الجزء الأول: الفكر
والشعر فى منظور أبي العلاء (مجموعة مقالات)
المقالة الثالثة: منهج الديالكتيك
العلائي بين المذاهب المثالية والمادية
"الفكر حبل متى يمسك على طرف
منه ينط بالثريا ذلك الطـــرف"
أبو العلاء
رأينا فيما سبق
أن أبا العلاء هو صاحب منهج الشك لا ديكارت ولا طه حسين
ولا أحد قبله أو بعده. ورأينا كيف أنه لم يقصد إلى التشكيك
في الشعر الجاهلي وحده ولا في التراث العربي عامة وانما
قصد الى التشكيك فى التراث الانساني على الاطلاق..وفي كل
شيء وبغير استثناء! ولا يمكن فهم منهجه فى الشك بدون فهم
طبيعة تكوينه وطبيعة تركيبه النفسي وتركيبته الفكريه..
أعني "فلسفته".. لأن منهج الشك لديه ـ كما سنرى ـ نابع من
"موقفه الفلسفي".. من رؤيته للفكر وللوجودين الطبيعي
والاجتماعي! وذلك بطريقة طبيعية وتلقائية ومنطقية إلى أبعد
الحدود!
فما موقف أبي
العلاء الفلسفي؟! ما هو مذهبه؟
يقول الرجل فى
لزومياته:
إذا سألوا عن مذهبي
فهو بين
وهل أنا إلا مثل غيري أبله؟
فهل صحيح أن
الرجل أبله؟ أبو العلاء؟
انه هو نفسه
الذي يقول:
عش بخيلا كأهل عصرك
هذا
وتباله فان دهرك أبلــــه
أى أن الرجل ليس
أبلها وانما يتباله، وذلك على طريقته فى التمويه والمناورة
لأمر فى نفس يعقوب!
ويقول:
ولما رأيت الجهل في
الناس فاشيا
تجاهلت حتى ظُن أني جاهــل!
للرجل اذن مذهب..؟!
فما عساه يكون؟! كان فلاسفة العصور الوسطى في أوروبا
يقولون: "آمن كى تعقل".. فهل يقول أبو العلاء بالعكس تماما:
"اعقل كى تؤمن"
وكان ديكارت
يقول: "أنا أفكر اذن فأنا موجود" فهل يقول أبو العلاء: "أنا
موجود اذن فأنا أفكر"
إنه الذي يقول:
كذب الظن لا إمام
سوى العقل
مشيرا في صبحه والمســاء
ويقول:
سأتبع من يدعو إلى
الخير جاهـدا
وأرحل عنها ما إمامي سوى عقلي
وليس في تاريخ
الانسانية على الاطلاق ـ وأتحمل المسئولية عن هذا الكلام ـ
داعية للعقلانية وتقديس العقل كأبي العلاء. انه ينصحك
وبالحاح واصرار على أن تتبع عقلك دائما، وبألا تُعول على
شيء مما قد "يخالف المعقول" على حد تعبيره فى رسالة
الغفران!
اذن قد يتبادر
إلى الذهن ـ على الفور ـ أن الرجل كان من الغلاة في الكفر،
كما يتبادر إلى الذهن ـ وفي نفس الوقت ـ أنه كان من غلاة
الايمان!
فاتباعه لعقله
واتخاذه له اماما لا امام سواه يحتمل ضمنا أو صراحة أنه لا
يمكن أن يؤمن قبل أن يعقل، بل لابد أن يعقل لكى يؤمن. وهذا
بدوره يعني، ضمنا أو صراحة، أيضا، أنه لا يؤمن بعقل آخر ـ
الله ـ فوق عقله أو فوق الوجود! ولكن هذا نفسه يحتمل ضمنا
أو صراحة أيضا أنه لا يتخذ الايمان وسيلة للتعقل بل يتخذ
التعقل وسيلة للايمان!
مُحير فعلا أبو
العلاء..ولهذا اختلف فيه معاصروه ثم اللاحقون به، فذهب
أغلبهم إلى أنه مغالي في الكفر، وذهب أقلهم إلى أنه مغالي
في الايمان.. وأولئك وهؤلاء ساقوا الحجج المقنعة والدامغة
والتى لا تقبل النقض لاثبات ما ذهبوا إليه! وهذا الخلاف
الشديد حول مذهب الرجل هو الذي سجله داعي الدعاة الفاطمي
أبو نصر بن أبي عمران حين قرأ له بيته الشهير:
غدوت مريض العقل
والدين فالقني
لتُخبر أنباء الأمور الصحائـــح
فكتب إليه فيما
كتب يقول: ".. ورأيت الناس فيما يتعلق بدينه مختلفين، وفي
أمره متبلبلين. فكل يذهبُ فيه مذهبا، وحضرتُ مجلسا جليلا
أُجرى فيه ذكره، فقال الحاضرون فيه غثا وسمينا، فحفظته فى
الغيب".
على أن حيرة
داعي الدعاة ومعاصرو أبي العلاء تتجلى أكثر في قوله: "..وابتدأ
يقول ـ أى أبو العلاء ـ إني طلبتُ الرشد ممن لا رُشد عنده،
وإن البيت الذي قال مما تعلقتُ به وجعلته محجة إلى استقراء
طريقته ومذهبه، إنما أراد الإعلام باجتهاده فى التدين، وما
حيلته فى الآية المنزلة: ]من يهد الله فهو المهتد ومن
يُضلل فلن تجد لهُ وليا مُرشدا[. فجمع بين المتضادين في
كلمة واحدة. إنه إن كانت الآية حقا كان الاجتهاد باطلا"!
والحق أن داعي
الدعاة معذور في حيرته، فاذا كان أبو العلاء يعلم بالأمور
الصحائح في العقل والدين فكيف يدعى أن لا رشد له. واذا كان
لا رشد له فكيف يدعي أنه يعلم بها؟!
واذا كان له رشد
فلماذا يدعي أنه لا يعلم. واذا لم يكن له رشد فكيف يدعي
أنه يعلم؟! لهذا يستطرد داعي الدعاة فيقول: ".. إن لله ـ
سبحانه ـ أسرارا لا يقفُ عليها إلا الأولياء، فنحن على ذلك
السر ندور، وعلى باب من هو عنده نطوف. فإن قلنا إنه حرسه
الله ـ يقصد أبا العلاء ـ من أصحابه بدعوى صحته فى دينه
وعقله، ومرض الناس على موجب قوله، قال: لا رُشد عندي،
فنظمه في هذا المعنى يناقضُ نثره، ونثره يخالف نظمه، فكيف
الحيلة؟!".
اذن أدرك داعي
الدعاة التناقض الشديد في أقوال أبي العلاء الشعرية
والنثرية. وهذا التناقض هو الذي فتح باب الخلاف الشديد
حوله ـ على مصراعيه ـ أمام معاصريه واللاحقين به.
وهنا نلفت النظر
إلى أن أبا العلاء يؤكد لداعي الدعاة فى رسالته "اجتهاده
فى التدين"! مما يعني أنه مؤمن بالله ومجتهد فيه!
ولكن الرجل نفسه
هو الذي يقول فى اللزوميات:
اثنان أهل الأرض ذو
عقل بلا
دين وآخر دين لا عقل لــه
وهذا يعني أن
العقل يلغي الدين، وأن الدين يلغي العقل! واذا صح أنه كان
"مجتهدا فى التدين" ـ كما يدعي ـ فمعنى هذا أنه لم يكن
يتبع عقله ولم يكن يتخذه اماما لا امام سواه، ولم يكن من
دعاة العقلانية. وانه يتبع مبدأ فلاسفة العصور الوسطى ـ
اللاحقين به ـ آمن كى تعقل!
واذا صح أن
الرجل لم يكن "مجتهدا فى التدين" كما يدعي، فمعنى هذا أنه
كان يتبع عقله ويتخذه اماما لا امام سواه وأنه كان من دعاة
العقلانية ومن أتباع مبدأ "اعقل كى تؤمن"!
فياليت شعري ما
الصحيح! على حد تعبير أبي العلاء نفسه!
مرة ثانية أين
يقف الرجل؟!
إن الدين شيء،
والايمان شيء آخر، كما يؤكد القرآن: ]قُل لم تؤمنوا ولكن
قولوا أسلمنا ولما يدخل الإيمان في قلوبكم[. وهذه نقطة في
صالح أبي العلاء، لأنه يمكن أن يكون غير متدين ويظل مع ذلك
محتفظا بنعمة الايمان، فيكون له عذر في أن يقول:
أفيقوا أفيقوا يا
غواة فانما
ديانتكم مكر من القدمـاء
هذا يؤكد أنه
غير متدين، فضلا عن "الاجتهاد فى التدين" الذى يدعيه.. أى
كافر! ولكنه يُحتمل أيضا أنه يكفر بالأديان ولكنه يؤمن
بالله! ويُحتمل أخيرا أنه غير متدين وغير مؤمن.....
فما هو الصحيح؟!
المعروف أن
ماركس قال عن منهج هيجل الديالكتيكي: "لقد كان الهرم
مقلوبا فعدلته".. أى كان يقف على قمته فأعاد قلبه ليقف على
قاعدته. وأنه قصد بذلك الى أن منهجه الديالكتيكي هو معكوس
منهج هيجل، وهو نفس المنهج ولكنه نقيضه في وقت واحد؟
والمعروف أن منهج هيجل منهج مثالي، وهو مثالي لأنه يبدأ من
نقطة انطلاق هي أسبقية "الفكر" على "الوجود". وتترتب على
نقطة الانطلاق هذه نتائج لا حصر لها فى الفكر وفي الوجودين
الطبيعي والاجتماعي. والمهم بالنسبة الينا هنا أن أسبقية
الفكر على الوجود تعني حتمية وجود "عقل" فوق هذا الكون..هو
العقل الأكبر.. هو الله!
فاذا جاء ماركس
وقلب هذا المنهج..أو اذا كان الهرم بهذا الشكل واقفا على
قمته وقلب ماركس الهرم المقلوب..فان معنى هذا أن منهج
ماركس منهج مادي وهو مادي لأنه يبدأ من نقطة انطلاق اخرى
أو مناقضة تماما لنقطة انطلاق هيجل ألا وهي أسبقية الوجود
على الفكر. وعلى هذه النقطة بدورها تترتب نتائج أخرى
مغايرة ومناقضة لنتائج منهج هيجل في الفكر وفي الوجودين
الطبيعي والاجتماعي..والمهم بالنسبة إلينا هنا ـ أيضا ـ أن
أسبقية الوجود على الفكر تعني عدم امكان وجود "عقل" فوق
هذا الكون..عقل أكبر..هو الله!
كل المذاهب
الفلسفية منذ كانت هناك فلسفة وتفلسف وفلاسفة تنقسم إلى
هذين المعسكرين المتضادين دائما.. إلى مثالية ومادية،وذلك
وفقا لنقطة الانطلاق..أسبقية الفكر على الوجود أم أسبقية
الوجود على الفكر.
وهناك مذاهب
فرعية تقف موقفا توفيقيا بينهما، فتقول بوحدة الوجود ـ
الفكر، أو وحدة الفكر ـ الوجود. وهذه بدورها تقف في
النهاية إلى جانب أحد المعسكرين: المثالي أو المادي، مهما
ادعى بعضها حياده التام بين المعسكرين وأنكر نسبته إلى
أحدهما.
والآن.. أين يقف
أبو العلاء؟! ومن أين ينطلق؟ أمن الموقف المثالي أم المادي
أم التوفيقي؟! من أسبقية الفكر على الوجود أم أسبقية
الوجود على الفكر أم وحدة (الوجود ـ الفكر) (الفكر ـ
الوجود).
إن عقلانية
الرجل التى لا حد لها لا تقبل امكان وجود عقل فوق هذا
الوجود. وهذا ما تدلل عليه ألوف الشواهد من أقواله النثرية
والشعرية! ولكن ايمان الرجل الذي لا حد له لا يقبل امكان
وجود "وجود" بدون وجود "عقل" من فوقه! وهذا أيضا ما تُدلل
عليه ألوف الشواهد من أقواله النثرية والشعرية!
هنا نقف لحظات
أمام ثلاثة أبيات لأبي العلاء حدث بالنسبة لهما لبس كبير
بالنسبة للقدماء والمحدثين! فهما يُساقان ـ كحجة قوية ـ
على الحاد الرجل..ويُساقان كحجة قوية أيضا على شدة ايمانه:
قلتم لنا خالق
حكيـم
قلنا صدقتم كذا نقول
زعمتموه بلا مكـان
ولا زمان ألا فقولوا
هذا كلام له خبـىء
معناه ليست لنا عقول
والمعسكران
المختلفان يحتجان معا وفى وقت واحد بهذه الأبيات الثلاثة!
فهي تعني أن أبا العلاء يقول بأن لله مكانا وزمانا وينكر
على مخالفيه أن يقولوا عكس ذلك، بأنه خارج كل مكان وكل
زمان!
ولكن تصور إله له زمان ومكان لا يمكن أن يكون اعترافا
بوجود إله..بل هو يلغي وجوده ويلغي ضرورته للوجود.. أى
للمكان والزمان! من هنا كان المعسكر الذي يقول بالحاد
الرجل وكفره وزندقته على حق تماما فيما يذهب إليه. لأن ما
هو داخل الزمان والمكان لا يمكنه أن يكون هو نفسه هو خالق
الزمان والمكان.. العقل الأكبر..الله!..ثم لا يمكن تصور
أنه داخل المكان والزمان وخارجهما في نفس الوقت!
والآن دعونا
نقرأ الأبيات الثلاثة السابقة مرة ثانية على التالي:
"قلتم: لنا خالق
حكيم..
قلنا: صحيح.. كذا نقول.. ذلكم.. لنا خالق حكيم..
زعمتموه بلا مكان ولا زمان! الضمير هنا يعود على من؟!
زعموا من..؟! زعمتم خالقكم! أما خالقنا فليس له مكان أو
زمان"
أى أن الحديث
يجري هنا عن إلهين لا عن إله واحد. عن إلههم، وعن إله أبي
العلاء. أما إلههم فله مكان وله زمان، وهذا ما يعلمه أبو
العلاء. وأما إله أبي العلاء فليس له مكان ولا زمان لأنه
خالق المكان والزمان وخارجهما. إذن حدث اللبس لأن الظن
تبادر إلى أن أبا العلاء يتحدث عن إلهين..لا عن إله
واحد..إنها على ذاتها "لكم دينكم ولى دين" الواردة في
القرآن. والدين هنا ليس الدين بالمعنى الحرفي وانما بمعنى
الايمان!
ولكن من هم
الذين يخاطبهم أبو العلاء؟!
إنهم أولئك الذين لا دين لهم.. لا ايمان.. لا إله؟!
ولكن كيف يكونون
كذلك ثم يظل لهم خالق حكيم.. أى إله..أى دين.. أي ايمان؟!
انظروا إلى مدى التناقض..؟!
فهل معنى هذا ان
أبا العلاء يقول بإلهين..أو بتعدد الآلهة.. لكم إله ولى
إله آخر والسلام؟! إن معنى هذا أن الرجل كان وثنيا..لا
ملحدا ولا زنديقا ولا كافرا فحسب، وهذا أكثر بشاعة وأكثر
تناقضا وأكثر مبعثا للحيرة! أم أنهم هم الوثنيون الذين
يعبدون إلها له زمان ومكان، وإن زعموا أنه بلا زمان ومكان؟!
فمن هؤلاء
الوثنيون وما إلههم؟! هذا ما يبدو أن أبا العلاء على علم
تام به!..على علم بخبىء كلامهم ومزاعمهم..ولو صدق مزاعمهم
أو صدقناها نحن لكان معنى هذا فعلا أن "ليست لنا عقول"،
ولكن لنا عقولا بلا شك. ويعني هذا أننا لا يمكن أن نصدق
تلك المزاعم ولو اتخذت شكل الايمان بإله خارج المكان
والزمان. لأننا نعلم خبىء تلك المزاعم، نعلم انها معكوس ما
تقولون.
أما من هم؟! ومن
إلههم؟! فليست هذه مهمتنا الآن. أبو العلاء ـ كما سنرى فى
مكان آخر ـ قد كشفهم وكشف إلههم وخبيئهم بما كان يجب ألا
يدع مجالا للحيرة أمام معاصريه واللاحقين به...أما القدماء
والمحدثين والمعاصرين لو قرأوا الرجل جيدا ومرارا وفهموه
على الوجه الصحيح! ولكن.. ما الحيلة فى عمى البصر، وما
الحيلة في حسن النية، أو سوء النية الذي ترتب عليها
الافتراء على الرجل منذ أكثر من ألف عام؟!
إن عقل أبي
العلاء لا يمكن ـ بطبيعته ـ أن يقبل بأسبقية الوجود على
الفكر..إذ لابد أن يكون هناك خالق حكيم:
عجبي للطبيب يلحد
في الخالق
من بعد درسه التشريحـــا!
نعم إن كل شيء
فى هذا "الوجود" يثبت ويؤكد أن وراء هذا الوجود عقلا أكبر
من أن يُحيط به العقل الانساني. هو عقل موجد..خالق للوجود.
إن الوجود في حاجة إلى "شيء" يفسره! في حاجة إلى علة أو
إلى سبب أول..إلى عقل أكبر.. إلى إله.
ولكن عقل أبي
العلاء من ناحية مقابلة وبطبيعته أيضا لا يمكن أن يقبل
بأسبقية الفكر على الوجود..لأن هذا الفكر يحتاج بدوره إلى
وجود سابق عليه. نعم إن العقل والمنطق ـ الانسانيين ـ
يثبتان ويؤكدان ويحتمان أن يكون وراء هذا العقل الأكبر
وجودا أكبر من أن يُحيط به العقل الانساني! هو وجود موجد
للعقل..إن الوجود فى حاجة إلى "شيء" يفسره..في حاجة إلى
علة أو إلى سبب أول..! وهكذا سيستمر الدور إلى ما لا نهاية!
وفي الحالتين هو
أمام طريق مسدودة.. أو دائرة مغلقة!
هل يسبق الفكر
الوجود؟! هذا مستحيل عقلا..
هل يسبق الوجود الفكر؟! هذا أيضا مستحيل عقلا..
هل الاثنان شيء واحد؟! هذا ثالث المستحيلات؟!
هل ثمة شيء
يتجاوز الوجود والفكر معا؟! هذا رابع المستحيلات، فضلا عن
أن هذا التجاوز المستحيل لو أمكن ـ فرضا ـ لكان معناه
حتمية أسبقية الفكر على الوجود وفي نفس الوقت أسبقية
الوجود على الفكر. وهذا خلف.. أو دور.. أو سباق في طريق
مسدودة أو سقوط في دائرة مغلقة أو مجرد هذيان!
والحق أن العقل
الانساني إذا تجاوز نفسه فرضيا إنما يكون قد ألغى وجوده،
لأن حتمية وجود العقل هي نفسها حتمية وجود الوجود. وهو اذا
تجاوز وجوده فانما يكون يكون قد ألغى نفسه، لأن حتمية
الوجود هي نفسها حتمية وجود العقل؟!
لم يعد هناك غير
الفرار من العقل ومن الوجود معا:
وهل يأبق
الانسان من ملك ربه
فيخرج من أرض له وسمـاء؟!
إن هذا هو خامس المستحيلات!
حيرة.. بل الجحيم بعينه.. وخصوصا بالنسبة لعقل كعقل أبي
العلاء؟!
لم يبق أمام أبي
العلاء إلا التمرد..على الفكر وعلى الوجود معا..على
الأسبقية الحتمية ـ عقلا للفكر، والأسبقية الحتمية ـ عقلا
للوجود..على المثالية وعلى المادية في وقت واحد، وان لم
يكونا معروفان، بهذا المصطلح، على عهده فى القرن الرابع
الهجري! ولكن إلاما يُفضي هذا التمرد وما معناه وكيف يمكن
أن يكون؟! لم يبق إلا أن يكون هو نفسه "العقل"، وهو نفسه "الوجود"،
وهو نفسه الذي يتجاوز العقل والوجود، هو الله!
وأشهد أني بالقضاء
حللتها
وأرحل عنها خائفا أتألـه
قد يتبادر إلى
الذهن هنا أن الرجل يوشك أن يدعى الألوهية وأنه فقط يخشى
مغبة الادعاء..خاصة وأن قتل المتنبي ليس عنه ببعيد، وأكثر
خصوصا أنه كثيرا ما سجل بالغ حبه للمتنبي وبالغ اعجابه به.
وكثيرا ما استشهد بأقواله، ثم هو محيط كل الاحاطة بأخبار
من سلفه من المتنبئين والمتألهين ـ كما عددهم في رسالة
الغفران ـ ويعلم جيدا المصائر الغامضة التى انتهوا إليها.
ثم إذا كان هذا ما لقيه المتنبي ـ مثلا ـ من مصير السجن ثم
القتل، فما عساه يكون مصيره هو اذا ادعى الالوهية؟! هو
شديد الاحتياط لنفسه مفرط فى الحذر وأزكى من أن يسلم نفسه
هكذا بكل بساطة إلى "أعدائه"!! ثم أن البيت السالف يثبت أن
الرجل لم يكن ملحدا ولا زنديقا ولا وثنيا ولا مؤمنا ولا
شيء البتة من هذا القبيل.. وإنما كان بكل بساطة مجنونا...
وقصارى القول فيه أنه مجنون والسلام! ولكن كيف يتورط في
هذا الجنون هو الذي سخر من جميع المتنبئين والمتألهين، بما
في ذلك المتنبي، في رسالة الغفران وأدانهم جميعا بقسوة
واتهمهم بالجنون؟!
ليس الجحيم إذن
هو الذي يعتمل فى عقل ووجدان أبي العلاء، وهو شاعر فيلسوف
وفيلسوف شاعر، وانما ما هو ألعن من الجحيم.. فهل ثمة ألعن
من الجحيم؟!
لم يعد أمامه
سوى الموت، لذلك فكر فى الموت كثيرا وطويلا ومرارا، وما
أكثر ما تمناه:
من باعني بحياتي
ميتة سُرُحا
بايعته وأهان الله من ندمــا
ولكنه هو نفسه
الذي يقول أيضا:
ونومي موت قريب
النشور
وموتي نوم طويل الكـرى
أي أنه يؤمن بأن
ثمة حياة أخرى! وما دامت هناك حياة أخرى فمعنى هذا أنه
مؤمن بأن ثمة إلها! فالمصيبة أن تمنى الموت هو دليل على
الايمان بالله بقدر ما هو دليل على الكفر بالله..]فتمنوا
الموت إن كنتم صادقين[.
وفرق كبير بين
أن تتمنى الموت لكي لاتطالع وجه الله وأن تتمناه لكي "تأبق"
أو تفر من أرضه وسمائه! في الحالة الأولى هو الشوق والحب
والرضا والطمأنينة، أما في الحالة الثانية فهو الضيق
والكفر والتمرد على إرادة الله، "قل يا عبادي الذين آمنوا
لا تقنطوا من رحمة الله"، وقد رأينا كيف أنه يعاني فى
الحالة الثانية.. القنوط!
لذلك فكر كثيرا
وطويلا فى الانتحار وذكر ذلك فى رسالة الغفران: ".. قد كدت
ألحق برهط العدم، من غير الأسف ولا الندم، ولكنما أرهب
قدومي على الجبار، ولم أصلح نخلي بإبار. وقيل لبعض الحكماء:
إن فلانا تلطف
حتى قتل نفسه..وكره أن يمارس بدائع الشرور، وأحب النقلة
إلى منازل السرور. فقال الحكيم قولا معناه: أخطأ ذلك الشاب
المقتبل..هلا صبر على صروف الزمان.. فانه لا يشعر علام
يقدم!!
هذا الاعتراف
لايدع مجالا للشك فى أن الرجل مؤمن بالله ويرهب قدومه عليه
بغير عمل صالح. أى أنه لم يكن ملحدا ولا زنديقا ولا كافرا
ولا وثنيا، ويعني أيضا أنه لم يكن مجنونا كما أضفنا منذ
قليل! ثم هو هناك "خائف" أن يتأله! فهل كان خائفا ـ فقط ـ
من مصير المتنبئين والمتألهين كما ظننا أم كان خائفا من ـ
أساسا ـ قدومه على الله مدعيا الألوهية؟! وإذا كان يخشى
الله فكيف يدعي الألوهية؟! وإذا كان يدعي الألوهية فكيف
يخشى الله؟!
إنها لعنة..
وليست مجرد جحيم!
ولكن الرجل
يستشهد في رسالة الغفران بقول الضبي:
ولقد علمت بأن قبري
حفرة
ما بعدها خوف على ولا ندم
الموت إذن يضع
حدا للخوف؟!
ألأن الموت
نهاية كل شيء؟! إن معنى هذا أنه لا يؤمن بالبعث ولا الخلود
في حياة أخرى وبالتالي لا يؤمن بالله..فكيف يستقيم هذا ـ
منطقيا ـ مع خوفه من القدوم على الجبار فيما لو انتحر أو
مع خوفه من الناس والله فيما لو ادعى الألوهية؟! ثم كيف
يستقيم هذا مع قوله هو نفسه!
خلق الناس للبقاء
فضلت
أمة يحسبونهم للنفــاد
إن هذا يعني أنه
يؤمن بالبعث والخلود فى حياة أخرى وبالتالي يؤمن بالله!
ويُدين من لا يؤمنون بما يؤمن به بالضلال!
أنظروا إلى
الأرجوحة المترددة بين الجحيم والجحيم.. بين اللعنة
واللعنة.. بين النقيض ونقيض النقيض؟! فهل كتب ما كتب لكي
يضعنا على كف هذه الأرجوحة؟! إنه يعبث.. يعبث بنفسه وبنا
وبكل شيء.. وبالوجود والفكر على السواء! ولا يفعل هذا إلا
مجنون.. نعم إنها هستيريا.. حمى لعينة..لا عقل ولا فكر ولا
فلسفة ولا منهج ولا مذهب ولا شيءعلى الاطلاق.. هذيان في
هذيان ليس غير! خصوصا وهو القائل:
أرى هذيانا طال في
كل أمة
يضمنه ايجازها وشروحـها
إذن كل ما قاله
الأولون وكل ما قاله هو أو سيقوله اللاحقون به..مجرد هذيان
لا معنى له ولا غاية ولا جدوى منه..باطل الأباطيل..الكل
باطل..
فهل كان الرجل
عدميا؟!
هناك ألوف
الأدلة أيضا على أنه كان كذلك، وألوف أخرى ـ مثلها ـ على
أنه لم يكن كذلك؟ إنه يصبح بذلك فى نظرنا مجنونا، مجنونا
والسلام! فإذا عدنا إلى رسالة الغفران وجدنا الرجل يقول: "والتأله
موجود في الغرائز.. ويلقنُ الطفل الناشيء ما سمعه من
الأكابر، فيلبث معه في الدهر الغابر، والذين يسكنون في
الصوامع، والمتعبدون في الجوامع، يأخذون ما هم عليه كنقل
الخبر عن المُخبر، لا يميزون الصدق من الكذب لدى المعبر،
فلو أن بعضهم ألفى الأسرة من المجوس لخرج مجوسيا.. واذا
المعقول جُعل هاديا، نقع بريه صاديا، ولكن أين من يصبر على
أحكام العقل..؟ هيهات!".
هل معنى هذا أن
التأله غريزة؟!
إذن فأبو العلاء
لم يتبع إلا غريزته حين أوشك أن يدعي الألوهية، فالألوهية
هنا ليست مدعاة! الرجل إذن طبيعي وعاقل ومنطقي مع الطبيعة،
وليس مجنونا..
وهكذا عدنا إلى
الناحية المقابلة أو المضادة من حركة الأرجوحة! أم يعنى
أبو العلاء أن "التأله" أمر يلقنه الكبار للطفل فيلبث معه
ويشيب عليه؟!
إذن كيف يكون
موجودا "في الغرائز"؟! ثم هذا التأرجح المستمر من النقيض
إلى النقيض..ومن الجنون إلى غاية العقلانية وقمة
العبقرية..أليس فى حد ذاته جنونا وعبثا وهذيانا وعدمية
وحمى جهنمية يبدو ألا نهاية لها ولا شفاء ولا نجاة منها
ولا جدوى على الاطلاق ولا علاقة لها بالوجود ولا الفكر ولا
بأي شيء؟! مهلا..كأنك لا تستطيع مع أبي العلاء صبرا.. ولم
يستطيع الصبر معه القدماء والمحدثون والمعاصرون! فصبر جميل!
إن كلمة التأله
لا تعني فقط ـ من الناحية المعجمية ـ "ادعاء الألوهية"،
وانما تعني أيضا (التوحيد)! والرجل يقصد أن التوحيد غريزة
في الطفل وأن ما يلقنه من الكبار هو الذي يقطع الطريق على
هذه الغريزة ويصرف الطفل عن طريق الايمان! لا أن "ادعاء
الألوهية" غريزة في الطفل يلقنها عن الكبار..فالتلقين ينفي
إمكان أن يكون إدعاء الألوهية "غريزة"! نعم إن فينا نزوعا
فطريا وغريزيا وعفويا وتلقائيا إلى الله..لأننا في حاجة
إليه..ولأن الوجود والفكر معا في حاجة إليه. أما إدراكه
والاحاطة به وتجاوزه فمما لاقبل للعقل الانساني به. والعقل
الانساني عاجز عجزا مطلقا عن هذا بحكم محدوديته. إنه لا
يستطيع أن يتجاوز نفسه، ولكنه قادر أيضا قدرة مطلقة لأنه
يستطيع أن يتجاوز نفسه! إنه لا يستطيع أن يجعل من نفسه
موضوعا للادراك، هذا حق. ولكنه يستطيع أن يجعل من كل شيء
فى الوجود موضوعا للادراك أو لامكان الادراك!
ولهذا تجاوز أبو
العلاء نفسه!..ولم يتجاوزها في وقت واحد. وتجاوز
الديالكتيك المثالي والمادي معا، ولم يتجاوزهما في وقت
واحد وهذا هو الديالكتيك ذاته..وهو ديالكتيك أبي العلاء.
ويجب أن نبحث عنه فى التركيبة العقلية والنفسية للرجل، لأن
الديالكتيك هو غريزة الغرائز في هذه التركيبة النادرة
والمستقرة والمتميزة والعبقرية! إنه يضاد بين النقائض
ويوحد بينها ويبادل بعضها بالبعض ويوفق بينها، ثم يخرج من
هذا بمحصلة يخرج بعدها بنقيض المحصلة إلى نقيض النقيض
وهكذا إلى مالا نهاية!.. ولا يمكن فهم الرجل بدون فهم
الديالكتيك العلائي هذا المتميز عن جميع المذاهب المثالية
والمادية جميعا، وعلى مدى تاريخ الفكر الانساني منذ أقدم
العصور حتى وقتنا الحاضر. أبو العلاء إذن هو صاحب المنهج
الجدلي ومؤسسه، لا هيجل ولا ماركس ولا أحد من قبل ولا من
بعد! من هنا صار هو كما صير الآخرين! لأن ما كان يعتمل
بداخله أشبه بما يعتمل بجوف الشمس.. انفجارات وانقسامات
واتحادات ذرية تخرج منها انفجارات وانقسامات واتحادات
أخرى..وهكذا إلى ما لا نهاية! من ثم أجبره عقله ذاته ـ
وللمره الأولى والأخيرة ـ على أن ينزل على العقل أمام جميع
المستحيلات العقلية والمنطقية فيتورط في المغامرة
والمساومة والتنازل بل والاستسلام التام، فيقول:
قال المنجم والطبيب
كلاهمـا
لا تُحشر الأجساد قلت: إليكما
إن صح قولكما فلست بخاسر
أو صح قولي فالخسار عليكما
إنه التورط
الملحمي، والبطولي، والتراجيدى في نفس الوقت.. إنها
سيمفونية ناجحة حقا، ولكنها نبيلة ورائعة وشجية ومثيرة
للإعجاب وباعثة على الفرح..بل نشيد الانشاء الجديد لمجد
العقل الانساني.. فلا نامت أعين الجهلاء!!..
نعم يا أبا
العلاء:
ـ تفكر فقد حار هذا
الدليــل
وما يكشف النهج غير الفكــر
ـ فكروا فى الأمور يُكشف لكم
بعض الذي تجهلون بالتفكير!