15/11/2007

 
 
محمد القزّيري .. في ذمّة الله
 
 

 
رحم الله محمّد حسين القزيري رحمة واسعة، وغفر له ولنا. لقد حزنت لنبأ وفاته حزنا فريدا خاصّا لأن رباط الصداقة التي نشأت بيني وبينه ترجع لأكثر من نصف قرن، إلى بداية الخمسينات من القرن المنصرم، عندما كنّا زميلي الدراسة الثانويّة ببنغازي، وتقاسمنا "بنك" فصل واحدا، وبالإضافة إلى إعجابنا وتعلّقنا بمحاضرات أستاذنا الشّاعر المصري الرقيق علي محمّد حمد، شغفنا معا بقراءة نفس الكتب الأدبيّة القليلة التي كنّا نختلسها من معهد الثقافة الأمريكي، لانعدام المكتبات العامّة وضيق ذات اليد وقلّة الحيلة. وقضينا سنين الدراسة وهذه الفترة من حياة الشباب البائسة التعيسة، متلازمين في مذاكرة الدروس، وقضاء الأمسيات في مشاهدة الأفلام السنيمائيّة والأمريكيّة بالتحديد، حتى أنّنا كنّا نتبارى في حفظ أسماء كبار الممثلين والممثّلات من عمالقة الخيالة. دون أن يبعدنا ذلك عن الإنشغال بالقضيّة الوطنيّة، والإنغماس في الشأن العام والعمل الإجتماعي. ولا أنسى أنه كان أوّل من نقل أغلب قصائد شاعر الحماسة الوطنيّة إبراهيم الأسطى عمر ورسمها بقلمه الرّشيق في كرّاسة أخذتها معي حين انتقلت للعمل الثقافي والإعلامي في طرابلس عام 1954. فلمّا أطْلعتُ عليها الأديب البحاثة علي مصطفي المصراتي، ألحّ عليّ في أن أعيره إيّاها ليرجعها إليّ في اليوم التالي، ففعلت. ولكني لم أحظ برؤيتها مرّة أخرى، إلاّ عندما نشرها المصراتي كديوان للشاعر المبدع الفقيد، فما حزنت على السطو المصراتي الظريف، الذي أراد من ورائه أن يحرز كسب السبق في التعريف الواسع بشاعر درنة الكبير في عاصمتنا الزاهرة طرابلس، أوّلا لأنني كتبت، قبل صدور الديوان، مقالا تحليليّا عن أسطى عمر في مجلّة "هنا طرابلس الغرب" موشّى بقصائده الوطنيّة، فسبقت علي مصطفى المصراتي في مسألة التعريف، وثانيا توفّرت له إمكانيّات لم تتوفّر لي، وبذلك كسبت الثقافة الوطنيّة ديوانا ثمينا في مكتبتها!
 
ومرّت السنون وكرت فافترق بنا طريق الحياة. واصل محمّد القزيرى مسيرته الدراسيّة الأكاديميّة التي أوصلته إلى الجامعات الأميركيّة المرموقة، وعاد إلى الوطن ممتلأً بثقافة عصريّة، بعد أن أمتلك ناصية اللغة العربيّة وآدابها، ليصدم بواقع المتناقضات، إذ وجد أنصاف المتعلّمين يتبوّأون المناصب العليا في الدولة والمجتمع، ويصبح هو يدور على الهامش في شوارع بنغازي وأزقّتها. ولأن بنيته الجسديّة إتسمت بالهزال، ولا تتحمّل نكسات الحياة ونحسها، وفي حناياه يضطرب حسّ الأديب الرهيف، فقد أصيبت نفسه بارتدادات الأمل الخائب، وانعكاس الرؤيا المتشائمة، وصدمة الواقع المرير. فلم يجد بدّا من الهجرة والإغتراب. وهكذا كانت لندن ملاذا تنسّم فيه عبير الحريّة، وساحة نشاط فكري حضاري طليق، فانخرط في حركة النضال الوطني ردحا من الزمن. وبعد أربعين سنة من فراقنا، بحثت عنه عندما قيل لي إنه في عاصمة الضباب، فلم أهتد إلى مكانه إلاّ عندما عثرت على إسمه ضمن محرّري مجلّة "المجلّة"، فاتصلت به هاتفيّا. ولو لم أذكر له لازمة لفظيّة لايعرفها إلاّ هو وأنا، لما أقدم على الحديث، إذ كان منعزلا منكفأ كالرّاهب في صومعته. فذهبت إليه فكانت فرحة غمرتنا بذكريّات الشباب ولهفة التشاكي من هموم الزمن العضوض.. وبعد إتاصالات هاتفيّة قليلة متقطّعة بيننا إنقطعت عنّي أخباره، لأنه غيّر رقم الهاتف واحتفظ به لنفسه، وعجزت عن الإهتداء إليه رغم جهود الأصدقاء القدامي المشتركين. وما زلت محتفظا له بعمود كتبه في المجلّة عن "الكومبيوتر" - رغم بخله في الكتابة - ويعود إلى سبع سنوات مضت، مدّة الفترة التي انقطع فيها. وفي نهاية العمود تطلّع محمّد القزيّري إلى المستقبل "لكي يأتي يوم يستطيع فيه الإنسان أن يدلق كلّ ذكرياته الرديئة في جوف الجهاز ويأمره بمحوها نهائيّا أو معالجتها - إن كان شاطرا حقّا- ثم تحويلها إلى أحلام لذيذة وحكايات سعيدة. فهكذا يكون التفاعل الخلاّق بين الإنسان والآلة". وشاءت الأقدار أن يختفي محمّد القزيّري نهائيّا، قبل أن يدفن "ذكرياته الرديئة" وأن يتمتّع "بالأحلام اللّذيذة والحكايات السعيدة".. ولكن له بمشيئته تعالى التمتّع بالرضوان والمغفرة الإلهيّة. وهو ما نضرع إليه تعالى أن يتغمّدنا بهما، وأن يلهم أبناء فقيدنا جميل الصبر ونعم السلوى. وإنا إليه وإنا إليه راجعون.
 
صديقه الحزين: مفتاح السيّد الشريف
 

 

libyaalmostakbal@yahoo.info