09/04/2008

 
 

كتاب الراحل نجيب سرور: تحت عباءة أبي العلاء (2)
 
حققه وكتب مقدمته: د. حازم خيري

راجع بقية الحلقات
الجزء الأول: الفكر والشعر فى منظور أبي العلاء (مجموعة مقالات)
 
المقالة الأولى: أبو العلاء المعري بين الترغيب والترهيب
 
محنة هى ومتعة أن ترفض العالم الذي لا يعجبك من أجل عالم تتمناه، ومحنة هى ومتعة أن تتحدى كل قوى الشر والقهر والاستبداد. ومحنة ثالثة أن تعاند قوى اليأس والتثبيط والاحباط فى كل ما حولك. ومحنة أن تقف من العالم المحيط بك موقف النقد، رغم أمراض البدن والروح. ومحنة أن ترى نفسك عملاقا وسط أقزام، ونابهة وسط أغبياء ونابغة بين أوساط الناس وجهلائهم. إنها محنة ومتعة لا يحسها إلا العمالقة من بني الانسان والعباقرة منهم على التخصيص حين يفسد الملح، كل الملح، تُطبق الظلمات وتتضافر قوى الشر على قهر الفرد والجماعات. وقلة من بني الانسان هي دائما الطلائع، وهي دائما التى تقف في وجه كل قوى الحصار، وخاصة حين لا يبدو هناك بصيص من نور، وحين يتردد الانسان بين قوى الترغيب وقوى الترهيب.
 
هذه فى العادة وقفة لا يقفها إلا أولئك الذين يُولدون أو يعيشون أو يموتون على الحافة، حافة الانتقال من عصر إلى عصر، الانتقال من مجتمع الى مجتمع، ميلاد علاقات وموت علاقات أخرى، قيام أبنية وانهيار أبنية أخرى. قد لا تكون هذه العملية ملحوظة ولا ظاهرة للعيان ولا مكشوفة بالدرجة الكافية، ولكن رصدها هو مهمة الطلائع والنوابغ فى كل العصور، وهم في هذا لا يعبرون عن وجدان خاص متفرد ولا متميز ـ وان كانوا كذلك بالفعل ـ ولكنهم يعبرون، شاءوا أو لم يِشاءوا، عن حركة التاريخ ووجدان الجماهير. وليس أمر على النفس الكبيرة، والكبرياء المتمرد، الذي يميز هؤلاء عادة على كل العصور، من أن تجد نفسها في دوامة الاغراء والارهاب والمساومة والتسليم والاستسلام والتحدى والعناد والاصرار..إلى آخر ما تثيره المعركة عادة من آلام النفس والروح.
 
وليس ثمة نموذج لكل ما قلناه أروع من الحوار الذي دار يوما ما بين المعتزل المنتمي فى نفس الوقت: الزعيم الامام أبي العلاء العري، وبين "داعي الدعاة". لقد بدأ داعي الدعاة مراسلة أبي العلاء من منطق مختلف تماما، وموقع مختلف تماما عن منطق وموقع رهين المحبسين بل رهين الثلاثة محابس. واضطر أبو العلاء إلى الرد، والرد والرسائل وثيقة ضميرية هامة وشيقة ونموذجية، تعتبر درسا فى الصمود وفي أخلاق الرجال وفي كبرياء النوابغ.
 
قال ياقوت (الحموي) في معجمه (معجم الأدباء): "إن أبا نصر بن أبي عمران داعي الدعاة بمصر لما قرأ قول أبي العلاء:
 
غدوت مريض العقل والقلب فالقني
لتُخبر أنباء العقول الصحائـــح
 
كتب إلى المعري يقول له: أنا ذلك المريض رأيا وعقلا، وقد أتيتك مستشفيا فاشفني. ودارت بينهما مراسلات فى ذلك..
 
ولما وقفت على ذلك (والكلام هنا لياقوت) اشتهيتُ أن أقف على صورة ما دار بينهما على وجهه، حتى ظفرتُ بمجلد وفيه عدة رسائل من أبي نصر هبة الله بن موسى بن أبي عمران إلى المعري فى هذا المعنى، وانقطع الخطابُ بينهما على المساكتة. ونقلُها على الوجه يطولُ، فلخصتُ منها الغرض دون تفاصح المعري وتشدقه"!
 
بدلا من السخرية
 
اما أن "المساكتة" تمت بعد تمام التراسل بين أبي العلاء وداعي الدعاة، بمعنى أن يكون داعي الدعاة قد اقتنع بردود أبي العلاء كما هو متوقع وبمعنى أن يكون قد فهم ما يقصده أبو العلاء بالبيت المذكور فى اللزوميات، واما أن تكون المساكتة كما يغلب الظن عندنا راجعة إلى عجز داعي الدعاة عن استنطاق أبي العلاء واستبطان داخلته ومعرفة سره، واما أن تكون المساكتة من جانب ياقوت نفسه، خاصة وأنه يشير إلى مجلد من الرسائل بين أبي العلاء وبين داعي الدعاة ويشير إلى أنه اختصره اختصارا يبدو فيه العمد وسبق الاصرار أكثر مما تبدو فيه العفوية. كما لا ننسى دلالة هجوم ياقوت على أبي العلاء بالذات لا على داعي الدعاة وذلك حين اتهم أبا العلاء بالتفاصح والتشدق، مما يدل على الرغبة فى الترضية وذلك بغير موجب يستدعي الهجوم مما تقرؤه فى ردود رهين المحبسين على داعي الدعاة، بل الأوجب والأقرب إلى المنطق أن يقف ياقوت إلى جانب أبي العلاء بدلا من السخرية الصريحة منه.
 
هذا موقف تمليه الاعتبارات الانسانية قبل كل شيء مهما كانت ردود رهين المحبسين. ومهما يكن الأمر فلنترك داعي الدعاة يتكلم بنفسه ولنطرح المسألة برمتها أمام محكمة القراء وهي لابد عادلة ولابد أن تقف إلى جانب أبي العلاء البريء تماما من التفاصح والتشدق، والبريء تماما من كل التهم الأخرى التى طالما وُجهت إليه على مدى ألف عام. إن داعي الدعاة يبدأ رسالته بالنفاق الظاهر والثعبانية ليُزهد أبا العلاء فى الأدب ويُحبب إليه الدنيا ويعرض عليه نوعا من الترغيب: "الشيخ ـ أحسن الله توفيقه ـ الناطقُ بلسان الفضل والأدب، الذى ترك من عداهُ صامتا، مشهود له بهذه الفضيلة من كل من هو فوق البسيطة. غير أن الأدب الذى هو جالينوسُ طبه، وعنده مفاتيح غيبه، ليس مما يفيده كبير فائدة فى معاشه أو معاده سوى الذكر السائر به الركبان، مما هو إذا تسامح المذكور به علم أنه له بمكانه الجمال والزينة ما دام حيا، فاذا رمت به يدُ المنون من ظهر الأرض إلى بطنها فلا بحُسن ذكره ينتفع، ولا بقبحه يستضر".
 
استدراج
 
ثم يستطرد داعي الدعاة فى زعزعة ايمان أبي العلاء بجدوى اعتزاله وزهده وعذاباته بطريقة عدمية صارخة، فيقول: "وإذا كانت الصورة هذه كان مستحيلا منه ـ أيده الله ـ مع وفور عقله، أن جعل مواده كلها منصبة إلى أحكام اللغة العربية والتقعر فيها، واستيفاء أقسام ألفاظها ومعانيها، ووفر عمره على ما لا نتيجة له منها، وترك نفسه المتوقدة نارُ ذكائها خلوا من النظر فى شأن معاده...".
 
ثم يستطرد داعي الدعاة فى الاستدراج البوليسي لرهين المحبسين، فيقول: "فاذا هو ـ حرسه الله ـ بمقتضى هذا الحكم مرتو من عذب مشرب هذا العلم، وإنما ليس يبوح به لضرب من ضروب السياسة. والدليل على كونه ناظرا لمعاده سلوكُهُ سبيل العيش والتزهد...".
 
ويخلص داعي الدعاة بطريقة ماهرة خبيثة بعد هذا التكتيك إلى ما يريد فيستطرد قائلا: "...ولما رأيتُ ذلك وسمعتُ داعية البيت الذي يُعزى إليه، وهو:
 
غدوت مريض الدين والعقل فالقني
لتعلم أنباء الأمور الصحائـــح
 
فشددتُ إليه راحلة العليل فى دينه وعقله إلى الصحيح الذي ينبئني أنباء الأمور الصحائح. وأنا أولُ ملب لدعوته، معترف بخبرته، وهو حقيقُ أن لا يوطئني العشوة، فيسلك بي فى المجاهل، ولا يعتمد فيما يورده تلبيس الحق بالباطل. وأول سؤالي عن أمر خفيف، فإن استنشقتُ نسيم الشفاء، سقتُ السؤال إلى المهم..."
 
إنه التمهيد إلى انزلاق أبي العلاء إلى الفخ...
 
أبو العلاء يدرك
 
ولنستمع إلى الصوت الآخر، صوت أبي العلاء، المدرك جيدا للفخ المنصوب له وللطريق إليه، والمصر على ألا ينزلق واضعا في حسابه قرب داعي الدعاة من السلطة: "قال العبد الضعيف العاجز....
 
إني أعد سيدنا الرئيس الجليل المؤيد في الدين ـ أطال الله بقاءه ـ ممن ورث حكمة الأنبياء، وأعد نفسي الخاطئة من الأغبياء...
 
وهو بكتابه إلى متواضع، ومن أنا حتى يكتب مثلُهُ إلى مثلي؟! مثله فى ذلك مثل الثريا كتبت إلى الثرى. وقد علم الله أن سمعي ثقيل، وبصري عن الأبصار نقيل (غريب)...
 
إن الله جلت عظمتُهُ حكم على بالإزهاد، فطفقت من العُدم فى جهاد، وأما قول الضعيف العاجز:
 
غدوت مريض العقل والدين فالقني
 
فإنما أخاطب به من هو في غمرة الجهل، لا من هو للرياسة علم وأصًل.......
 
فلما بلغ العبد الضعيف العاجز اختلافُ الأقوال، وبلغ ثلاثين عاما، سأل ربه إنعاما، ورزقه صوم الدهر، فلم يفطر فى السنة ولا الشهر، إلا فى العيدين، وصبر على توالى الجديدين...".
 
على أنه لابد من ملاحظة أن أبا العلاء اُستدرج فعلا، وإلى درجة ما، إلى الفخ المنصوب واندفع بطبيعته العنيدة يدافع عن النباتيين ويثير قضايا كان يمكن أن تُطيح برأسه فى عصر المذاهب والطرائق والشيع، ولكن الأهم من ذلك أن أبا العلاء يختم رسالته بقوله: " ومما حثني على ترك أكل الحيوان أن الذي لي في السنة نيف وعشرون دينارا، فإذا أخذ خادمي بعض ما يجب، بقى لى ما لا يُعجبُ، فاقتصرت على فول وبُلسُن (العدس) وما لا يعذب على الألسن..
 
فأما الآن فإذا صار إلى من يخدمني كبير عندي وعنده هين، فما حظي إلا اليسير المتعين. ولست أريدُ في رزقي زيادة، ولا أوثر لسقمي عيادة، والسلام..".
 
المصارحة المباشرة
 
ولكن داعي الدعاة أخطأ فهم رهين المحبسين، فبعد فشل التكتيك الخبيث الثعباني الماكر خلص من الحوار الضمني إلى المصارحة المباشرة ليعرض غرضه الأصلي على رهين المحبسين، فيقول فى إحدى رسائله إلى أبي العلاء: "...وقد كاتبتُ مولاى تاج الأمراء (يقصد الأمير ثمال بن صالح المرداسي وهو يُلقب أيضا معز الدولة) ـ حرس الله عزه ـ أن يتقدم بازاحة العلة، فيما هو بلغةُ مثله من ألذ الطعام، ومراعاته على الإدرار والدوام، ليتكشف عنه غاشية هذه الضرورة، ويجرى أمرُهُ في معيشته على أحسن ما يكون من الصورة...".
 
ولكن أبا العلاء رفض. وهكذا يكون موقف العبقرية، موقف الكبرياء والتحدي والصبري والاصرار ومواجهة كل الصعوبات وكل قوى القهر والترغيب فى سبيل الانتماء فى الاعتزال أو الاعتزال فى الانتماء، وذلك على الحافة بين عصر وعصر. إنه رجل لكل العصور.
 
يتبــع....
 
 

جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع >>>> ليبيا المستقبل منبر حر لكل من يطمح ويسعى لغد أفضل لليبيا الحبيبة

 

libyaalmostakbal@yahoo.com