( الزواية السنوسية تنطلق من الحجاز إلى ليبيا )( تأسيس زاوية جبل أبي قبيس و بقية زواية الحجاز)بعد أن شرع الإمام محمد بن علي السنوسي في تأسيس زاوية أبي قبيس بمكة و أتمها، تصدر فيها للإفادة والنفع العام فافتتح دروساً في شتى العلوم .. وبذلك أضحت زاوية أبي قبيس كعبة طلاب العلم الشرعي ورواده، ووفد إليه طُلاب العلم من مختلف البلدان الإسلامية .. وكانت دروسه مقسمة للمبتدئين وحفاظ القرآن، و قسمٌ لمن درجوا وقطعوا مراحل في طلب العلم الشرعي، ولذا فقد كان الإمام السنوسي رحمة شاملة لأصناف طبقات الأمة ... كما كانت له دروس عامة في الوعظ والإرشاد إلى عبادة رب العالمين بالطريقة السليمة المستقيمة بلا شائبة زيغ أو إلحاد أو حظ نفسي. بل لقد سلك طريق جده المصطفى – صلى الله عليه وسلم – والتي كان عليها هو وأصحابه – رضوان الله عليهم أجمعين – وكان الإمام السنوسي يُحذر وينهى أشد النهي عن الشعوذة والضلالات .. وكان كذلك يَحُضُ أتباعه على العمل والكسب بعرق الجبين، ويحذرهم من الركون للراحة والبطالة والتطلع إلى ما في أيدي الناس " وهذه التوجيهات كانت تمثل أقوى دعائم نجاح عمل وآليات الحركة السنوسية وتميز أفرادها (لإخوان السنوسيين) إذ كانت كل زاوية بمثابة خلية نحلٍ الكل يعمل بنشاط دؤوب لا كلل فيه .. فبعد طلب العلم الشرعي هناك تعلم الحرفة لطلب الرزق أو الإتجار للإستغناء عن الخلق .. ومن هنا كانت حيوية الدعوة السنوسية تؤهلها لتكون حركة إسلامية تدفع نحو أفق الدولة لا محالة".(تأسيس الزاوية السنوسية بالطائف)كان الإمام السنوسي في هذه الأثناء يتردد بين الحرمين الشريفين وبين الفينة والأخرى يزور مدينة (الطائف) حيث كانت إقامته الصيفية بها، وهناك أسس زاويته ما بين عام 1254 – 1254 هجري – 1837 – 1838 – ميلادي. وكان محل هذه الزاوية حيث ركز فيه سيدنا محمد – صلوات الله عليه – رايته حينما فتح الطائف بعد وقعة حُنين؛ ولقد امتزج أهل الطائف بالإمام السنوسي من خلال هذه الزاوية .. ولقد أخذ عنه العلم من أهلها كثيرون، ومن أبرز طلابه في الطائف الشيخ محمد البكري و أخوه أحمد بن صادق البكري، وكذلك الشيخ (حامد بن محمد غانم خيره) وكان أُمياً ففتح الله عليه ببركة إخلاص نيته وجِده واجتهاده، فتعلم قراءة القرآن والكتابة؛ ولما سافر الإمام السنوسي إلى ( برقة ) بليبيا - حيث كانت سفرته الأخيرة – كان الشيخ حامد نائباً لمسئول الزاوية وهو الشيخ (محمد بن إبراهيم الغماري الكبير) وبعد وفاة الشيخ الغُماري ..أصبح الشيخ حامد هو خليفة الإمام السنوسي بالأصالة . ولقد كان مثالاً للصدق والأمانة والإخلاص والنزاهة." وهذه أيضاً من عوامل نجاح دور الزواية السنوسية (معادن الرجال) وحُسن اختيارهم. (*) ثم بعد وفاة الإمام السنوسي أبقى السيد محمد المهدي السنوسي (الشيخ حامد) مسئولاً على زاوية أبي قبيس حتى عام 1303 هجري – 1886 – ميلادي . حيث توفاه الله بالمدينة المنورة؛ فعين الإمام محمد المهدي السنوسي ابن الشيخ حامد المُسمى – محمد السنوسي – خليفة بدل والده. فقام بهذه الخلافة خير قيام ووسع نطاق الأوقاف العائد للزوايا بمكة وجدة والطائف وكثر في عهده (الإخوان السنوسيون) إذ كان مؤلفاً بينهم و مصلحاً بحق وعفيفاً ورِعاً .. ومما يدل على كمال دينه وورعه ما ذكره في ثنايا وصيته من أنه " لا يملك قليلاً ولا كثيراً وليس له حق في أي شيء يتعلق بالوقف السنوسي وأن كل ما أسسه من مباني أو مزارع وملحقاتها فهو مِلكٌ السيد محمد المهدي وأخيه السيد محمد الشريف السنوسي ووقفٌ عليهم وليس له إلا ثوبٌ يلبسه أو لُقمة يأكلها انتهى. وكان رحمه الله تعالى يُكثر التردد على واحة (الجغبوب) ثم في سنة 1320 هجري – 1902 – ميلادي. توجه من الحجاز قاصداً - بلدة (الكُفرة) الواقعة جنوب برقة – لغرض زيارة السادة السنوسية .. فعاجله القضاء والقدر وتوفاه الله بها.. فعظم مصابه على السادة السنوسية والإخوان السنوسيين.(الأمير عبد القادر الجزائري في ضيافة الإمام السنوسي)في عام 1242 هجري – 1827 – ميلادي. قدم إلى الحج بطل الجزائر الأمير عبد القادر في صُحبة والده السيد (محي الدين بن عبد القادر الحسيني) وهم من آيالة وهران التابعة للجزائر. كان عمر الأمير عبد القادر حينذاك تسعة عشر عاماً حيث كانت ولادته عام 1223 هجري – 1808 ميلادي. وكان بين الفقيه (محي الدين الحسيني) والسيد (محمد بن علي السنوسي) معرفة سابقة بالجزائر .. فقام والد الأمير عبد القادر بزيارة الإمام السنوسي في زاويته بجبل أبي قبيس ومعه ابنه عبد القادر..فأكرمهما الإمام السنوسي وقدم لهم وجبة من (الكسكسي) وجلس معهم على المائدة غير أنه لم يأكل لمرض ألّمّ به ، فوجه نظره إلى الأمير عبد القادر وصار يعقد أصابعه و يعد اللقم التي يأكلها فأكل الأمير أربع عشرة لُقمة ثم رفع يده عن الطعام فقال له الإمام السنوسي: زد فقال لا أستطيع فكرر له القول وهو يعتذر و يقول لا أستطيع، فقال له الإمام : يا ودِّي زيد... يزيدوك - أي يا ولدي زد زادك الله - فقال: لا أستطيع. فرد عليه الإمام السنوسي قائلاً : هذا الذي كتبه الله . ولكن الأمير لم يفطن لهذه الإشارة ولم يلقِ لها بالاً كما لم يعرف المعنى !! هذا وقد كانت الإشارة من الإمام السنوسي للمدة التي سيحكمها الأمير، وهذا من قبيل الإلهام والكشف الذي يمن الله به على من يشاء من عباده. ولما فرغ الأمير عبد القادر وأبوه من أعمال الحج وأتما الفريضة عام 1243 هجري – 1828 ميلادي. وعزما على العودة إلى الجزائر.. قام الإمام (محمد بن علي السنوسي) يودعهما وقال مُخاطباً الفقيه (محي الدين عبد القادر الحسيني): إن الدين الإسلامي يُحتم على كل مسلمٍ بأن يُدافع عنه بقدر استطاعته ويُحرِّم على المسلمين الاستسلام للعدو الغاصب المعتدي والمنتهك لحرمات الدين والإسلام والمُعطِل لأحكام الله؛ وإني أستوصيك بولدنا عبد القادر هذا خيراً فإنه ممن سيدافع عن حرمات الإسلام ويرفع راية الجهاد .. فكان هذا سبباً في ‘يجاد روح الجهاد والمقاومة فيهما وتفكيرهما في كل ما أوصاهم به السيد السنوسي. وقد صدقت فراسة الإمام السنوسي فلم يمض عام على وصول الأمير عبد القادر وأبيه محي الدين حتى استولى الفرنسيون على مدينة الجزائر العاصمة .. فكانت البيعة للشيخ (محي الدين الحسيني) أولاً ثم بويع للأمير عبد القادر ابن محي الدين الجزائري عام 1248 هجري – 1832 ميلادي. فقام بتنظيم الجيوش وتقدم إلى ساحات الوغى حيث أحرز انتصارات باهرة خاصة في مدينتي وهران ومستغانم ولذلك اضطرت فرنسا إلى عقد عدة اتفاقيات للهدنة .. ثم ما لبثت الحرب أن اشتعل أوارها من جديد .. ولم تستطع فرنسا أن تكسر شوكة الأمير عبد القادر الجزائري إلا بالدسائس وتحريض سلطان المغرب وتهديده.. فأرسل جيشاً قوامه خمسون ألف محارب ، فوقعت ما بين الفريقين حروب طاحنة ضاع فيها مع الأسف خلق كثير من الجانبين الجزائري و المغربي!!! مما اضطر الأمير للتفاهم مع فرنسا على إنهاء حالة الحرب بينهما. وبذلك تمت مقاومة الجهاد التي دامت سبع عشرة سنة كان اللواء لوالده الفقيه (محي الدين) لفترة سنتين ونصف، وبعدها كان اللواء بيد المجاهد البطل الأمير (عبد القادر الجزائري) لفترة أربعة عشر عاماً ونصف حيث تم بعدها التسليم سنة 1261 هجري – 1845 ميلادي.. ولله الأمر من قبل ومن بعد. وكان من بنود المعاهدة أن ينتقل الأمير عبد القادر الجزائري بكامل عائلته إلى مدينة (طولون) بفرنسا. وبعد إقامته بها خمس سنوات سمحت له الحكومة الفرنسية بالسفر إلى استانبول ومنها إلى (بروسه) بتركيا فأقام بها مدة سنتين .. ثم توجه إلى دمشق الشام سوريا حيث أقام بها بقية حياته حتى وافته المنية سنة 1299 هجري – 1883 ميلادي. بعد أن عاش من العمر خمسة وسبعين عاماً... عليه رحمة الرحمن وجزاه الله على جهاده خيراً وأسكنه أعالي الجنان آمين.يتبع....
تصنيف – صلاح عبد العزيز
|
||||||
|
|
||||||
|
|
||||||