(ترجمة حياة
رئيس المجاهدين السيد أحمد الشريف السنوسي)
(عودة والده السيد محمد الشريف إلى الجغبوب و وفاته
بها)
استأذن السيد
محمد الشريف من أخيه و شقيقه محمد المهدي في العودة إلى
الجغبوب فأذن له بعد تردد كثيرٍ لما في ذلك من فراق أخوين
حبيبين قد تربيا وعاشا مدة نصف قرنٍ كامل لم يذوقا طعم
الفراق بينهما والبعد عن بعضهما ولو يوماً واحداً. لكن
المقادير إذا حان أوانها فإنها تجري بأمر الله بحسب قضائه
و قدره سبحانه.
عزم السيد
محمد الشريف أمره للعودة ورتب لوازم رحلة عودته ، فكان
ليوم خروجه من الكفرة لوعة قاسية حيث غادر الكُفرة في
اليوم الثالث عشر من شهر صفر – 1313 هجري – 5 – أغسطس –
1895 ميلادي. وفي رفقته إبنه البار صاحب الترجمة السيد
(أحمد الشريف ) مدة ثلاثة أيام، وقد اشتدت وطأة الآلام
بالسيد محمد الشريف إلى درجة أن ابنه وعموم الإخوان الذين
كانوا مرافقين لسيادته قرروا العودة به إلى (الكُفْرة)
لشدة ما رأوا من تدهورٍ لحالته الصحية، غير أنه رحمه الله
لم يركن إلى هذا القرار واعتزم موالاة السفر توكلاً
واعتماداً على الله تعالى.
ولعلمه بحاجة
شقيقه السيد محمد المهدي إلى ابنه البار المرافق له السيد
(أحمد الشريف) أمره بالعودة لخدمة عمه (محمد المهدي) وشد
أزره مؤثراً أخيه على نفسه، فما كان من السيد أحمد الشريف
إلا أن لبَّى رغبة واله بإمتثال أمره وتقدم لوداعه الأخير
باكيَ العين حزين القلب جريح الفؤاد.
عاد إلى عمه
وقام بما كان يقوم به والده من إدارة كافة الأعمال الرحلة
ومتعلقاتها وبقي قرابة عام على تلك الحالة حتى أول عام
1314 هجري – يونيو 1896 – ميلادي. حيث حضر إخوانه ووالدتهم
بعد وفاة والده رحمه الله في الجغبوب في 27 – رمضان – 1313
هجري – 12 – مارس – 1896 ميلادي. وكان يرأس القادمين شيخه
السيد (أحمد الريفي)، وبعد وصول هذا الوفد للكفرة خفَّت
المسئولية عن السيد أحمد الشريف نوعاً ما.
(زيارته لوالده و جده في الجغبوب)
كان تأثره
لوفاة والده عظيماً جداً، ولذلك التمس من عمه الإمام (محمد
المهدي) الإذن له بزيارة والده وجده السيد محمد بن علي
السنوسيي، فأذن له وتوجه إلى الجغبوب وبعد تمام الزيارة
قفل راجعاً، وبعد عودته شرع ثانياً في تلقي العلوم على
شيخه السيد أحمد الريفي.
(رحلته مع عمه الإمام محمد المهدي إلى قرو بالسودان)
غير أن المدة
لم تطل للإمام السيد محمد المهدي في الكُفرة ولم يقم بها
سوى أربعة أعوام ونصف بداية عام 1313 هجري – 1895 ميلادي.
وفي النصف الأخير من عام 1317 هجري – 1900 ميلادي. رحل
الإمام محمد المهدي عن بلدة الكُفرة بأتباعه و عوائله
جميعاً إلى جهة الجنوب حيث دامت الرحلة مدة شهرين تقريباً
حتى وصل الركب بلدة (قَرْو) في منطقة (برقو) إحدى مقاطعات
تشاد (1) التابعة للسودان الفرنسي، وفي (قرو) توجد زاوية
للسادة السنوسية كما توجد في السودان الفرنسي عدة زوايا في
الأماكن التالية: وادي كلك – أرضا - علالي – وجنقة الكبرى
– وجنقة الصغرى – ون. وغيرها، وبعد وصول السيد المهدي إلى
(قرو) استقر بها و انتشرت دعاته في مختلف مدن السودان ..
انتشرت تعاليم الدين الإسلامي حيث كانت الوثنية ضاربة
أطنابها في عموم أنحاء السودان إلاَّ ما قل، ولذلك كانت
فرنسا مرتاحة لحالة السودان؛ لكن لما قدم الإمام السيد
المهدي وبدأ في الدعوة إلى الله وهبَّ السودانيون لإمتثال
دعوته واعتناق الديانة الإسلامية فزعت هناك فرنسا وجندت
جيوشها الجرارة وبدأت تتتبع السنوسيين بإعلان الحرب عليهم
في تلكم الجهات، فقابلهم الإمام المهدي بالمثل ونشبت الحرب
واشتد أوارها بين الفريقين، ووقف السودانيون إلى جانب
السنوسيين وكان بدء القتال سنة 1319 هجري – بالمكان
المُسمى (علالى) حيث توجهت إليها من (فرلمي) الحملة
الفرنسية المكونة من المشاة والهجانة والتي كان ينوف
تعدادها عن الثلاثة آلاف مقاتل مزودين بالسلاح والمعدات
الحديثة .. فدافع الإخوان السنوسيون في (علالي) دفاع
الأبطال وصدوا هذه الحملة تاركة وراءها أشلاء الموتى
وجثثهم. ثم عاود الفرنسيون الكرة بعد الفرة وعادت قواتهم
ثانية إلى (علالي) ودارت رحى الحرب وأسفرت المعركة أيضاً
عن هزيمة الفرنسيين .. واستشهد في المعركتين من أبتاع
السنوسيين ما يزيد عن المائتين شهيداً .. ومن الفرنسيين ما
ينوف عن الخمسمائة قتيل بينهم خمسة وعشرين (25 ضابطاً)
برتبٍ مختلفة؛ وعادت الحملة الفرنسية كرات كثيرة وعمت
الحرب أنحاء السودان الفرنسي وتوالت النجدات إلى المجاهدين
من برقة، وفي هذه الأثناء مرض الإمام المهدي حيث أصابه
ألمٌ يشبه الحُمى فكان يخف أحياناً ويشتد أحياناً مع
ملازمة الإسهال الشديد لسيادته ... وهكذا دامت حالته ما
يقرب العشرين يوماً ثم ما قدره الله له وأراده والأمر بيد
الله يفعل في ملكه ما يشاء ويحكم ما يريد ولا راد لقضائه
ولا معقب لحكمه، فسبحانه من إله عظيم قادر رحيم يحي ويميت
وهو حي دائمٌ أبدا لا يموت بيده الخير وإليه المصير وهو
على كل شيء قدير.
(قيام السيد أحمد الشريف بالأمر بعد عمه)
نعود إلى
الوراء قليلاً لنعرف منطلقات الدعوة السنوسية من أول لحظة
ومن أول يوم. لقد قام السيد محمد بن علي السنوسي بالدعوة
إلى الله والدلالة عليه والحض على العمل بكتاب الله
والتمسك بما صح من سنة رسوله السمحة دون غلوٍ أو تفريط
وذلك بتحري أقواله وأفعاله الله صلى الله عليه وسلم من
خلال ما أثبتته الروايات الصحيحة سواء كان ذلك عند السادة
المالكية أو الشافعية أو الحنابلة أو الأحناف، هذا مع كون
مذهبه مالكي. وكان ابن السنوسي يقول دائما: "مذهبنا مالكي
ونعمل بالحديث" وكان خلاف المالكية يتعوذ ويجهر بالبسملة
مع الفاتحة والسورة، ويُؤَّمِن ويرفع يديه عند الركوع
والرفع منه، ويرفع يديه كذلك أثناء دعاء القنوت ويُسلم على
الجهتين بعد التشهد الأخير؛ يفعل ذلك كله لثبوت فعله - صلى
الله عليه وسلم - لها. كان ذلك دأب الإمام السنوسي الكبير
وتصدر للفتوى وأوقف نفسه لله تعالى آمراً بالمعروف ناهياً
عن المنكر نافعاً للعباد مرشداً لهم إلى الطريق المستقيم
حاضاً على الأعمال المرضية لرب العباد والنافعة لهم ...
فسخر الله له القلوب ببركة حُسن نيته وإخلاصه في عمله..و
تعلق به مريدو الخير ومحبوه، ولمس فيه الخاصة والعامة
النفع بالله تعالى فلزموا غرزه واقتدوا بأفعاله وصاروا
رهناً لإشارته وبادروا بتنفيذ أوامره المفيدة والمحددة
فيما يختص بنفعهم في شؤون الدين والدنيا؛ وكان ذلك كله
بتوفيق من المولى سبحانه وعونه (وما تشاءون إلا أن يشاء
الله) وكان رحمه الله ممن نور الله بصائرهم وفتح عليهم ...
وكان يُكثر من ذكر تسلط الأعداء وكثرة الأهواء، ومما كان
يحذر منه استيلاء حكومة (النابلطان) بلغته أي الطليان على
طرابلس الغرب وبرقة وفزان والجبل الأخضر.. ويذكر بعض
القبائل قائلاً: إن آل فلان يصدقون و آل فلان يوالون العدو
إلى غير ذلك من الإلهامات التي ظهرت عياناً كظهور الشمس في
رابعة النهار بعد مرور ما يزيد عن خمسين سنة من ذكره لها
وقبل وقوعها؛ ومن هنا تشبعت نفوس الليبيين بروح المقاومة
والعداء للإيطاليين قبل معرفتهم واستعدوا لمواجهة تلك
الوقائع، وكان السيد محمد بن علي السنوسي يذكر في إشاراته
حصول النصر والفرج بعد تلك الشدة ويومئذً (يفرح المؤمنون
بنصر الله) والحقيقة التي لا ينكرها السنوسيون وأتباعهم أن
الجهاد ومقاومة السنوسيين للطليان مدة تزيد عن ربع قرن كان
سببها الحقيقي تلكم الروح التي أذكاها السيد محمد بن علي
السنوسي في نفوسهم والأمور التي أخبر بها والفرّج الذي بشر
به. لذلك ومما تقدم يتضح للقارئ الكريم أن الحركة السنوسية
لم تقم بحد السيف ولم تكسب القلوب بالدرهم والدينار أو
بالحيلة.. وإنما قامت على الدعوة لله وحده والنصح لعباده
والسعي إلى السعادة والإنقاذ من الجهالة والإنحراف...
فكانوا يبنون المساجد ويوفرون المعلمين لأبناء البلد
ويسعون للألفة بين الناس ونبذ الضغائن والشقاق.. يعلمون
المواطنين أمور دينهم التي يتعبدون بها الله على بصيرة ولا
يسألونهم على ذلك أجراً .. وبذلك عم َ النفع وحصلت الفائدة
واجتمعت الكلمة وتآلفت القلوب. دام على ذلك الإمام محمد بن
علي السنوسي مدة حياته وتابعه علماء جهابذة تخرجوا من
مدرسته وتشبعوا بروحه وسلكوا طريقه وبايعوه على الإستماتة
في سبيل مواصلة دعوته؛ فلما تُوفي اجتمع هؤلاء الجهابذة
الأعلام وقرروا الالتفاف حول السيدين الصغيرين فشبا على
الكمال والإستقامة وسلكا مسلك والدهما وطريقه ... ولما قدر
الله وفاة السيد محمد الشريف ثم بعده بثمان سنوات لحقه
شقيقه السيد محمد المهدي، أصبح السيد (أحمد الشريف) الشخص
الوحيد من العائلة السنوسية لوراثة مسؤولية عمه وذلك لأنه
تشرف بخدمته وملازمته مدة تزيد عن العشرين عاماً تشبع
خلالها بمبادئه السامية وتخلق بأخلاقه العالية واطلع على
بواطن أمره وظواهره حتى أصبح نسخة منه إذ أجازه عمه بكل ما
يصح له وعنه حسب القانون المُتبع عند الشيوخ فقام بالأمر
أتم قيام و سير الأعمال على حسب ما يُرام، سلك مسك واله
وعنه فلم يستبد بسلطته ورأيه بل اتخذ شيخه وشيخ واله وعنه
السيد (أحمد الريفي) قدوته ومرجعه في كل جليل وحقير
وملَّكه زمام أمره فلا يصدر إلا عن رأيه ولا يعمل إلا
بمشورته وموافقته مع حُنوه وعطفه على إخوانه وبني عمه وتفق
أحوال الكبير و الصغير .. أما فيما يخص الشأن الخارجي
وخاصة الحرب والجهاد ضد فرنسا فإنه لم يحد عن خطة عمه التي
رسمها لهم، بل زاد بهمته وعزيمته فكان يرسل الإمدادات
الواحدة تلو الأخرى و كلما بان خللٌ في ناحية بادر إلى
تداركه وسده .. وكما تقد كانت أموره كلها لا تصدر إلا عن
مشورة شيخه (أحمد الريفي) وبأمره، وهكذا دامت الحالة زيادة
عن العام في (قرو) بعد وفاة السيد المهدي.