راجع الحلقات السابقة(عودة السيد محمد بن علي السنوسي الأخيرة من الحجاز إلى ليبيا)في آخر عام 1268 هجري - 1852 – ميلادي . و بعد وصول نجله الثاني السيد محمد الشريف إلى الحجاز بصحبة جده لأمه السيد أحمد بن فرج الله الفيتوري و صحبة والدته يتقدمهم حضرة السيد عمران بن بركة الفيتوري و حج الجميع بمعية الإمام السيد محمد بن علي السنوسي و كانت هذه هي آخر حجة له وهي التي اجتمع فيها معه إبناه محمد المهدي و شقيقه محمد الشريف و كثير من الإخوان و العيان و المحبين ..هذا و قد قدم من برقة في هذا الموسم كثير من أعيانها و وجهائها و شيوخ قبائلها إذ كان مرادهم وقصدهم بعد أداء فريضة الحج هو دعوة الإمام السنوسي الكبير للعودة معهم إلى الديار الليبية ، و أمام تمسك أهل برقة بالإمام السنوسي – كذلك أهل الحرمين الشريفين أصروا على بقائه بينهم – و في الحقيقة أن إقامته في الحرمين الشريفين لها مبررات كثيرة أولها قدسية هذه الأماكن ثانياً تمتعه بالحج و زيارة المدينة المنورة سنوياً ثالثاً إجتماعه و لقاؤه بمختلف طوائف الإسلام و بث دعوته بينهم و إرشادهم إلى الحق و طريقه ... و لكن العناية الإلهية سبقت لأهل ليبيا لتكون آخر حياة هذا الإمام المُصلح العظيم في بلادهم و لينالوا شرف خدمته و الإنتساب إلى دعوته و طريقته و ليسعدوا ببقاء ذريته الباركة بينهم لتكون لهم قدوة و خير ... و ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء و الله ذو الفضل العظيم .. فاستخار الإمام ربه سبحانه وتعالى و سأله إرشاده إلى الطريق التي يرضاها سبحانه و تعالى و التي فيها نفع الأمة المحمدية ..فأراه الله ما شرح به صدره و قوى عزيمته على العودة إلى ليبيا ..فقام بترتيب أموره بالحجاز و عين شيوخ الزوايا الحجازية و زودهم بما يلزمهم و حرضهم على سلوك طريقته في إرشاد العباد و دلالتهم على الله و التمسك بسنة سيدنا رسول الله صلى الله عليه و سلم و بذل النصح للمسلمين أينما كانوا ... و أناب عنه في زاوية أبي قبيس السيد ( محمد بن إبراهيم الغماري الكبير ) و مساعده الشيخ ( حامد خيره ) ثم أبقى إبنيه و والدتهم و جدهم بمكة و طلب من الشيخين الغماري الكبير و ( أحمد البقالي ) القيام بتعليم ولديه القرآن الكريم و العلوم الشرعية ، و كان عُمر السيد المهدي تسعة أعوام و شقيقه محمد الشريف سبعة أعوام ، و عَيَّنَ الشيخ ( محمد بن الشفيع ) شيخاً للزاوية السنوسية بالمدينة المنورة ..هذا و لم يصحب معه في هذه الرحلة سوى زوجته السيدة ( البسكرية ) و تجهز من مكة حاملاً معه جميع كتبه و أثاثه و في صحبته الإخوان الملازمون لسيادته و أعيان برقة و شيوخها الذين حجوا معه ... و توجه إلى المدينة المنورة في النصف الأخير من عام 1269 هجري – 1853 – ميلادي . و أقام بها ما زاد عن الشهر.(طريق العودة)غادر الركب المدينة المنورة إلى ( ينبع ) ثم ركبوا البحر إلى ( الوجه ) ثم إلى القصير ثم إلى مديرية (قنا) ومنها إلى الواحات البحرية – و كان يجول في خاطر الإمام زيارة القدس و الهجرة إليه مدة من الزمن ولكن عموم الإخوان و الأعيان كانوا يريدون موالاة سفره إلى ليبيا .. و في بداية رحلته جمع الإخوان وقال لهم: رأيت في منامي البارحة سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول لي " من يُرد الفوز الأكبر فعليه بالجبل الأخضر " ففرح الإخوان و الأعيان بهذه البشارة و قاموا يتعانقون و يهنئون بعضهم بعضا ... وكان سرورهم لا يُوصف حيث عم السرور و فازوا بما رغبوا فيه - و بعد ( قنا ) توجه إلى (نجع حمَّادي) ثم إلى ( الفرافرة ) ثم إلى الواحات البحرية ثم نزل ( كرداسة ) حيث مكث بها ما ينوف عن الشهر والنصف ..و سمع بقدومه محبوه فوفدوا إليه من القاهرة و من عموم جهات القطر المصري و من الصحراء الغربية ثم سافر إلى واحة ( سيوة ) و ذلك لقدوم شيوخها إليه في كرداسة و تعلقهم و تمسكهم بزيارته لهم قبل توجهه إلى برقة ..فوافقهم أول الأمر ثم اعتذر لهم و ذلك بسبب خوفه على الإخوان الذين معه من الإصابة بحمى ( سيوة ) و وعدهم بزيارة سيوة في أول فرصة ممكنة ...و لذلك كان يقول قبل وفاته بالجغبوب " نريد أن نسافر إلى سيوة و العْقُبَة و العقبة هي الصحراء الغربية بحدود مصر و لكن عاجلته المنية رحمه الله .(وصوله إلى العِزيَّات ومدة إقامته بها)وصل الإمام السنوسي و الذين معه قصر العِزيَّات آخر عام 1269 هجري – 1853 – ميلادي . حيث مكث بها ثلاثة أعوام متوالية و كان خلال هذه الأعوام الثلاثة يتردد على بعض الزوايا و يتجول ما بين القبائل يحل مشاكلهم و يقوم بتأسيس زوايا لهم .. و قد زار منطقة الجبل الأخضر مراراً و جال في صحراء برقة يتفقد الزوايا و يتمم نواقصها .. و في نهاية عام 1270 هجري – 1854 – ميلادي . قدم إلى سيادته من الحجاز الشيخ ( محمد بن الشفيع ) و الذي سلم أمانة الزاوية السنوسية بالمدينة للشيخ أحمد البقالي الذي كان معلماً للسيد المهدي و شقيقه محمد الشريف .ومنذ أن وصل الإمام السنوسي الكبير إلى العزيات و جهوده الإصلاحية متوالية ...فكانت رسله من الإخوان تجوب أنحاء ليبيا ما بين برقة و طرابلس و فزان للوقوف على الزوايا و شؤونها و على كل ما من شأنه الإصلاح للإخوان و القبائل و الاتصال بالحكام و التفاهم معهم و مساعدتهم و تفقد أحوال الرعية و السكان.. فعمَّ الأمن و الطمأنينة و نُفذت الأحكام السلطانية و انقادت لها القبائل التي كانت مستعصية على الدولة العثمانية ..فأمنت الطُرُق و عَمُرَت المساجد و فُتِحَت المدارس ( الكتاتيب ) في المدن و القرى و الزوايا ونشطت الحركة الدينية و الإصلاحية و تفيأ الناس ظلال الأمن و شعروا بالإستقرار فتوجهوا إلى إصلاح أمورهم المعيشية و واجباتهم الدينية ..فأدخلوا أبناءهم الزوايا السنوسية و الكتاتيب و تسابقوا إلى ذلك ..(دور الحركة السنوسية في استتباب الأمن و الإستقرار في ربوع ليبيا)باركت الحكومة العثمانية تصرفات السيد الإمام السنوسي الكبير وأقرتها حسبما أرادها حيث رأت الحكومة كمال الإنقياد من القبائل و التي كان لا يقر لها قرار ولا يُؤمن لها جانب إذ كانت دائماً في اضطرابات ومصادمات مع الحكومة العثمانية .. وكم من جنودٍ هلكت وأموالٍ صُرفت دون جدوى.. ولقد كان حكم العثمانيين لا يتعدى دواخل المدن .. وحتى هذه كانت لا تسلم من المشاغبات والمهاجمات المتعبة والمهلكة... حتى حلَّ هذا السيد العظيم بالوطن وانتشرت زواياه وإخوانه ... فزالت الفوضى و الفساد من الأرض بفضل الله تعالى أولاً ثم بجهود هذا المصلح العظيم ...و لذلك تركت الحكومة العثمانية له أمور البلاد الداخلية كلياً وأصبحت تنفذ أحكامها بواسطته دون أي عناءٍ و كان رضي الله عنه شديد العناية بكل ما من شأنه رفع شأن الخلافة و حفظ كيانها عن صدقٍ و إخلاصٍ لا عن سياسة كما يقول المُغْرِضُون – جزاه الله عن الأمة الإسلامية خير الجزاء – و عقب وصول الإمام إلى العزيات بدأ يفكر قي اختيار محلٍ يصلح لأن يكون مقراً دائماً و مركزاُ عاماً يجتمع فيه أتباعه و أنصاره يرغب في أن يكون هذا المركز بعيداً عن المدن والضوضاء.. و لذلك انتدب وفداً كبيراً من الإخوان يرأسهم حضرة الحسيب النسيب الشيخ ( عمران بن بركة ) فتردد هذا الوفد في الصحراء شرقاً و غرباً حتى اهتدى إلى البقعة التي بني بها الجغبوب .. و رجع هذا الوفد إلى الإمام السنوسي و أخبره بما توصل إليه فأعاد هذا الوفد و أشرك معهم غيرهم للتأكد من صلاحية المكان و مناسبته من جهة الموقع الجغرافي و الطقس فعاد الوفد مقتنعاً بما قررته الهيئة الأولى فاقتنع السيد السنوسي و استحسن رأيهم و قال لهم : هذا هو المحل الذي حصل فيه الإذن ، ثم أمر الإخوان المختصين بإتخاذ الأسباب اللازمة للشروع في بناية زاوية الجغبوب و تهيأت الأسباب و بدأ العمل أول عام 1271 هجري – 1854 – ميلادي . و استمر العمل مدة سنتين كاملتين .(تأسيس الجغبوب و الانتقال إليه)قرر الإمام محمد بن علي السنوسي الإنتقال من زاوية العزيات إلى الجغبوب فتوجه فاتح عام 1273 هجري - سبتمبر 1856 – ميلادي . و رَحَلَ معه جمعٌ عظيم من الإخوان و الأعيان و المريدين و طلاب العلم يُقَدّرون جميعهم بما يزيد عن الألف و كانت هذه الجموع كلها أيادٍ عاملة ..فبعد الوصول إلى واحة الجغبوب بدأ الإمام السنوسي في إتمام ضروريات تأمين الراحة للطلبة و الإخوان و المجاورين... و في غضون مدة زمنية قصيرة أضحت الجغبوب قرية كاملة المنافع و المرافق آهلة بالسكان عامرة بالقرآن تتعاقب عليها القوافل و الركبان حتى صارت روضة نضرة في جوف الصحراء القاحلة بتوفيق الله تعالى ثم هِمة هذا الإمام الذي جعله المولى سبحانه للهداية مناراً و أنار به قلوباً و بصائر و هدى به أقواماً كانوا في دياجير الجهل حيارى ... فكم من بدعة أماتها و سنة أحياها و معارف نشرها دون دعاية ينشرها أو دراهم ينثرها أو قوة يستعملها ...و إنما صدق عزيمة و إخلاص نية و عمل متواصل بلا كلل و تمسك بأوامر الدين الإسلامي الحنيف الصحيح و اجتهاد في دعوة الخلق إلى ما فيه سعادتهم الدنيوية و الأخروية .. فسبحان من وفق من شاء لما شاء.هذا و بعد أن استقر السيد السنوسي الكبير في الجغبوب إنتدب حضرة الشيخ (عبد الرحيم المحبوب) للذهاب إلى مكة لإحضار إبنه الكبير السيد محمد المهدي ..فذهب إلى الحجاز و قدم به في أول عام 1274 هجري – 1857 – ميلادي . عن طريق جدة السويس بحراً ثم القاهرة – سيوة الجغبوب – براً .يتبع....تصنيف – صلاح عبد العزيزsalahalimami@yahoo.com |
||||||
|
|
||||||
|
|
||||||