18/05/2008 |
|
||||||||||||||
|
|
|||||||||||||||
|
|||||||||||||||
المظلومية هي حجر الزاوية في فكر الأقليات، من دونها يصحو العقل من غيبوبة سيكولوجية تنحدر به دركات سحيقة في الفكر والسلوك والمعتقد، وهي وسيلة الأقلية في حشد جمهورها والبقاء على قيد الحياة. وللأقليات مهارات تراكمية تاريخية في الإبقاء على جذوة المظلومية وتأجيجها عند الحاجة، وعلى إدارة ماهرة شاملة لشؤون مجتمع المظلومية، ما تحسده عليها الأغلبية التي تتوهم وتصطدم بفطرتها الاجتماعية والسياسية عندما تحاول مجاراة هذه المهارات.تسعة أعشار مظلومية الشيعة مغالطات وتلفيقات والعشر المتبقي صحيح، ومن يتابع ما يفعله الشيعة في العراق ولبنان مع المجتمع الكبير، وما فعله النصيريون في سوريا، والحوثيون في اليمن تتضح له حقيقة العشر الصحيح، ويفهم لماذا الدورة السياسية للشيعة قصيرة، ولماذا لم تدم لهم دول، ولم تلتف الشعوب حول شعاراتهم، ولماذا يأتي رد الشعوب عليهم قاسياً.يبدي الصعود السياسي الشيعي حنكة ودهاءً عالياً في توظيف الأحوال الدولية لمقاصدهم، لكنه دهاء لا يلبث أن ينقلب إلى حماقات قاتلة، ما يحمل على القول: إن أقوى حقب المسار الشيعي ـ والأقليات بشكل عام ومنها الصهيونية ـ هو حقبة الضعف السياسي التي تشق فيها آيديولوجيا الاستعطاف طريقها في المجتمعات، وأضعفها هو حقبة التمكن السياسي الذي تضعف فيها قدرة الأقلية على كتمان الباطن وتتقيأ ما في داخلها، فتستيقظ الشعوب على نتانة الجو، وتخسر الأقلية في أشهر ما كسبته في عقود أو قرون. وهذا ما فعله الخميني الذي أعلن عن كسروية ثورته في ظرف عام قاطعاً الطريق على السذج من أهل السنة الذي بدا لهم أنه مجدد القرن.مشاق الأقلية في حقبة التمكن يكمن في طغيان عامل البصر والمشاهدة عند الجمهور على عامل السمع والتلقين، فيخسر الكتاب والخطبة لصالح الشاشة. في هذه المعركة خسرت الصهيونية في أوربا ـ مهد الصهيونية ـ بنسبة 67% لصالح مشهد محمد الدرة على الشاشات وهو يتلقى رصاصات الصهاينة في صدره على الهواء مباشرة، وفارق الحياة في حضن والده. ما تفعله المليشيات الشيعية في العراق لا يقل عن شراسة وحماقة الصهاينة.وصول الأقلية إلى موقع التمكن السياسي في لحظة استثنائية، واستحواذها على دور الأغلبية، يخرجها من عتمة الدهاليز والسراديب إلى دائرة الضوء، ومن دائرة الإهمال إلى دائرة التدقيق لشعارات أطلقتها وصكوك فكرية أصدرتها بلا رصيد تاريخي، ويضطرها إلى مزاولة أدوار في العلن كانت تزاولها في الخفاء.كان الشارع العربي قبل احتلال العراق في حالة موت سريري ثقافي، سببه جرعة عالية طويلة الأمد من ثقافة "وطنية" دثّرت في الأمس الذين يحاصرون الموصل اليوم وتوأمتها بيروت الغربية وغيرهما بدثار الوطنية ووضعت على صدورهم أنواط الشجاعة والشرف.الذين دافعوا عن "الجناح الشيعي في الفكر القومي العربي"، ورموا بنعوت التخلف المحذرين من ثنائية ولائه، يستعيرون اليوم لهجة وقاموس خصومهم في فضح هذا الجناح، ويفتحون ملفات كانت تعد خطوطاً حمراء، وفي الإعلام العربي اليوم نذر مظلومية جديدة للشيعة، وتحذيرات صريحة من أن ما يحدث في لبنان والعراق وسوريا لن يكون في مصلحة أقلية تعيش في بحر أغلبية، وهي تحذيرات التقطها بعض عقلاء الشيعة العرب.الظاهرة هي إعادة اصطفاف فكري لفئات المجتمع المختلفة في مواجهة خطر محدق وعدو واحد محدد المعالم، وإرهصات لتحولات عميقة لا قبل لأقلية مسيئة من الصمود أمامها. هذه الظاهرة سنة من سنن المجتمعات، تحدث وتتكرر في كل مكان وزمان، وهي إما موجهة من قبل منظومة سياسية آيديولوجية كما في ألمانيا النازية ضد اليهود وأمريكا مع مواطنيها من المسلمين، أو تكون عفوية، وهو ما يحدث في المجتمعات العربية اليوم، وهو الأهم والأعمق، لأنه حمل جماعي للمسؤولية، والهدف هو إنقاذ المجتمع وليس إستئصال أقلية.الاعتدال الذي تتسم به الأغلبية في كل مجتمع ـ أهل السنة في هذ الحالة ـ غير مرشح للصمود أمام جموح فكري وعاطفي جماهيري يفتح الباب أمام تطرف ينزل عقاباً قاسياً بأقلية متحامقة ويضيف فصلاً جديداً إلى مسلسل مظلوميتها. عقاب تجلبته قيادات الأقلية على نفسها، وتحمل أجيالها اللاحقة أوزار حماقتها، وتزرع في نفوسهم عقدة الخيانة تجاه المجتمع الكبير.نزع فتيل جموح كهذا هو مسؤولية الأقلية، وهو في متناولها، ما دامت هي المتمكنة سياسياً حتى هذه اللحظة.alhafidh@hotmail.comمعهد المشرق العربينقلا عن موقع: المصريون
|
|||||||||||||||