29/05/2008

 

مـُخْـتَـصَر (الفَوَائِدُ الجَلِيّةُ في تَاريخ العَائلة السَنُوسِيَّة) - القسم الأول (16)
لمؤلفها وجامعها: عبد المالك بن عبد القادر بن علي
1386 هجري - 1966 ميلادي
 
تصنيف – صلاح عبد العزيز (1428 هجري – 2007 ميلادي)

راجع الحلقات السابقة
 
(الإمام محمد المهدي السنوسي و خلافته لوالده)
 
إن الله سبحانه وتعالى لمَّا خلق الخلق اختار مما أوجد من الأكوان أشياء ميزها عن غيرها من مثيلاتها... فاختار من البشر الرسل الكرام والأنبياء والعلماء والقادة والعظماء مع كون الجميع بشراً .. كما اختار من المعادن أخيرها وأنفسها كالذهب والجواهر... يختص برحمته من يشاء (*) .. وبهذا الإختصاص قدَّر الله في سابق علمه القديم أن يكون السيد محمد المهدي السنوسي من هذا النوع المختار من البشر .. فولِدَ عظيماً ونشأ عظيماً و أجرى الله على يديه أموراً عظيمة وإصلاحات كبيرة ..نشأ في حجر والده فكان يُجِله ويحترمه ويُقدمه على نفسه ويُكْبٍرُه ويقول له: نحن من أتباعك، وذلك قبل أن يعرف منه علماً أو عملاً ..ثم جلس في مقام والده بعد وفاته وعمره لم يناهز السادس عشر ربيعاً... فكان كاملاً في عقله وعلمه وتصرفاته وإدراكاته ... لم يُعرف عنه طيش الشباب ولا أُبهة الحكام بل كان أمره كله جد.. لذلك كبر في أعين إخوان أبيه وعموم أتباعه وعظمت هيبته في قلوبهم فعمَّت به الفائدة وتوسعت الدعوة واطمأنت النفوس والأتباع. ولقد كان وهو الأخ الأكبر يحنو على أخيه الأصغر محمد الشريف ويلفه بعنايته ورعايته فذابت الفوارق بينهما في أعين الآخرين حتى أصبحوا يقولون "قال أسيادنا ونطلب من أسيادنا وحضر أسيادنا ..." بدون تفريق بينهما في أي شيء أبداً .. وكل ذلك بتوفيق من الله تعالى وتسديده ..
 
إشتركا في الأمر وتقاسما المسئولية فكان الأمام السيد محمد المهدي بصفته الأكبر هو المرجع لأخيه وإخوان أبيه.. هذا ولقد كان السيد محمد الشريف لأخيه بمثابة اليد المؤازرة وعينه الساهرة فلا يكون رأي أو أمر إلا عن طريق أخيه السيد المهدي وبعد أخذ رأيه ومشورته وموافقته .. كل ذلك منطلقه المحبة لا التأمر والتحكم.. وفي الحقيقة إن المواهب التي منَّ الله بها على السيد محمد المهدي والأخلاق التي حلاَّه بها وجبله عليها قد شملت القريب والبعيد ومَلَكَ بها قلوب العباد من حاضرٍ ومن بادٍ ... حتى أصبحوا يُطلقون عليه كلمة "المهدي" بمعناها المفهوم (2) وذلك مع تباعده عنها ونكرانه لها ولومه الشديد لمن يقولها أو يتفوه بها ..
 
مكث السيد محمد المهدي السنوسي بعد وفاة أبيه في بلدة الجغبوب سبعة و ثلاثين عاماً لم يخرج خلالها من الجغبوب يوماً واحداً .. ومع ذلك كان أمره يشغل بال الدول والحكام .. وكان أتباعه في ازدياد مضطرد يوماً بعد آخر.. كما كانت مهابته ومحبته تتملك شغاف القلوب.. راسله الحكام في إستانبول والحجاز واليمن ومصر والمغرب وبعض ملوك أوروبا رَغبَة في التودد إليه و التقرب منه ..فلم يكترث بأحدٍ منهم ولم يشغل باله بهم كما لم يقدم على الإرتباط بأحدٍ منهم .. فمثلاً قامت في زمنه ثورة عرابي باشا في مصر سنة – 1299 هـجري – 1882 ميلادي. كما قامت دعوة محمد أحمد المهدي في السودان سنة - 1300 هـجري – 1883 ميلادي. وراسله الإثنان وطلبا منه المساعدة والمساهمة وألحا في استمالته .. فلم يلتفت إليهما وقال كلمته المشهورة: (إن هذه الحركات أسبابها حظوظ نفسية ونهايتها محتومة) وكانت أوروبا قد بدأت سباقاً مستعراً للإستيلاء على الممالك الإسلامية ولتمزق جسد الأمة الواحد فتحيله دويلات مستعمرة تتقاسمها فيما بينها ... وأخذ كلٌ منهم يستولي على نصيبه من التركة .. وكان أغلب السودان "أفريقيا" من نصيب فرنسا .. فبعد احتلالها للجزائر في شهر ربيع الأول – 1246 هـجري – 8 – سبتمبر – 1830 ميلادي. بدأت في بسط نفوذها على أراضي السودان .. وكان أتباع السيد (محمد المهدي السنوسي) ينتشرون وينشطون في السودان بكثرة حيث كانوا ينشرون الدعوة الإسلامية بين القبائل وفي القرى الكثيرة المتناثرة ..فوقفت القوات الفرنسية وجيوشها حجر عثرة أمام الدعوة لدين الله وصدت عن السبيل !! فحرك هذا العدوان مشاعر السيد المهدي السنوسي وقرر الوقوف في وجه العدو المعتدي ومنازلته ... فخرج من الجغبوب أولاً إلى (الكُفْرَة) ثم منها إلى بطن السودان "تشاد" ورفع علم الجهاد في وجه فرنسا المعتدية غضباً لله تعالى و سعياً لرفع راية (لا إله إلا الله محمدٌ رسول الله) والتقى الجمعان و حميَّ الوطيس طيلة سنة وبضعة أشهر .. فكان جهاداً لله تعالى لا لغرض سلطة أو ملك أو إستغلال ..بل غيرة دينية و حمية إسلامية .. وكان الإمام المهدي عازماً على الإستمرار في رفع راية الجهاد المُقدس .. غير أن إرادة الله تعالى اقتضت غير ذلك فكان أن عاجلته المنية في واحة " قَرْو" بتشاد ... والله يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد فلا رادَّ لقضائه ولا مُعقب لحكمه ولا يُسأل عمَّا يفعل سبحانه وتعالى.
 
(ترجمة حياة السيد محمد المهدي السنوسي)
 
ولد ليلة الأربعاء أول يوم من شهر ذي القعدة الحرام – 1260 هجري – 12- نوفمبر 1844 ميلادي. في الجبل الأخضر بقرية (ماسَّة) وأسماه والده (أحمد بن إدريس) على اسم أستاذه .. ثم في يومه السابع غير اسمه إلى (محمد المهدي) وسلمه لمرضعته الشريفة (خضراء) زوجة (حسين الشريف) و بعد أن أتم الرضاعة عندها أعادته إلى والدته .. وعندما سافر والده من الجبل الأخضر إلى الحجاز عام - 1262- هجري - 1844- ميلادي. بقي هو مع والدته وشقيقه السيد محمد الشريف يترددان مابين زاويتي البيضاء و درنة حتى بلغ السابعة من عمره.. وفي عام - 1267 هجري - 1851- ميلادي. طلبه والده فسافر بصحبة الرجل الصالح (محمد بن إبراهيم الغماري الكبير) أي كبير إخوته آل الغماري .. وكان سفره في مركب شراعي من بلدة درنة إلى بلدة (خانية) إحدى مواني جزيرة (كريت) اليونانية ومنها إلى الإسكندرية ثم توجه الركب إلى القاهرة براً ومن القاهرة إلى السويس ثم عبروا البحر إلى (ينبع) ثم إلى المدينة المنورة على الجِمال ..و هناك اجتمع بوالده وحج معه عام 1267 هجري – وبعد ذلكم بعام قدمت والدته وشقيقه محمد الشريف إلى الحجاز وحجوا جميعاً مع والدهم ووالدتهم .. ثم في عام 1269 هجري – 1851- ميلادي .رجع والده إلى برقة وبقي السيد المهدي مع والدته وشقيقه في الحجاز مترددين مابين مكة والمدينة لفترة خمسة أعوام ..ثم في عام 1274 هجري – 1858 – ميلادي. طلبه والده إلى الجغبوب صحبة الشيخ (عبد الرحيم المحبوب) وبعدها بعام واحد قدمت والدته وشقيقه محمد الشريف من مكة إلى الجغبوب .. وتزوج هو وشقيقه فاتح عام – 1276 هجري – يوليو – 1859 – ميلادي. ثم تُوُفِيَّ والدهما في التاسع من شهر صفر – 1276 هجري – 7 – سبتمبر 1859- ميلادي. وبقي هو وشقيقه بصحبة والدتهما بالجغبوب ثم جلس في مقام والده وقام بما كان يقوم به الوالد من أعمال إصلاحية ونشر للطريقة السنوسية حتى عام 1312 - هجري - 1894 ميلادي.
 
(وفاته)
 
ثم رحل من الجغبوب إلى (الكُفْرة) وكان بدء الرحلة في 22 – شوال – 1312- هجري – 18 – إبريل – 1895 ميلادي. ووصولها إلى الكفرة يوم الجمعة – 15 – ذي القعدة – 1312 هجري – 10 – مايو – 1895 – ميلادي. حيث مكث بالكفرة أربعة أعوام و نصف .. ثم رحل منها إلى مقاطعة تشاد بالسودان " أفريقيا".. وكان بدء الرحلة في شهر جمادي الثانية - 1317 - هجري – أكتوبر – 1899 - ميلادي. ووصولها إلى بلدة (قَرْو) في منتصف شهر رجب - 1317 - هجري. ومكث بها عامين و نصف حيث قام خلالها بمحاربة القوات الفرنسية .. وفي يوم الأحد- 23 – صفر – 1320 هجري – 1 – يونيو – 1902 ميلادي. كان على موعد مع القدر المحتوم .. ونقل جثمانه الطاهر على إثر ذلك إلى بلدة (الكُفرة) حيث مثواه الأخير.
 
(نساؤه)
 
تزوج الإمام محمد المهدي السنوسي ثمانية من النساء هُن: السيدة فاطمة العمرانية والسيدة عائشة الحدوثية والسيدة خديجة البوزيدية والسيدة فاطمة الحدوثية أيضاً والسيدة عائشة البوسيفية والسيدة فاطمة الغمارية والسيدة خيرية الخطابية والسيدة خديجة البوسيفية ... ومن الأولاد ستة عشر مولوداً، ثمانية من الذكور وثمانية من الإناث ..عاش من الذكور فقط إثنان هما السيد محمد إدريس السنوسي ملك ليبيا وأخوه السيد محمد رضا ولي العهد الأول "والد السيد الحسن الرضا ولي العهد الثاني".. ومن الإناث أربعة هن الأميرات السيدة صفية والسيدة نفيسة والسيدة فاطمة الحسنية والسيدة عاتكة والتي توفيت بعد والدها و قبل زواجها.
 
(حليته)
 
كان الإمام المهدي السنوسي مُدور الوجه واسع الجبين أزهر اللون إلى البياض أقرب؛ كث اللحية على خده الأيمن خال؛ ربعة إلى الطول أقرب؛ عرض الكتفين والمنكبين واسع الثغر مُفلج الثنايا أقنى الأنف أقرن الحاجبين أدعج العينين أزيل الفخذين أي فيها إنفراج قليل؛ قليل الكلام خاشع قانت وفي لسانه شيئ من الثقل وإذا أبطأ عليه الكلام ضرب بيده اليمنى على فخذه اليمن، لونه عربي أي أبيض مُشربٌ بحمرة، خُلُقُه نبوي يملأ عين من رآه هيبة ولا يستطيع من جالسه أن يُصَوِّب إليه نظره إلا خِلسة.
 
يتبع....
 
تصنيف – صلاح عبد العزيز
salahalimami@yahoo.com
 

(*) روى البخاري في صحيحه حديث الصحابي الجليل، أبي هريرة رضي الله عنه قال: قيل للنبي صلى الله عليه وسلم: من أكرم الناس؟ قال: ((أكرمهم: أتقاهم. قالوا: يا نبي الله، ليس عن هذا نسألك. قال: فأكرم الناس يوسف نبيُّ الله، ابن نبيَّ الله، ابن نبي الله، ابن خليل الله. قالوا: ليس عن هذا نسألك. قال: أفعن معادن العرب تسألونني؟ قالوا: نعم، قال: فخياركم في الجاهلية، خياركم في الإسلام إذا فقهوا)). هذا الحديث من جوامع كلمه عليه الصلاة والسلام، ولنا وقفة، مع معادن الناس خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا.
 
 

جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع >>>> ليبيا المستقبل منبر حر لكل من يطمح ويسعى لغد أفضل لليبيا الحبيبة

 

libyaalmostakbal@yahoo.com