18/06/2008

 

 
مـُخْـتَـصَر (الفَوَائِدُ الجَلِيّةُ في تَاريخ العَائلة السَنُوسِيَّة) - القسم الثاني (1)
لمؤلفها وجامعها: عبد المالك بن عبد القادر بن علي - 1386 هجري - 1966 ميلادي
 
تصنيف – صلاح عبد العزيز (1428 هجري – 2007 ميلادي)
 

راجع الحلقات السابقة
مقدمة المُصنف
 
الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، وأصلي وأسلم على من بعثه الله هادياً للخير ومحذراً من الضلالات حبيبنا محمد خاتم الرسل وصاحب المعجزات الذي آتاه الله جوامع الكَلِم، فكلٌ دونه عِيٍ البيان ومن فصاحته يقتبس بديع العبارات، صلى الإله عليه ما ازدانت بسيرته صحائفٌ واستنت أُمَتُه بحُسْنِ خُلُقه وقامت على شريعته الغراء حكومات ودويلات.
 
أما بعد ... فهاهو الجزء الثاني من هذا السفر التاريخي الليبي قد رأى النور في عالم الشبكة العالمية بعد أن كاد أن يطويه النسيان بين دفتي كتاب قد تم طبعه منذ أكثر من أربعة عقود مضت .. ولا ريب أن تاريخ الوطن الليبي قد تأثر مع بداية القرن العشرين بالغزو الإيطالي فهب الجميع للذود عن شرف الأُمة ولبس أسود البلد لأَمَة الحرب رافعين راية الجهاد خفاقة عالية ضد المحتل الغاشم الظالم. ومن أبرز هؤلاء المجاهدين القائد الفذ السيد (أحمد الشريف السنوسي) الذي توجَ جهاده بإعلان قيام الحكومة الإسلامية حيث كان شعارها "الجنة تحت ظلال السيوف".
 
وميزة هذا الجزء تتمثل في أن مؤلف الكتاب قد عاصر وصاحب السيد (أحمد الشريف السنوسي) وأخذ عنه مشافهة، ومن هنا كانت رواياته التاريخية عالية السند صحيحة المتن، وفي ذات الوقت جاءت مبرهنة على أن التاريخ لا يَكذِب أهله كما أن الرائد لا يَكذِب أهله.
 
وغاية أملي أن أكون بهذا الجهد قد أمطت اللثام وأزحت الغبار عن سيرة عالم عامل مجاهد ربى للأمة أسود الوغى .. فمن تلاميذه شيخ الشهداء (عمر المختار) وكفى به فرعٌ أصيل لأصل رفيع .. ذلك الشامة في جبين ليبيا والأمة الإسلامية وفخر عزتها سليل الأشراف الفاتحين (أحمد بن محمد الشريف بن محمد بن علي السنوسي الخطابي الحسَني).
 
صلاح عبد العزيز
 
 
أخر صورة لفقيد الإسلام سيادة السيد أحمد الشريف السنوسي
الإهداء
 
إلى حضرات السادة النُبلاء وخُلاصة دوحة الشُرفاء مَنْ في كنف الله تعالى ثم كنف والدهم رُبِيتُ ... وبنعمة الله تعالى ثم بنعمته نشأت وغُذَِيت . أُقَدم ما تيسر لي جمعه من سيرة والدهم العطرة وجهاده المُقدس تخليداً لذكراه وحفظاً لحقه وإشادة بمجهوداته رحمه الله ورضي عنه.
 
المؤلف
 
السيد – أحمد الشريف السنوسي (مقدمة المؤلف)
 
الحمد لله الذي جعل العلماء هداة الأمة وأزاح بشموس معارفهم ظُلم الجَهلِ المُدلَّهمة وقص علينا في كتابه العزيز من أخبار من تقدمنا من الأمم لنعتبر ونتدبر ونسلك السبيل الأقوم و نتذكر والصلاة والسلام على من رفع الله به عَلَمَ الإسلام وحلاَّهُ بمكارم الأخلاق وشرَّفه على سائر الأنام فجاهد في الله حق الجهاد و قاسى الشدائد في نشر كلمة لا إله إلاَّ الله بين العباد صلى الله عليه وعلى آله وصحابته الذين قاموا بعده بنشر دينه وخاضوا لُجّجَ الشدائد لبقاء عزته حتى عم دين الإسلام المعمورة وانتشر واعتلت كلمة لا إله إلا الله و الله أكبر.
 
وبعد ... فإني لما رأيت الحاجة ماسة إلى تدوين ما لا بد منه من سيرة البائع نفسه لله والمجاهد بماله و نفسه في سبيل الله حامل لواء الجهاد والحرية وبطل الحروب الليبية خادم الإسلام السيد (أحمد الشريف السنوسي) ورأيت غيري مِمَّن وجب عليهم حقه ورُبُوا في أسعد أيامه وفضله قد غفلوا أو تغافلوا عن أداء ما يوجب عليهم نحوه .. وإن كان التاريخ قد سجل له في النفوس ما هو جدير به .. إلا أن التسجيل للقراء على الصفحات الناصعة البيضاء أمر ضروري لا يختلف فيه إثنان لِمَا في ذلك من تقدير للرجال العاملين وإحياءً لذكراهم في كل مناسبة وذلك للإقتداء بسيرهم الحميدة وأعمالهم الخالدة المجيدة .. ثُم للعظة والذكرى وما في ذلك من قدوات في حياة الناس وما فيها من رجال عاملين قادهم إخلاصهم إلى رضوان ربهم وخدمة دينهم ووطنهم والإنسانية جمعاء. وللقيام بهذا الواجب الإنساني خامرتني فكرة إصدار ما أمكنني جمعه من سيرة بطلنا العظيم (أحمد الشريف) إلا أن هذه الفكرة بقيت تتردد في مُخَيِّلتي من حين لآخر مدة من الزمن فكنت ما بين إحجامٍ وإقدام لعِلمي بقصوري عن إدارك الكمال ... غير أن الرسالة التي في عنقي والأمانة التي أصبحت أحملها دفعتني للتشمير عن الساعد لإظهار ما تيسر لي في هذا الكتيب المختصر ليكون نبراساً يُهْتَدَى به في شجاعة وصبر وتضحية ذلك العملاق الأشم (والحق ما شهدت به الأعداء) إلى آخر لحظة من حياته الحافلة بجلائل الخيرات فهو جدير بأن يُقال عنه:
 
((هيهات لا يأت الزمان بمثله  إن الزمان بمثله لبخيل))
 
ولعلَّني أكون قد قمت بعُشر معشار ما وجب عليَّ وعلى غيري من أفراد الشعب الليبي الكريم نحو بطل ليبيا وفخرها العظيم الذي جهله أكثر الناس أو تجاهلوا ما قام به من جهاد مضني وأعمال جليلة نسبوها لغيره !! وما السيد (عمر المختار) وغيره من قادة الجهاد الليبي إلا قطرة من بحره أو رمية من سهمه ... والله يقول وهو أصدق القائلين (ولا تَبْخَسُوا الناس أشياءهَم) ويقول الرسول الأعظم سيدنا محمد صلوات ربي وسلامه عليه (من لم يشكر الناس لم يشكر الله).
 
لِمَا تقدم ذكره توكلت على الله واعتمدت عليه ثم أقدمت على إنجاز ما فكرت فيه ... وها هو ذا بين يديك أيها القارئ الكريم ..فما وجدت من تقصير أو سوء تعبير فبكمالك أُكَمله .. وما ظهر لك من خطأٍ فأنا أهله و محله .. واستغفر الله منه، وهي بضاعة ولا شك مرضية لدى أرباب العقول السليمة والأفكار الصائبة والقلوب الحكيمة .. وإن رائدي له و حافزي عليه هو الإخلاص تقديراً لعمل العاملين وإشادة بذكرى القادة المُخلصين ... والله من وراء القصد وعليه المعول والمعتمد.
 
المؤلف
 

 

ترجمة حياة رئيس المجاهدين السيد أحمد الشريف السنوسي
 
نسبه: هو العالم العامل والسيد الكامل قدوة العاملين وبقية السلف الصالحين مُحْي سُنَّةَ الجهاد وخُلاصة عترة خير العِباد السيد ( أحمد بن محمد الشريف بن محمد بن علي السنوسي الخطابي الإدريسي الحَسَنِي).
 
ولادته: كانت ولادته المباركة عام 1290 هجري - 1873 ميلادي. في واحة الجغبوب، المركز الروحي الأول للحركة السنوسية، والواقعة جنوب شرق مدينة طبرق في آخر حدود ليبيا الشرقية المتاخمة للحدود المصرية وبالقرب من واحة سيوة المشهورة.
 
نشأته: تربى رحمه الله ونشأ في حجر والده السيد محمد الشريف السنوسي، وحينما ترعرع وبلغ السادسة من عمره دخل تحت كنف عمه السيد محمد المهدي ، حيث بدأ في تعلم القرآن وحفظه على يد أستاذه الأول الإمام ممد المهدي حتى حفظ جزءً كبيراً منه ، ثم أمر عمه أن يُتم حفظ القرآن على شيخ الجغبوب وإمامه في وقته وأحد تلاميذ جده السيد (محمد بن مصطفى المدني التِلْمِساني) فكان يعرض ما يكتبه على اللوح قراءة ً أمام عمه فإذا أجازه ذهب إلى أستاذه المدني ليحفظ على يديه، و هكذا حتى أتَّمَ حفظه وإتقانه وحتى قال له الإمام محمد المهدي: أنت ما أخذت القرآن إلا عني. ولذلك كان رحمه الله يفتخر ويعتز بهذه الميزة العظيمة التي لم يشاركه فيها غيره. كما كان إبَّان حفظه للقرآن يعرض يومياً ما يتلقاه على والده السيد محمد الشريف وعلى شيخه السيد أحمد بن عبد القادر الريفي رحمة الله عليهم أجمعين.
 
شيوخه: بعد إتقانه للقرآن حفظاً وتلاوة، بدأ يتلقى سائر العلوم على الشيخين الجليلين جده لأمه السيد (عمران بن بركة الفيتوري) والسيد (أحمد عبد القادر الريفي) ولم ينقطع عن طلب العلم على يد "الأب الروحي" شيخه محمد المهدي السنوسي حيث لازمه حتى عام 1312 هجري - 1894 ميلادي.
 
(رحلته مع عمه ووالده من الجغبوب إلى الكُفْرَةٍ)
 
رافق السيد أحمد الشريف والده و عمه إلى بلدة الكُفْرَةٍ جنوب برقة عام 1312 هجري – 1894 ميلادي. وفارق شيخه أحمد الريفي لبقائه خليفة في الجغبوب. أمَّا شيخه وجده لأمه (عمران بن بركة الفيتوري) فقد تُوفِيَ قبل الرحلة بسنتين رحمه الله تعالى.
 
ومنذ بلوغه الخامسة عشرة من عمره، كان السيد أحمد الشريف هو اليد اليمنى العاملة و الفاعلة في بيتي والده وعمه، فقد كان رسول عمه و المبلغ عنه أوامره لإخوانه وزواره، كما كان أيضاً الساعد الأيمن لأبيه في الجليل والصغير من الأمور خاصَّة عندما بدأت صحة والده في التدهور.
 
وعندما تهيأ السيد أحمد الشريف للرحلة من الجغبوب إلى الكُفرة، كان قد بلغ من العمر إثنين وعشرين عاماً، وكان يحمل على عاتقه متاعب ومشاق هذه الرحلة الجامعة لما ينوف عن ألفين وستمائة ً (2600) شخصا ما بين كبار وصغار وذكور وإناث، وما تتطلبه هذه الجموع العظيمة من أسباب الراحة والإدارة ولوازم الإعاشة والسكن إلى غير ذلك من الأمور التي يعجز عنها عظام القادة العسكريين ، فكان يتلقى الأوامر من عمه ووالده ويقوم هو بدوره بإبلاغها إلى حضرات الإخوان المختصين وتوزيع الأعمال كل حسب إختصاصه. ولقد دامت هذه الرحلة قرابة ثلاثة أشهر قُطعت خلالها أكثر من ألفٍو ثلاثمائة (1300) كيلوا متراً في صحراء قاحلة لا ماء فيها ولا مأوى إلا ما كان على ظهور الإبل البالغ عددها ثلاثة آلاف جملاً.
 
وهكذا نشأ السيد أحمد الشريف السنوسي وتربى على تحمل المشاق والمسئوليات العظام، ولم يعرف الركون للراحة يوماً ما طيلة حياته الحافلة والمليئة بالمخاطر والأمور التي تشيب لها نواصي الرواحل من الرجال.
 
فبعد أن تمت الرحلة ووصلت الكُفرة واستقرت أياماً قلائل، اشتد الألم بوالده الذي ترك أهله وأولاده في الجغبوب ورافق شقيقه السيد محمد المهدي والذي كان يرى فيه القدوة والمُربي والشيخ والوالد لا كشقيق فقط، والسيد محمد الشريف هو ذاك العالم العامل والسيد الكامل قدوة الصالحين وإمام العلماء العاملين إذ كان رحمه الله بحراً زاخراً بعلومه ومورداً عذبا سائغاً لمن أتاه راغبا ًً في النهل من سلسبيل علومه ومعارفه، قضى حياته السعيدة في طلب العلم ونشره واقتدى بسيرة أجداده وسلفه فكان كعبة طلاب العلم، ولم يمنعه هذا كله من أن يكون لشقيقه كالإبن البار الرحيم.
 
يتبع.
 
تصنيف - صلاح عبد العزيز
salahalimami@yahoo.com
 
 

جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع >>>> ليبيا المستقبل منبر حر لكل من يطمح ويسعى لغد أفضل لليبيا الحبيبة

 

libyaalmostakbal@yahoo.com