08/05/2008

 

مـُخْـتَـصَر (الفَوَائِدُ الجَلِيّةُ في تَاريخ العَائلة السَنُوسِيَّة) - القسم الأول (13)
لمؤلفها وجامعها: عبد المالك بن عبد القادر بن علي
1386 هجري - 1966 ميلادي
 
تصنيف – صلاح عبد العزيز (1428 هجري – 2007 ميلادي)

راجع الحلقات السابقة
 
 
(طلب السيد السنوسي لابنه محمد المهدي ووصوله إلى المدينة المنورة)
 
وفي عام 1267 هجري – 1851 – ميلادي . طلب حضور ابنه محمد المهدي من الجبل الأخضر وكان قد بلغ من العمر سبعة أعوام ، فقدم إليه برفقة السيد ( محمد بن إبراهيم الغماري الكبير ) بطريق البحر من بلدة درنة إلى بلدة ( خانية ) بجزيرة ( كريت ) و في " خانية " التقى السيد المهدي بأحمد باشا المنتصر متوجهاً إلى الحجاز أيضاً لمقابلة والده .. و من خانية توجه إلى الإسكندرية و منها إلى القاهرة ... ومن القاهرة إلى مدينة السويس و منها ركب مركباً شراعياً إلى ميناء ( ينبع ) و عند وصوله ينبع نزل في زاويتها .. و كان شيخها من الأشراف الهجارين ..فسأل السيد الغماري عن الغلام الذي معه فقال له : هو ولدي ..ثم غاب السيد الغماري لبعض الوقت و سأل الشريف " شيخ زاوية ينبع " الغلام الصغير السيد (محمد المهدي ) و قال له : هل تعلم أن للسيد محمد بن علي السنوسي أولاد بالمغرب " ليبيا " ..فأجابه: نعم ..فقال له كم عددهم ؟ قال له : إثنان ..فسأله : كم أعمارهم فقال له : الكبير مثلي و الثاني أصغر منه .. فحمد الله و أثنى عليه .. و في تلك الأثناء حضر السيد الغماري ، فقال له الشريف الهجاري : ولدك هذا أخبرني بأن سيدي محمد بن علي السنوسي له بالمغرب ولدان أحدهم في عمره و الآخر أصغر منه ، فقال السيد الغماري : صدق . ثم توجه السيد الغماري بولده إلى المدينة المنورة و كان بها السيد محمد بن علي السنوسي ..فلما وصل السيد محمد المهدي إلى والده و سلم عليه رأى الإخوان من السيدين العجب العجاب .. رأوا الوالد يعامل إبنه الصغير معاملة الكبير و يُجِلهُ إجلال الكبار و يوقره و يخدمه .. و رأوا السيد المهدي الصغير الذي لم يتجاوز عمره السابعة يتأدب مع والده تأدب الشيوخ الأجلاء الكبار في كلامه وقيامه وخطابه و أخذه و رده و استئذانه ..ثم طلب الإمام السنوسي من أمين الروضة الشريفة و يقال له " المستسلم " أن يدخله في الروضة المطهرة الشريفة و أن يبقيه مدة ثم يعيده إليه ... فأخذه و فتح له الروضة الشريفة و أدخله على جده الأعظم سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم ،و أدخله تحت الستارة الداخلية المُسدلة على حجرة أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها و التي بها سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم و صاحباه سيدنا أبو بكر الصديق و سيدنا عمر الفاروق رضي الله عنهما ..و تركه ساعة زمنية لوحده ..ثم عاد إليه فوجده على هيئته التي تركه عليها و الأنوار تشع من وجهه الكريم فأخرجه و أتى به إلى والده و قال له : ولدكم هذا صغير في جسمه كبير في أدبه و عقله ..نهنيك به .. و صادف أن حضر الشيخ الشريف الهجاري " شيخ زاوية ينبع " لزيارة أستاذه الإمام محمد بن علي السنوسي ..فوجد السيد المهدي نجله بجانبه فقال له : هذا إبني محمد المهدي فصاح الشيخ الشريف و قال : يا سبحان الله كيف ضَحِكَ عليَّ و قال إن لسيادتكم ولدٌ مثله ..فقال : صدق هو بنفسه مازجك و لم يكذب ..و لقد كان النبي صلى الله عليه و سلم يمزح و لا يقول إلا حقاً ..فقال الشيخ الشريف : سبحان الله من كمَّلكُم كباراً وصغاراً.
 
(طلبه لإبنه الثاني محمد الشريف السنوسي)
 
وبعد وصول السيد محمد المهدي إلى واله و استقراره معه رأى والده أن يرسل في طلب إبنه الثاني (محمد الشريف السنوسي) و معه والدته و جده السيد ( أحمد بن فرج الله الفيتوري ) .فحضر في حج عام 1268 هجري – 1852 – ميلادي . مع بعضٍ من الإخوان يتقدمهم الشريف العلامة السيد ( عمران بن بركة الفيتوري ) فنزلوا ميناء ( ينبع ) ثم قصدوا المدينة المنورة حيث وجدوا كبير الإخوان السنوسيين ومقدمهم الشيخ( عبد الله التواتي ) فخرج للقاء السيد ( محمد الشريف ) و من معه .. كما خرج للقائهم خارج المدينة الباشا التركي القائم بإدارة المدينة المنورة يصحبه بعض الجنود و بعض أعيان المدينة المنورة و ذلك6 لما للسيد ( محمد بن علي السنوسي ) من حبٍ و احترام في قلوب العامة و الخاصة .. ثم واصل السيد محمد الشريف رحلته إلى مكة المكرمة و في حراسته العلامة السيد عبد الله التواتي .. وبعد خروجهم من المدينة بأربعة مراحل كان الرجل العظيم ( عبد الله التواتي ) في موعد مع الشهادة بمكان يُقال له (وادي الصفراء) بالقرب من موقعة ( بدر الكبرى ) و ذلك عندما اعتدى عليه اثنان من الأعراب من قبيلة (حرب) أثناء أدائه لصلاة الصبح وراء القافلة !! .. و كان أول الإخوان الكبار وفاةً و دُفن رحمه الله أولاً في محله الذي استشهد فيه ..ثم أمر السيد محمد بن علي السنوسي بنقله إلى بدر و دُفن بجوار شهداء بدر ..رضي الله عنهم و عن الشيخ التواتي ذلك التقي العابد الورع الزاهد مٌقدم الإخوان على الإطلاق .. و أما القاتلان من قبيلة تُسمى ( اللهبة ) فخذ من قبيلة ( عوف ) و عوف فرع كبير من قبيلة (حرب ) فقد أصابهم بعد هذا الإعتداء مرضُ لا يعرفون له إسماً قبله !! و هو انتفاخ في الجلد و الجسم أولاً ثم يبدأ الجلد في التشقق ثم تتفتح بذلك جروح كريهة تسيل بالقيح و الدم ..و يدوم الحال حتى يهلك المُصاب ..و لقد أفنى هذا الوباء من قبيلة ( اللهبة ) عدداً كثيراً من أفراد تلك القبيلة..و لقد أصبحت هذه الحادثة عبرة لكل من سمع بها من القبائل من ( حرب ) و( هُـذيل ) فكانوا يتحاشون السنوسية و أتباعهم فلا يمسونهم بسوءٍ أبداً..حتى أن أهل مكة و المدينة كانوا إذا أرادوا الحج أو الزيارة فلا يخرجون إلا مع الركب السنوسي لكي يأمنوا على حياتهم و أمتعتهم.
 
(الجيل الأول من شيوخ الإخوان السنوسية)
 
انتسب الشيخ ( محمد فالح الظاهري المهنوي ) إلى الدعوة السنوسية عام – 1266 هجري – 1850 ميلادي . و تتلمذ على يد الإمام محمد بن علي السنوسي ..كما انتسب إلى السيد السنوسي أيضا و في نفس العام التقي الصالح السيد ( أحمد بن عبد القادر الريفي المازوني القلعي ) هو أصلاً من مازونة إحدى مدن الجزائر و انتقل والده إلى القلعة بالريف تبع سلطنة مراكش فهو مازوني الأصل قلعي الولادة ريفي الشهرة.. و كان عمره حين التحاقه و أخذه العلم عن الإمام السيد السنوسي اثنين و عشرين عاماً حيث كانت ولادته عام 1244 هجري – 1828 – ميلادي . و هو آخر الإخوان الكبار وفاةً حيث كانت وفاته سنة 1329 هجري - 1911 – ميلادي . كما أخذ عنه الفقيه الصالح الحافظ لكتاب الله بالروايات السبع ( محمد بن مصطفى المدني التلمساني ) رفيق السيد احمد الريفي.
 
وتقدم أن ذكرنا بأن الشيخ ( عبد الرحيم المغبوب ) و الشيخ ( أبوسيف مقرب ) قد أخذا العلم عن الإمام السيد محمد بن علي السنوسي في الزاوية البيضاء بالجبل الأخضر ببرقة عام 1258 هجري - 1842 – ميلادي . كما التحق به في نفس العام السيد ( علي بن عبد المولى ) من قابس بتونس .. فأصبح هؤلاء السادة من الإخوان السنوسية هم دعامة الجيل الأول و هم : السيد عمران بن بركة - السيد أحمد الريفي – السيد محمد المدني – السيد عبد الرحيم المحبوب – السيد يوسف مقرب – الشيخ فالح الظاهري – السيد علي بن عبد المولى – السيد محمد بن حسن البسكري – السيد محمد المُثنى الغدامسي العباسي.
 
أما بقية السادة الإخوان و كلهم بررة كرام و جهابذة أعلام كانوا يضطلعون بمهام الأمور اللازمة والضرورية للحركة السنوسية كمشيخة الزوايا و الأسفار لنشر الدعوة و إصلاح ذات البين و الجهاد في سبيل الله و ترتيب أمور الحياة من زراعة و تربية مواشي و جلب المستلزمات الضرورية من الأرزاق والملابس إلى غير ذلك ...و على العموم كان إخوان الحركة السنوسية ينقسمون إلى أربعة أقسام و هي:
 
1 – الملازمون للإمام السنوسي و القائمون بالأمور الإدارية و التعليمية في المركز الرئيسي.
2 – القائمون بإدارة الزوايا " شيوخ الزوايا ".
3 – القائمون بالسفارة و نشر الدعوة و التفتيش على الزوايا و ما يتبعها .
4 – القائمون على الزراعة و تربية المواشي و الصناعات المختلفة.
 
(الزاوية السنوسية تجربة رائدة لمجتمع إيجابي)
 
لقد كانت كل زاوية تحتوي على كل متطلبات الحياة الضرورية ..فيكون بها المسجد للصلاة و تعليم القرآن قراءة وحفظاً ... و في أغلب الأحيان يكون شيخ الزاوية هو إمام المسجد و المعلم حتى يتهيأ من المتعلمين من يستطيع القيام بهذه الواجبات ..فيقيمه بدلاً منه ..و يقوم إمام المسجد كذلك بإرشاد الناس و إصلاح ذات البين و دلالتهم على الله ... كما يكون بكل زاوية مكانٌ مُعد للضيوف من عابري السبيل .. و ينتشر في الزاوية الصناع المهرة أصحاب المهن المختلفة ، و يوجد بالزاوية المزارعون مع الآلات اللازمة للحرث والزرع و الحصاد ..و أيضاً الدواب اللازمة للخدمة من خيل و إبل .. هذا و تقوم كل زاوية بالإشراف على السكان المجاورين لها و القبائل المحيطة بها.. وكل زاوية تبعث بقسطها مما هو لازم و ضروري للمركز الرئيس بعد حساب حاجتها و حسب مستطاعها من الحبوب و المواشي و الأرزاق المختلفة .. و هكذا كانت حياة الزوايا السنوسية و حيويتها و مساهمتها في سياسة أمور الدنيا و الدين.
 
يتبع....
 
تصنيف – صلاح عبد العزيز
salahalimami@yahoo.com
 
 

جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع >>>> ليبيا المستقبل منبر حر لكل من يطمح ويسعى لغد أفضل لليبيا الحبيبة

 

libyaalmostakbal@yahoo.com