10/01/2008 |
|
||||||
|
|
|||||||
|
|||||||
حين يطالع القارئ هذا المقال سيكون الرئيس الأميركي جورج دبليو بوش وصل بالفعل إلى منطقة الشرق الأوسط وبدأ جولة واسعة تستغرق أسبوعا أو أكثر قليلا، وتتضمن زيارات ولقاءات متعددة تبدأ في إسرائيل وتنتهي في مصر. وكما تعودنا دائماً في مناسبات كهذه، بدأنا نقرأ ونشاهد ونسمع سيلاً من المقالات والتعليقات تزخر بها وسائل الإعلام المختلفة للترحيب بالزيارة والترويج لها كدليل على جدية الرئيس بوش وحرصه على تقديم رعاية شخصية ومباشرة للمفاوضات الإسرائيلية - الفلسطينية التي أطلقها مؤتمر أنابوليس وكفرصة جديدة لا يتعين على العرب إهدارها للتوصل إلى اتفاق لتسوية نهائية للصراع قبل نهاية عام 2008، أي قبل انتهاء فترة ولاية الرئيس بوش ورحيله عن البيت الأبيض.وكم كان بودي أن يكون هذا الكلام صحيحاً وصادقاً وحسن النية. فمن منا لا يحلم باستقرار هذه المنطقة المستباحة من العالم وتسخير مواردها وإمكاناتها البشرية والمادية الهائلة لأغراض التعمير والنهضة، ووضع نهاية لعنف ودمار يجتاحانها من أقصاها إلى أقصاها كي تجف دماء أبنائها التي تسيل أنهارا، خصوصا في فلسطين والعراق. غير أن ما نتمناه ونحلم به شيء وما هو ممكن شيء آخر يبدو مختلفاً تماما ولا يعطي للأسف بارقة لأي أمل. لذا فليست لدي أية أوهام حول زيارة لا أتوقع منها خيراً للفلسطينيين أو للعرب أو للمسلمين إجمالا، وأرى فيها، على العكس، دليلاً إضافياً قاطعاً على إصرار بوش على الاستمرار في خدمة المشروع الصهيوني حتى آخر لحظة من اقامته في البيت الأبيض.وكي لا يبدو هذا التقييم وكأنه صادر عن مواقف مسبقة تعكسها رؤى وتهويمات أيديولوجية لا علاقة لها بما يجري على أرض الواقع، أرجو القارئ أن يتأمل معي برنامج زيارة الرئيس بوش في المنطقة وأهدافها وفقاً لما طرحه مسؤولون أميركيون على أعلى المستويات، مثل ستيفن هادلي مستشار الرئيس بوش للأمن القومي. ففي مؤتمر صحافي عقده هادلي يوم 3 كانون الثاني (يناير) الجاري ونشر موقع البيت الأبيض على الانترنت محضره الحرفي، حدد هادلي أربعة أهداف رئيسية لهذه الزيارة، وذلك على النحو التالي:الهدف الأول: إعادة تأكيد التزام الولايات المتحدة بأمن أصدقائها وحلفائها في الشرق الأوسط، خصوصاً في منطقة الخليج.الهدف الثاني: التنسيق مع أصدقاء وحلفاء الولايات المتحدة في ما يتعلق بخطط مكافحة الإرهاب والتطرف ونشر الحرية وإرساء دعائم السلام وتحقيق الرفاهية.الهدف الثالث: تقديم كل دعم ممكن للشعوب والديموقراطيات الناشئة أو الوليدة في المنطقة، خصوصا في أفغانستان والعراق ولبنان وفلسطين!الهدف الرابع: استعراض التحديات التي تواجه المنطقة، بخاصة التحدي الإيراني، وبحث سبل إقامة ودعم نظام إقليمي للأمن يكون قادرا على مواجهة هذه التحديات وتمتين روابطها الاقتصادية بالولايات المتحدة.أما برنامج زيارة بوش للمنطقة، والذي استعرضه هادلي تفصيلا في مؤتمره الصحافي، فمن الواضح أنه رسم بعناية فائقة ليتوافق ويتناغم مع تلك الأهداف. فبالإضافة إلى لقاءات بوش المتوقعة مع شمعون بيريز وايهود أولمرت والرئيس الفلسطيني محمود عباس ورئيس الحكومة سلام فياض والرئيس المصري حسني مبارك وقادة الدول الخليجية التي سيزورها، يتضمن برنامج الرئيس بوش أمورا عدة أخرى لافتة. ففي إسرائيل سيقوم الرئيس الأميركي بوضع إكليل من الزهور فوق النصب التذكاري لضحايا «الهولوكوست». وفي الكويت سيقوم بتفقد القوات المرابطة في أحد معسكرات الجيش الأميركي هناك وسيعقد فيها جلسات عمل مع الجنرال بترايوس، قائد القوات الأميركية في العراق، والسفير ريان كروكر سفير الولايات المتحدة لدى العراق، كما سيحضر أيضاً مائدة مستديرة تنظمها المرأة الكويتية عن الديموقراطية والتنمية. وفي الإمارات سيلقي خطاباً شاملاً في أبوظبي يستعرض فيه ما شهدته منطقة الخليج من تقدم وازدهار ويركز على الحاجة الماسة الى الأمن والاستقرار للمحافظة على ما تحقق من مكتسبات، ثم سيعرج بعد ذلك على دبي لتحية حاكمها. أما في البحرين فستشمل زيارته هناك جولة تفقدية على الأسطول الأميركي الخامس.لا أظن أن القارئ يحتاج إلى فطنة خاصة كي يستخلص من حديث هادلي حقائق لا تقبل الشك في ما يتعلق بجوهر ما يسعى بوش الى تحقيقه في جولته الحالية للمنطقة. وفي تقديري أنه يمكن تلخيص هذه الأهداف، من المنظور العربي، في ثلاثة:الهدف الأول: تعميق التناقضات القائمة بين ما تعتبره الإدارة الأميركية محور التطرف في المنطقة، وعلى رأسه إيران، وما تعتبره محور الاعتدال. وبالتالي يتوقع أن يبذل بوش خلال هذه الجولة كل ما في وسعه، بما في ذلك اللجوء إلى تقديم معلومات مزورة، لتأليب محور المعتدلين على محور المتطرفين. وإذا ما ترجمنا ذلك عمليا يمكن القول إن بوش سيعمل على إقناع الدول العربية بأن إيران تشكل الخطر الرئيسي على المنطقة ومن ثم يتعين العمل على عزلها وإضعافها وكذلك كل من يتحالف معها، خصوصاً «حزب الله»، كما سيحاول إقناع الدول العربية بأهمية استمرار عزل حركة «حماس» والعمل على قطع الطريق على أي محاولات لتشجيع الحوار معها إلا بعد أن تستجيب وتوافق مسبقا على كل الاتفاقات المبرمة، بما في ذلك خارطة الطريق!وثانيها: استعراض واضح للقوة يستهدف إرسال رسائل واضحة لكل الأطراف، الأعداء منهم والحلفاء على السواء. فبالنسبة لمعسكر «الأعداء»، وفي القلب منه إيران، تريد الإدارة الأميركية التأكيد على أن كل الخيارات أمامها، بما فيها خيار استخدام القوة المسلحة، ما زالت مفتوحة، وبالتالي فإن التقرير الصادر أخيراً عن أجهزة الاستخبارات الأميركية نفسها، والذي يبيض وجه البرنامح النووي الإيراني الراهن، لن يضعف من تصميم ادارة بوش أو يفت من عزيمتها إذا ما لزم الأمر. أما بالنسبة لمعسكر «الحلفاء»، فتريد الإدارة الأميركية طمأنته أن بوسعه الاستمرار في الاعتماد عليها لضمان أمنه وأنها لن تتحول إلى مجرد بطة عرجاء في عام الانتخابات الرئاسية!وثالثها: رسالة ضمنية غامضة ومزدوجة إلى سورية تحمل في بعدها الإيجابي جزرة، إذا اختارت سورية الانصياع إلى نداء العقل وقررت النأي بنفسها بعيدا عن إيران، وفي بُعدها السلبي عصا غليظة، إن هي ركبت رأسها وأصرّت على الإبقاء على تحالفها الاستراتيجي مع إيران.لذلك يمكن القول إن النتائج الفعلية والحقيقية المتوقعة لجولة بوش ستتوقف في واقع الأمر على نوعية الجزرة التي يرغب بوش في، أو يملك ويستطيع، تقديمها لحلفائه أو من يسعى لإغوائهم في المنطقة، خصوصا للسلطة الفلسطينية في حال انخراطها في حرب نشطة ضد «حماس» ولسورية في حال ابتعادها عن إيران. وإذا كنا نملك ما يكفي من المعلومات للجزم بنوعية الجزرة التي من المتوقع أن يقدمها بوش للسلطة الفلسطينية في رام الله، فإننا لا نملك ما يكفي من المعلومات للتعرف على ما قد يقدمه لسورية.وفي ما يتعلق بالسلطة الفلسطينية، فإن أقصى ما يتوقع أن يقدمه بوش هو التزام بحمل إسرائيل على وقف توسيع المستوطنات القائمة أو إقامة مستوطنات جديدة وإزالة ما يسمى بالبؤر الاستيطانية «العشوائية» التي لم تحصل على ترخيص رسمي بإقامتها. أما الكتل الاستيطانية الرئيسية فسيصر بوش على ضمها لإسرائيل، وفقا لما تعهد به في خطاب مكتوب تسلمه شارون قبل سنوات. لكن الأهم أن بوش سيجد نفسه مضطرا، سواء بحكم انحيازاته الأيديولوجية المعروفة أو محدودية هامش المناورة المتاح أمامه للضغط على إسرائيل، للضغط على السلطة الفلسطينية وعلى الدول العربية معا لتخيير اللاجئين الفلسطينيين بين العودة إلى «الدولة الفلسطينية»، حين تقوم، أو التوطين حيث هم مع التعويض. وسيكون من الصعب على أي «سلطة» فلسطينية أن تقبل بحل من هذا النوع، كما سيكون من الصعب على الدول العربية أن تقبل به، خصوصا وأن ضغوطا هائلة ستمارس على بعضها للقبول ببعض أشكال التطبيع قبل قيام «الدولة الفلسطينية» بدعوى حفز إسرائيل على اتخاذ خطوات شجاعة.أما في ما يتعلق بسورية فما زال الغموض يكتنف حقيقة الموقف الأميركي. وتشير معلومات جرى تداولها مؤخرا، وربما تسريبها عمدا لاستخدامها كبالون اختبار، إلى خطة أميركية إسرائيلية مشتركة من ثلاث مراحل تبدأ هذا العام وتتواصل حتى عام 2020. ما يلفت النظر في هذه الخطة أن إسرائيل ما تزال متمسكة بعدم الانسحاب إلى حدود 1967 وتصر على مصادرة 300 كلم مربع من الأراضي السورية، رغبة منها بالاحتفاظ، في ما يبدو، باستمرار سيطرتها على منابع المياه.وفي إطار قراءتنا الخاصة لطريقة تفكير النظام السوري، والذي ربط مصيره في الواقع باستعادة سيادته كاملة على الأراضي السورية كافة التي احتلت عام 67، فسيستحيل على دمشق قبول عروض من هذا النوع. فهذه الخطة التي جرى الحديث عنها لا تقضي فقط بإرغام سورية على فك تحالفاتها مع إيران و «حزب الله» والمقاومة الفلسطينية، لكنها تفرض عليها أيضا قيودا حول التسلح تكاد تحولها إلى دولة منزوعة السلاح أو، على الأقل، تقبل طواعية بتفوق إسرائيلي نوعي ودائم في مجال التسلح. وإذا صح وجود مثل هذه الخطة فليس لها من معنى سوى واحد من بديلين، الأول: أن يكون جهل الإدارة بحقائق ما يجري في المنطقة أوصلها إلى درجة من العمى المطلق، وهو ما نستبعده، والثاني: أن تكون هذه الإدارة مصرة على مساعدة إسرائيل على إلحاق هزيمة تامة ونهائية بالعالم العربي وتمكينها من فرض شروطها للتسوية كاملة، وهو الاحتمال الأرجح من وجهة نظرنا.فالواقع أن إعادة فحص موقف الرئيس بوش من الصراع العربي الإسرائيلي يظهر بوضوح أنه كان شديد التطرف في انحيازه لإسرائيل منذ اللحظة الأولى لتسلمه السلطة عقب فوزه في انتخابات2000 ولم يتغير هذا الموقف حتى الآن. وبالنسبة إلى رؤيته لحل الدولتين التي طرحها منذ العام 2002، لم تكن في واقع الأمر سوى حلقة في عملية إدارة محددة واضحة المعالم للصراع العربي الإسرائيلي تستهدف الالتفاف حول قوى المقاومة بكل أشكالها وإعادة صياغة وبناء التحالفات في المنطقة بما يكفل القضاء على هذه القوى وتصفيتها نهائيا ويسمح في نهاية المطاف بإقامة كيان فلسطيني هزيل لا يملك من مقومات الدولة الحقيقية شيئا، لكنه يشكل في الوقت نفسه حلا أمثل لتحد كبير تواجهه إسرائيل وتطلق عليه في أدبياتها «القنبلة الديموغرافية». ومع ذلك فحين يقوم هذا الكيان ستبقى مسألة أخيرة معلقة وهي ترحيل عرب فلسطين في إسرائيل تنفيذا لالتزام السلطة الفلسطينية بتعهداتها الخاصة بالموافقة على «يهودية» الدولة الإسرائيلية، وهو ما يجري التمهيد له منذ الآن. لذا تبدو لي رحلة بوش للمنطقة، في ظل تعثر مشروعه في العراق ولبنان وفلسطين، وكأنها محاولة «كاوبوي» لإطلاق رصاصته الأخيرة.* كاتب مصرينقلا عن صحيفة الحياة اللندنية
|
|||||||