أبو العلاء الشهيد، مسيح القرن الرابع الهجري وحسين القرن الرابع الهجري..نعم انهم اولئك الشعراء محض سماسرة وخونة ودسائس وتجار!!
 
لكن أغرب ما في النص الغريب قول أبي العلاء بأن من سلك فى الشعر أسلوب "الواقعية" و"العقلانية" والصدق "ضعُف ما ينطق به من النظام لأنه يتوخى الصادقة ويطلب من الكلام البرة"، ولذلك ضعف كثير من شعر فلان وعلان.
 
معنى هذا أن الشعر يضعف إذا غلب عليه الفكر، وأن الفكر يضعف إذا غلب عليه الشعر! ومعنى هذا أن الشاعر يصبح أقل شاعرية كلما كان أكبر فكرا، ويصبح أكثر شاعرية كلما كان أقل فكرا!!
 
الشعر والفكر
 
إلى أية نتيجة يسوقنا أبو العلاء الشاعر الفيلسوف والفيلسوف الشاعر، إلى التعارض الحتمي بين الشعر والفكر؟ إلى القطيعة التامة بين الفكر والشعر؟! ومن الذي يقول هذا؟! صاحب "سقط الزند"، الديوان الذي لا يرقى إلى قمته ديوان شعري آخر في تاريخ الشعر العربي من حيث الشعر والشاعرية والفكر، لا أستثني من ذلك ديوان المتنبي ولا ديوان أبي تمام ولا ديوان أبي نواس؟! ثم لماذا يا ترى رفض أبو العلاء الشعر ـ في كلام له قديم ـ "رفض السقب غرسه والرأل تريكته"، على حد تعبيره.
 
المصطلح السري
 
إذن ما الحكاية بالضبط؟!
 
لم يكن الرجل معنيا بالشعر والشاعرية أساسا فى لزوم ما لا يلزم ـ المقدمة والديوان ـ بقدر ما كان معنيا بالتفكير النظري وبالتخطيط والتدبير والتجنيد والحشد الوئيد الحذر الذي يصطنع الشفرة ويصطنع الرموز ويخلق المصطلح السري للحركة الجديدة!..ولم يكن ممكنا في عصر كعصر أبي العلاء أن يتم أي تحرك حقيقي على المستوى العلني، فلم يكن هناك مفر من التحرك على المستوى السري الباطني الساكن، خاصة حين اختلطت "الاتجاهات" وتضاربت "المذاهب" وتخبطت "الطوائف":
 
سكونا خلت أقدم من حراك
فكيف بقولنا حدث السكون؟
 
هنا نعود الى استشهاد أبي العلاء ببيت الشعر القديم السابق ذكره فى مستهل هذا الحديث:
 
في ليلة لا نرى بها أحدا
يحكي علينا الا كواكبُها
 
لهذا كان شاعرا ومفكرا من الطراز الأول في "سقط الزند"، وكان أقل شاعرية وأكثر فكرا في "لزوم ما لا يلزم"، ولكنه كان واعيا بموقفه فى الحالين.
 
أخيرا لا أدرى لماذا يمر بذاكرتي الآن قول الشاعر الشيلي "نيكانور بارا":
 
"لعله يجدر بي أن أعود إلى ذلك الوادي،
إلى تلك الصخرة التى كانت فى يوم من الأيام داري،
وأبدأ فأنقش من جديد،
من النهاية حتى البداية،
العالم.. مقلوبا ومعكوسا"
 
ربما لأني تعبت! وربما لأننا نقول ما نعيد ونعيد ما نقول! وربما لأننا نعيش عصرا "مشرقا" إلى أبعد حدود "الاشراق"! لا كعصر أبي العلاء، ذلك العصر الضرير! وربما لأن أبا العلاء قال قديما:
 
ظلوا كدائرة تحول بعضـها
من بعضها فجميعها معكوس
 
ثم يرد على خاطري وأنا أكتب، كالعادة، على سجيتى قول الشاعرة الأمريكية "ماري.أ.ايفانز":
 
"عندما أموت،
أنا متأكدة،
أنه سوف تسير خلفي جنازة كبيرة،
سيأتي المتطفلون،
ليروا ما إذا كنت حقيقة ميتة،
أم أننى أحاول أن أثير المتاعب!"
 
يتبــع >>>
 
 

جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع >>>> ليبيا المستقبل منبر حر لكل من يطمح ويسعى لغد أفضل لليبيا الحبيبة

 

libyaalmostakbal@yahoo.com