(بلدة زوارة شريان متدفق لروح الجهاد الجزائري)عند وصول الإمام السنوسي الجدود التونسية أبلغته قوات الحدود بحظر سفره إلى الجزائر وخيرته بين العودة من حيث جاء أو البقاء في الأراضي التونسية، فاضطر للمكوث في (قابس) مدة ثم خرج منها إلى بلدة (مطماطة) ثم عاد إلى مدينة (زواره) ليتمكن من تواجده بها من الوقوف على أخبار المقاومة والجهاد في الجزائر ضد المحتل الغازي الفرنسي .. وقد أخذ يشحذ همم المسلمين ليهبوا لنجدة إخوانهم في الجزائر المحتلة.. داعياً إلى حملات التبرع بالمال والسلاح والعتاد وإرسال جماعات من المجاهدين للقتال تحت لواء الأمير (عبد القادر الجزائري) وكان يترأس تلكم الجماعات عادة الشيخ (عبد الله التواتي) الذي لحق به أثناء بقائه بمدينة (قابس). لقد كان دور الإمام السنوسي عندما منعه الفرنسيون من المشاركة الفعلية بنفسه في الجهاد بالجزائر هو نشر الوعي الديني والتعريف بفريضة الجهاد وتحريض المؤمنين على القتال (فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا تُكَلَّفُ إِلاَّ نَفْسَكَ وَحَرِّضْ الْمُؤْمِنِينَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَاللَّهُ أَشَدُّ بَأْساً وَأَشَدُّ تَنكِيلاً) هذا ولم ينقطع دعم الإمام السنوسي - طيلة مكثه بمدينة (زواره) - لحركة الجهاد المقدس ضد المحتل الفرنسي لأرض الإسلام (الجزائر) واستمر إرساله للإخوان زرافات ووحداناً محملين بالعتاد الحربي والزاد للمجاهدين للذود عن بيضة الإسلام وحِمى المسلمين في أرض الجزائر. ثم عاد الإمام السنوسي إلى مدينة (طرابلس) عام 1257 هجري - 1841 - ميلادي. وعند وصوله تناهت أخباره للحاكم التركي (علي عشقر) والذي شدد على الفور في طلبه وأمر بالقبض على من وَجد من (الإخوان) في بيت (أحمد باشا المنتصر) ثم قال للمنتصر: أنت تعرف السنوسي ولا يخفى عليك أمره ومحله.. ولا بد أن تدلنا عليه لأنه يمثل مصدر إزعاج للحكومة - وطبعاً كان هذا الدس والكيد من فرنسا الملعونة ومن بعض الحُساد أيضاً حيث لا يخلو منهم زمان ولا مكان. فقال المنتصر للباشا: يا سيدي .. إن هذا الرجل هو خلاف ما سمعت عنه، وهو من المخلصين والمحبين للدولة والخلافة، وأنا آتيك به دون عناء . فأمر الباشا بأن يأتي به .. وأختار له خيرة علماء طرابلس لمناظرته ومعرفة حقيقة أمره، وكان من جملتهم العلامة الشيخ (أحمد المقرحي الطرابلسي) أحد القضاة بطرابلس والشيخ (علي القزيري) فلما حضر الإمام السنوسي وبادر الحضور والعلماء بما فتح الله عليه .. انبهروا وعلاهم الخجل؛ وبدل أن يُناظروه انخرطوا في سلكه وبدؤوا يرتشفون من معين مناهل علومه المفيدة وقالوا للباشا : هذا نعمة من الله ساقها إلينا . ففرح الباشا بذلك واجتمع بالإمام السنوسي حيث اعتذر له وقال: هذه بلادك والأهل اهلك.. فانفعهم بقدر استطاعتك ونحن في حاجة شديدة لأمثالك. فأقام الإمام (محمد بن علي السنوسي) في مدينة طرابلس يتردد على مساجدها ويجتمع بالناس يذكرهم ويعلمهم .. فشاع ذِكرُه وعرفه أهل طرابلس وتعلقوا به، وسارت إليه الرُكبان .. ومر في بعض جولاته على حضرة الشريف (أحمد بن فرج الله الفيتوري)(*) في إحدى ضواحي طرابلس ووقف عليه في منزله وزاره في مزرعته المتواضعة .. وكان بن فرج الله كبيراً في سنه مستوراً في حاله عفيفاً في نفسه ذي عيال فقير الحال فقال له ابن السنوسي : يا أخونا أحمد .. لنا بك حاجّة أكيدة و نحب أن تلحقنا بأهلك إذا سمعت بنا وصلنا (بنغازي) فقال له يا سيدي حُباً وكرامةً. ثم غادر مدينة طرابلس إلى (زليتن) حيث مكث بها يلقي الدروس والمواعظ فأخذ عنه العلم أناسٌ كُثُر من الإخوان السنوسيين والذين صاروا فيما بعد رجال الزوايا السنوسية والحركة السنوسية في تلكم المناطق الغربية من ليبيا ... ثم تقدم إلى بلدة (مصراتة) والتي كان قد أقام بها خلال رحلته الأولى وأقام بزاوية (المحاجيب) وبهذه البلدة مقام الشيخ العالم المالكي المشهور (أحمد الزروق).(السنوسي الكبير يغادر مصراتة إلى سرت وبنغازي)خرج أعيان مصراتة وبعض أمراء آل المنتصر في صحبة الإمام السنوسي حتى وصل الحدود ما بين برقة وطرابلس .. وفي (سرت) كان في استقباله كوكبة عظيمة من الفرسان هم بعض أعيان وشيوخ ووجهاء قبائل برقة من العواقير والمغاربة وأهل الجبل ومدينة بنغازي .. فرحبوا بسيادته وتشرفوا بمرافقته وخدمته حتى مدينة بنغازي مروراً بطريق الساحل هذه المرة .. وعند وصوله إلى بنغازي تنازعت في ضيافته البيوت البارزة في ذلك الوقت، ففضل الإمام السنوسي أن ينزل مع إخوانه في محل زاويته الآن ببنغازي وكان السر في ذلك أنه طلب تلك القطعة من الأرض لتكون بها الزاوية فيما بعد .. وفعلاً تم إنشاؤها في نفس المحل، ولم تطل مدة إقامته في بنغازي حيث صام بها شهر رمضان عام 1257 هجري - أكتوبر 1841 ميلادي -. وبعد عيد الفطر صادف أن مرض أثناء تلكم الفترة شيخ قبيلة العواقير (الشيخ أبو شنيِّف الكِزَّة) مرضاً تحققوا منه الموت .. فأرسلوا رجلين إلى مدينة بنغازي ليأتوهم بالكفن ولوازمه ... فمر الرجلان على الشيخ الصالح المشهور (علي خريبيش) وكانت لهم به معرفة .. فأخبروه بمرض الشيخ (أبو شنيِّف الكِزَّة) حيث طلبا منه الدعاء له بالشفاء فقال لهم : لقد حل بنا رجل غريب ظاهره الصلاح نزوره أنا وأنتم لعله يدعو بالشفاء، فلما وصلوا إلى محل إقامة الإمام السنوسي أخبروه بحاجتهم .. فأظهر لهم عدم الإنزعاج وأطال معهم الحديث وهم على عجلة من أمرهم .. فألحوا في طلب الإذن لهم بالإنصراف فقال لهم الإمام السنوسي: رُبّما يحضر هذا المريض دفن بعض الحاضرين منا الآن!! وفعلاً كتب الله الشفاء للشيخ (الكِزَّة) كما سنذكر لاحقاً .. وحضر بنفسه دفن الرسولين.. ثم وافقهم على الذهاب لزيارة الشيخ أبي شنيِّف حيث كان نازلاً بأهله بمكان يبعد عن بنغازي مسافة يوم كامل .. فلما وصلوا طلب الإمام السنوسي أن يبنوا له خيمة خارج المضارب، ثم دخل على الشيخ أبي شنيِّف وكان في حالة غيبوبة تامة وداؤه ببطنه .. فوقف عليه الإمام السنوسي ووضع يده الشريفة على بطنه ودعا الله أن يشفيه .. فأفاق المريض في الحال وتكلم... فعلت أصوات النسوة بالزغاريد وفرحت القبيلة بشفاء عميدها .. وكان هذا الموقف أول فتح لسيادته في برقة و الجبل الأخضر ... فأقام في نجوع قبيلة العواقير قرابة الشهر .. ووفدت عليه جموع الناس من أنحاء برقة لزيارته واكتساب دعواته .. ثم توجه الإمام السنوسي بصحبة جمع غفير من الإخوان وشيوخ مختلف القبائل من الحرابي والعواقير .. وسلك طريق برقة الحمراء ومنها إلى الجبل الأخضر وتوغل في الجبل حتى وصل إلى المكان المُسمى (ماسه) وتقدم من ماسه إلى مكان يُسمى (دنقله) حيث مكان الزاوية البيضاء الموجودة الآن بالقرب من ضريح الصحابي الجليل ( ويفع بن ثابت الأنصاري) رضي الله عنه، ثم خاطب شيوخ القبائل وكان على رأسهم الشيخ (أبوبكر بو حدث) شيخ مشايخ قبيلة البراعصة المشهورة بالشهامة والكرم وشدة البأس ... وابن عمه الشيخ (عمر بو جلفاف) وقال لهم السنوسي: إني أريد بناية مسجد وزاوية هنا تكون أصل زوايانا ببرقة و الجبل الأخضر، و نريد أن يُخصصَ لها محلٌ في هذا المكان بموافقة أهله ورضاهم... وكانت البقعة في حوزة فخذ من قبيلة البراعصة فتشاور الشيخان (أبو بكر وعمر بوجلفاف) مع من رأوا مشاورته ... وقرروا التنازل عن البقعة المطلوبة لصالح المشروع الذي أقترحه الإمام السنوسي الكبير .. ففرح بذلك الإمام ودعا لهم بالخير.يتبع....
تصنيف – صلاح عبد العزيز
|
||||||
|
|
||||||
|
|
||||||