03/01/2008
 

النص الكامل لشهادة تاريخية هامة للرئيس ابو مازن
لبرنامج تسجيل وتوثيق تاريخ الثورة الفلسطينية

 
أدلى السيد الرئيس محمود عباس، بشهادة تاريخية هامة، تناولت محطات مفصلية في تاريخ القضية والثورة الفلسطينية منذ انطلاقتها في الأول من كانون ثاني/يناير عام 1965.
 
وجاءت شهادة سيادته التي بثها تلفزيون فلسطين، الليلة الماضية، ضمن برنامج تسجيل وتوثيق تاريخ الثورة الفلسطينية الذي تنفذه دائرة الشؤون الفكرية في حركة التحرير الوطني الفلسطيني/ فتح.
 
وحاور سيادته، يحيى يخلف، المشرف العام على المشروع، مفوض الشؤون الفكرية والدراسات في حركة فتح.
 
واستعرض السيد الرئيس الظروف الصعبة التي مر بها شعبنا منذ عام 1948م، وبعد صدور قرار التقسيم.
 
وتطرق السيد الرئيس بالتفصيل إلى الظروف التي سبقت انطلاقة حركة فتح في الأول من كانون الثاني عام 1965م.
 
 
وقال، درسنا عملية الانطلاقة رسمياً في 1/9/1964، ويومها اختلفنا مع بعضنا، كان أبو جهاد في الجزائر، فحضرنا الاجتماع تسعة أعضاء هم: محمود الخالدي، د. حسام الخطيب، محمود عباس، أبو يوسف النجار، عادل عبد الكريم، ياسر عرفات، محمود أبو الفخر، عبد الله الدنان، محمد الإفرنجي، وبدأ الخلاف على التريث في البدء، وعدم التريث، فبعض الإخوان كان رأيهم عدم البدء، دون أن يكون لدينا كامل الاستعداد.
 
وأضاف، البعض الآخر كان رأيه أن نبدأ ونتابع، نطلق رصاصة أخرى، ونتابع، لكن لا يمكن أن نبقى في انتظار حتى نكمل الاستعداد، فهذا مستحيل، لأنه في النهاية، قد يكشف التنظيم، ربما عند شراء سلاح، أو ذخيرة، ثم قد نعتقل مرة واحدة، فلنبدأ وننطلق، فأطلقوا على الرأيين، رأي العقلاء، ورأي المجانين.
 
وقال، اتفقنا على الانطلاق في 1/9، لكن فشلت محاولة الانطلاقة في هذا التاريخ، وعدنا إلى الكويت، ووجدنا الخلافات على أشدها، ففكرنا في تحديد موعد آخر، فرفض أبو عمار الفكرة، مما اضطرنا أن نضع معه قيادة، أي أن يكون بإمرة قيادة، وكان منهم أبو يوسف النجار، وتوفيق حوري اللبناني، أما كمال عدوان فقد ذهب من أجل متابعة إعلان البيان، واتفقنا على 1/1/1965، وقلنا لأبو عمار أن يصمت، وأن يذهب بإمرة القيادة التي اتفقنا عليها، وأسميناها ( القيادة العسكرية).
 
وتابع سيادته، طبعاً أبو عمار يرفض أن يذهب تحت إمرة أي أحد، وكلنا قلنا له، عليك أن تقبل، حتى نحصل على تأييد الآخرين، وهكذا أيدنا الآخرون، وأوصيناه أن (لا تفشلنا)، وأعود لأقول أن الشعار شيء، والتطبيق شيء أخر، أن تحكي عن الكفاح المسلح، صح، وشيء عظيم، لكن أن تمارس الكفاح المسلح، فشيء آخر مختلف وممتلئ بالخطورة.
 
وأضاف، من حسن الحظ حدثت عملية (البطوف) والتي استشهد على إثرها أحمد موسى، واعتقل محمود حجازي، وأثارت العملية انتشاراً في أخبار العالم، وانطلقت ثورة فتح من السرّية إلى العلن. وقال، إن منظمة التحرير ظُلمت في كثير من الأحيان والمواقف، أولاً لكونها منبثقة عن الجامعة العربية، فنظر إليها على أنها جزء من الأنظمة العربية، لكن الحقيقة تختلف تماماً.
 
وتحدث سيادته عن أهمية معركة الكرامة التي جاءت بعد هزيمة حزيران، وكانت الأمة العربية كلها مهزومة، والشعوب محبطة تماماً، موضحاً أن هذه المعركة كانت رمزاً لبطولة الجندي الفلسطيني والعربي، لأول مرة يقاتل ويواجه وينتصر.
 
وفيما يلي نص المقابلة مع السيد الرئيس:
 
ما أذكره أنه في سنة 1948 وبعد صدور قرار التقسيم، كيف توترت الأجواء في فلسطين، ولا أخفيكم، أن الشعب الفلسطيني لم يكن مستعداً ليصدّ حجم هذه الكارثة، لكن هذا لم يمنعه من التفكير بمأساته، وببداية صحوة، كيف يمكنه أن يتسلح؟ وكيف يمكنه أن يتدرب؟.
 
وكانت الخطوة الأولى، أن قامت المدن الفلسطينية بتشكيل قيادات محلية لها، فعلى سبيل المثال قاموا بتشكيل لجان قومية، ولجان محلية، لجنة قومية تشمل كل المدينة، واللجان المحلية تشمل الأحياء، وكل لجنة حيّ تحاول أن تقدم ما تستطيع للحي.
 
لم تكن لديهم خبرات عسكرية، أو قيادات عسكرية بالمعنى الصحيح، ربما كان هناك بعض قيادات ثورة سنة 1936 مما لا يزالون أحياء موجودين، وهؤلاء كانت خبرتهم قليلة، فلم يمتلكوا خبرة عسكرية صحيحة أمام ما يحصل، ورغم ذلك بدأ الناس بشراء الأسلحة، ذهبوا إلى الدول العربية لشرائها، لكن الوقت لم يكن في صالحهم، فلم يمهلهم طويلاً، لذلك بعد التقسيم في نهاية سنة 1949 اشتدت المعارك، خاصة سنة 1948.
 
في شهر 5 أيار على ما أذكر، وصلت إلينا في منطقة صفد بعض قوات جيش الإنقاذ، بقيادة العقيد السوري (أديب الشيشكلي)، كان في ذلك الوقت برتبة عقيد، وكان معه مجموعة من المتطوعين من الأردن، وسوريا وغيرهما، وأقاموا مركزهم خارج مدينة صفد، وفي نفس الوقت وصلنا ضابط سوري أذكر اسمه (إحسان كملمظ)، واعتقد أنه من أصل تركي أو كردي، ولكنه كان شعلة من الحماس والنشاط، بدأ يدرب الشباب الفلسطيني وبرفقته شاب آخر برتبة نائب ضابط، أو نقيب، ففعلاً، قاما معاً بتدريب الشباب، وحصلت بعض المناوشات، أو المقاومة بين العرب واليهود في ذلك الوقت.
 
كانت مدينة صفد أصلاً، مقسمة بين اليهود والعرب، ففي الحي الغربي كان يسكن اليهود، وفي الحي الشرقي والشمالي والجنوبي يسكن العرب، وتحيط في البلدة بعض المستوطنات أو المستعمرات كما كنا نطلق عليها، كانت تقريباً تحيطنا من معظم الاتجاهات.
 
بعد أسابيع على ما أذكر، انسحب جيش الإنقاذ من المدينة، وكان التأثير سلبياً على سكان البلدة، مما أدى إلى رحيلهم، فقد كان هناك خوف حقيقي، فمدينة صفد، تشبه مدينة الخليل بالنسبة لليهود، فكانت المدينة تخشى من انتقام اليهود على خلفية مذبحة سنة 1929، هذه المذبحة التي اتصفت بأنها كانت الأعنف في صفد والخليل، وعلى إثرها تم إعدام ثلاثة من المجاهدين من الخليل وصفد في مدينة عكا، وهم: عطا الزير، ومحمد جمجوم من الخليل، وفؤاد حجازي من صفد.
 
سيطر الخوف على الناس، فاندفعوا بالخروج من المدينة بشكل عشوائي، وخرجوا على دفعتين، الدفعة الأولى من النساء والأطفال، خرجوا عن طريق الجهة الشرقية نحو شمال بحيرة طبريا، ثم إلى منطقة تدعى (الشريعة) حيث يوجد مصب نهر الأردن في بحيرة طبريا، ثم إلى (البطيحة).
 
أنا وإخوتي الصغار، وزوجة أخي وأولاد أخي خرجنا معاً، وبقي أخواي الاثنان اللذان كانا يحملان السلاح، لكن بعد أسبوع أو أسبوعين، سقطت مدينة صفد، ولحق إخوتي بنا.
 
ومن الغريب أن البلدة لم يعد فيها أحداً من أهلها، كأن الناس لا تريد أن تبقى، بقي حوالي عشرين رجل وامرأة من كبار السن، وأعتقد أن بقاءهم كان لعدم وجود أحد لهم، أو عزّ عليهم الخروج من بيتهم، لكن اليهود بعد شهر، قاموا بإخلائهم من البلدة ونقلوهم إلى قرية ( المطلة ) على الحدود اللبنانية، وألقوا بهم هناك، وهكذا لحقوا بمن سبقهم.
 
كان عمري في تلك الفترة( 13 عاماً) لكني لا أنسى كيف مشينا، وكيف قطعنا النهر، كان ماء النهر مرتفعاً فجاء رجل على حصان، وركّبنا على الحصان، وقطع بنا النهر، واحداً، واحداً وبصعوبة بالغة، كان الماء يصل إلى أكثر من نصف الحصان، وكان قوياً عند المصب.
 
ذهبنا إلى دمشق، ومنها إلى الأردن، وأقمنا في الأردن في مدينة اربد حوالي شهر عند أقاربنا، ثم عدنا إلى دمشق وبدأنا رحلة اللجوء الصعبة، وفي الحقيقة كان هم الفلسطيني، كيف نوفر لقمة العيش؟.
 
فبعد الخروج أصبحنا لاجئين،الشخصية الوطنية الفلسطينية غير موجودة، وكذلك لا توجد قيادة فلسطينية، ولا يوجد تمثيل فلسطيني، لا يوجد أي شيء، ومرجعيتنا الوحيدة ما يسمى مؤسسة اللاجئين الفلسطينيين، ووكالة الغوث، هذا ما كان يمثل الشعب الفلسطيني آنذاك، وكان واضحاً ومقصوداً أن يكون الشعب الفلسطيني هائماً على وجهه، يبحث عن لقمة العيش فقط، وأن لا يخوض في قضايا سياسية، واستمرت هذه الفترة من الضياع وهي سنوات الخمسينات، وأوائل الستينات، حتى إقامة منظمة التحرير الفلسطينية.
 
كانت قضية فلسطين، ( قضية لاجئين )، وكل الدول العربية كانت تتعاطى، إعلامياً، وصحفياً ، ولفظياً مع القضية الفلسطينية دون أي عمل فعلي.
 
أما نحن فكانت لدينا نظرية بسيطة، إذا كان العرب يريدون العمل من أجل تحرير فلسطين، فمن الأولوية لهم ولنا، أن نكون نحن مستعدين، وأن نكون رأس الحربة، فليست قضيتنا مهمة الجيوش العربية وحدها، ونحن مهمتنا أن نكون متفرجين، يعيدون لنا بلادنا، ونحن ننتظر، ونتفرج.
 
فقلنا، لا، نحن نريد أن نقوم بهذا الواجب، هذه هي النقطة الهامة، إننا نريد أن نقوم بواجبنا، ولذلك اتجه الفلسطينيون نحو الأحزاب،البعض قال، حزب البعث هو الأجدر بأن يعيد فلسطين، فشعاره، (أمة عربية واحدة).
 
ألخ، ثم حركة القوميين العرب التي طرحت نفس الشعار، كذلك حركة الإخوان المسلمين، قالت نفس الشيء، ثم حزب التحرير الإسلامي، الذي كان يستغل كلمة تحرير، أي أنهم تحريريون، يريدون التحرير، وهذا ما اجتذب الكثير من الشباب منذ بداية الخمسينيات، وكذلك الحزب الشيوعي الذي أخذ عددا أقل، فأغلب الشباب الفلسطيني ذهب باتجاه الأحزاب القومية، وحزب التحرير الإسلامي الذي كان قد أنشأه فلسطيني اسمه ( السيد تقي الدين النبهان)، وباعتباره حزب مؤسسه فلسطيني، اتجه الشباب إليه، خصوصاً أنه كان يمتلك لغة سياسية،ومحبوكة تماماً، بحيث يستقطب الشباب الصغار، وكان هذا الحزب قد بدأ في الخمسينات 52أو53، ثم أننا كنا نرى الانقلابات التي تجري في سوريا، فعايشنا انقلاب حسني الزعيم، وما بعده إلى الشيشكلي الذي استلم الحكم، إلى فوزي السلو قبله، ثم انتهت هذه الانقلابات في عودة الحكم المدني إلى سوريا سنة1954، وكانت كل الانقلابات ترفع شعارات وطنية متشابهة.
 
في أثناء هذه الفترة بدأ لدينا وعي البحث عن طريق لنا، واذكر أني التقيت مع الأخ أبو الهول رحمه الله، كان تقريباً في السادسة عشرة من عمره، وكان معه أنيس الخطيب، وكانا يحاولان عمل شيء، كل فلسطيني تقريباً في تلك الفترة كان يريد أن يعمل شيئاً، أما مجموعتنا، فكان لها جانب آخر من التفكير، كان معظمنا من طلاب الجامعات، أتحدث عن فترة سنة1954، سنة 1955، وكان لنا هدف واحد لكل المجموعة، أننا إذا أردنا العمل من أجل فلسطين، فلن نستطيع أن نعمل أو نحقق هذا الهدف دون أن نكون أولاً مُدرَبين، وحتى نكون مُدرَبين، فعلينا أن ندخل الكليات العسكرية السورية، ويجب أن يُطبق علينا التجنيد الإجباري، هذا ما كنا نسعى إليه، وحاولنا الاتصال بكل زعماء سوريا تحت هذا الشعار، لماذا لا تسمحون لنا في الدخول في الكليات العسكرية؟ ولماذا لا تقومون بتجنيدنا؟.
أنتم ترفعون شعار فلسطين، ونحن أبناء فلسطين، نحن الأولى بالاستشهاد من أجل فلسطين، وبقينا نرفع هذا الشعار فقط، حتى سنة 1956، ففي هذه السنة، سمحت الحكومة السورية بدخول الفلسطينيين إلى الكليات العسكرية، والحربية والطيران، والبحرية.
 
فاجتمعنا، كل المجموعة التي كانت ترفع هذا الشعار وتدعوا إلى تحقيق هذه الخطوة، لقد تمت الموافقة على ما نريد،وآن الأوان.
 
في الواقع جمعينا كان يعمل من أجل إعالة عائلته، كلنا مدرسين، وفي نفس الوقت، كنا طلاباً ندرس في الجامعات، كنت أنا في السنة الثانية في كلية الحقوق، وزملائي أغلبهم معي في نفس الكلية، وعندما حصلت الموافقة، قلنا، آن الأوان وعلينا أن نلبي الدعوة التي دعونا إليها، وقمنا بتقديم أوراقنا إلى كلية الطيران، كنا حوالي عشرين، ثلاثة منا فقط قبلوا أن يذهبوا للالتحاق بالكلية.
 
كان رفع الشعار سهلاً، وجيداً، ولكن لحظة التطبيق ستكون هناك حسابات، هذه الحسابات كانت مشروعة، فلا أحد يستطيع أن يجبر شخصاً يقوم بإعالة عائلته، وأهله، على أن يتركهم ويذهب، وما أذكره، أننا كنا ثلاثة، أنا، والدكتور محمود المغربي الذي أصبح رئيساً للوزراء في ليبيا، ومحمد السهلي.
 
قدمنا امتحانات، شفهية، ونظرية، نجح محمد السهلي في الطيران وسافر إلى حلب، أنا نجحت في العسكرية لأن العسكرية لا تريد 10 على 10، ( عشرة على عشرة ) في فحص النظر، وأنا كان عندي ثمانية على عشرة، فذهبت إلى الكلية العسكرية، ومحمود المغربي لم ينجح في الفحص الطبي، فذهب إلى الجامعة، وتوزعنا حسب النتائج، وذهبت إلى الكلية العسكرية، وحين دخلنا، قاموا بحلق شعرنا، وثم بدأنا تدريبات، استعد استرح وأعطونا بندقية، وكانوا ينادوننا، يا جندي يا مستجد، فقد كان هناك مستجد، ومتقدم، والدراسة لمدة سنتين، يتحكم فيك المتقدمون الذين كانوا ( ألعن من الضباط )، كنت الفلسطيني الوحيد، ولم أكن أعرف أي أحد من الزملاْء، وأحسست بالوحشة، لكني كنت قد اتخذت قراري، وعلي تنفيذه للنهاية.
 
وبعد مرور أسبوعين، قالوا لنا، أن هناك فحص طبي آخر، فجمعونا، وكان الفحص لكل الجدد الذين التحقوا، وفي الفحص الطبي، كنت من بين الذين لم ينجحوا في الفحص، وانتهى الفحص ظهراً، وبعد الظهر أخذونا للغداء، ثم وضعونا في سيارات، كنا ثلاثين شخصاً، وقالوا لنا مع السلامة، وروحنا.
 
لم أكن قد قدمت استقالتي كمدرس في الحكومة حين ذهبت للعسكرية، فعدت إلى المدرسة، ووجدت أنهم أرسلوا كتاباً بأمر فصلي من التدريس، المهم استطعنا أن ندبر الأمر، ورجعت للمدرسة، بعد أن تم خصم فترة الغياب علي، وعدت للجامعة للدراسة مساءً، ولكننا كمجموعة بقينا نعمل على مشروع التدريب، وطلب التسليح، حتى نهاية سنة 1957.
 
في نهاية هذه السنة جاءنا عقد للعمل في قطر، أنا ومحمود المغربي، فذهبنا إلى قطر، كذلك بقية الأخوة في تنظيمنا في الشام، والذي كان يقارب العشرين شخصاً، فقد توزع الشباب على الكويت وقطر، لكن الانجاز في هدفنا الذي كنا نسعى من أجله، وهو التدريب العسكري، كان قد تحقق، وفتحت أبواب التجنيد الإجباري، وأصبح هناك آلاف الشباب الفلسطيني الذين تدربوا في جيش التحرير الفلسطيني، ونتج عنه تشكيل لواء حطين في سوريا، والذي كان أساساً الفكرة التي طرحناها.
 
ووصل البعض إلى مناصب رفيعة في الدولة، كالأخ محمود عزام الذي ذهب معنا في نفس السنة، ولم يكن من مجموعتنا، كان بعثياً، ويعمل مدرساً في وكالة الغوث، قدم للطيران وأكمل، وأصبح رئيساً في الطيران، وآخر فرج مراد، عمل في جيش التحرير فترة، ولم يكن الأخر من مجموعتنا.
 
كنا كما أسلفت نحن الثلاثة فقط، وأنا الوحيد الذي دخل كلية عسكرية، وخرجت منها قبل أن يأتي إليها محمد السهلي، الذي طرد من الطيران، وجاء إلى الكلية العسكرية، وأكمل، ودخل جيش التحرير، ثم طرد من جيش التحرير، وعاد لإكمال دراسة المحاماة، ثم سافر إلى الخليج، ولم ألتق به بعدها.
 
في13/9/1957، ذهبت إلى قطر، وبدأت العمل، وكان سهلاً، خاصة من الناحية المالية فالراتب جيد، والمصاريف أصبحت متوفرة، والعائلة مرتاحة، وهذه العوامل إذا توفرت، تريح الفلسطيني، وتدفعه للتفكير بالقضية بشكل أفضل، كان هناك من يفكر، أن الفلسطيني حين يعمل في الخليج، أو في أي مكان جيد، يمكنه أن ينسى، ولكن ما يحصل هو العكس تماماً.
 
أصبح التمسك أكثر، وبدأنا ببناء تنظيم جديد، كان يضم أبو يوسف النجار رحمه الله، وأبو طارق الشرفا وأنا، كنا الثلاثية الأولى للتنظيم، ثم بعد ذلك، جاء سعيد المسحال وكمال عدوان، وعبد الفتاح حمود، ورفيق النتشة، وفي هذا الأثناء بدأنا نفكر، أن هذا التنظيم لا يزال عبارة عن أربعة أو خمسة، فأين الشباب الفلسطيني؟.
 
لم نكن تحت أي اسم، فقررنا تجميع الشباب بشكل انتقائي جيد جداً، ودقيق، فلم يكن سهلاً أن تعمل تنظيماً سياسياً في الخليج، فإذا اكتشفت، ستطرد فوراً، ولذلك حافظنا على السرية الكاملة، ثم بدأنا نسمع بوجود تنظيمات في أماكن أخرى.
 
في الكويت عرفنا أن هناك تنظيمات، واذكر في ذلك الوقت أن ( روز اليوسف ) ذكرت، أنه يوجد (34) تنظيماً فلسطينياً، منتشرة في مختلف البلاد العربية، ولكن معظمها يتركز في الكويت، وأقوى هذه التنظيمات حركة فتح، والحقيقة انه كان في الكويت عشرات التنظيمات، كل اثنين، أو ثلاثة، كانوا يشكلون تنظيماً، عبر إصدار بيان لهذا التشكيل، فتصبح المجموعة تنظيم، وكذلك وجدت هذه التشكيلات في مصر، وغزة، في سوريا كانت أضعف، في لبنان كانت صعوبة القمع الذي يمكن التعرض له من قبل المكتب الثاني، وفي الأردن لم توجد.
 
قررنا الاتصال بالكويت، وبدأت أنا وأبو يوسف النجار بالذهاب كل يوم خميس بعد الظهر، والعودة السبت صباحاً، قبل بداية الدوام ودون أن يشعر بنا أحد.
 
نذهب نلتقي مع الشباب، ونمضي نهار الجمعة،قمنا بعدة زيارات بهذه الطريقة، ووجدنا في تنظيم فتح ما يمكننا أن نتحدث معه، ونتفق، كما تبين لنا أن في التنظيم أصدقاء لي وأصدقاء لأبو يوسف النجار، سواء من الشام أو غزة.
 
كان من الشام عبد الله الدنان، الذي كان معنا في تنظيمنا السابق، وكذلك عادل عبد الكريم، الذي كان أيضاً معنا، ثم منير سويد، الذي كان شيوعياً وترك الحزب، كانوا الثلاثة قيادات في حركة فتح، وجميعهم أصدقاؤنا، وكذلك أصدقاء أبو يوسف، أبو جهاد، وأبو عمار، ثم الأخ أبو الأديب الذي لم يكن في القيادة مباشرة، لكنه كان من البارزين في الحركة، وكان أيضاً أبو إياد، والذي للصدفة كنت قد تعرفت عليه قبل ذلك بعام، ومن أول تعارفنا أصبحنا أصحاب، فلما قيل لي أنه في تنظيم فتح، قلت، هذا التنظيم سنكون فيه، واتحدنا مباشرة، لم نحتج لنقوم بالقسم، فقد كانت هذه نفس آراءنا، وكذلك أفكارنا، وكنا متفقين، فمطلبنا تنظيم فلسطيني، لا يتأثر بأية دولة عربية، ولا بأي حزب عربي، ولا أية مخابرات عربية، والتي كانت تحاول وتعمل على استقطاب بعض العناصر الفلسطينية ليعملوا جواسيس سواء لهم داخل إسرائيل، أو جواسيساً بين الفلسطينيين أنفسهم، ونحن نريد الابتعاد عن كل هذه الأنظمة والأجهزة، نريد أن نعمل لوحدنا، وهدفنا العمل العسكري من أجل فلسطين، ونعرف أن طريقنا صعبة جداً.
 
شيء آخر، ترك الارتباط بالحزب بالنسبة لكل كادر فينا، لتبقى الأفكار كما هي، لكنه ممنوع الارتباط بأي حزب، فقط في الحركة، وكان التنظيم يضم كل الاتجاهات تقريباً، كان هناك، إخوان بعثيين، قوميين عرب، وكان الكثير من الشباب في الحركة قد دخلوا حزب البعث، ولم يقتنعوا، وكذلك حركة القوميين العرب، والأخوان المسلمين، وتركوا، ووجدوا في فتح ضالتهم، وفي دعوتها للكفاح المسلح هدفهم.
 
وبدأنا من هذه النقطة، نمشي خطوة، خطوة، ونحاول تجهيز أنفسنا، واستمر عملنا تقريباُ من سنة 1960 إلى سنة 1964، ففي صيف هذا العام، قلنا أن علينا أن نستعد للانطلاقة. كنا نلتقي دائماً مع عادل عبد الكريم، وعبد الله الدنان، ومنير سويد، وأخر اسمه يوسف عميرة، هذا في لقاءاتنا الأولى، لم يكن أبو عمار يتواجد، وكان الأخ أبو جهاد خارج الكويت.
 
كنا نرى أبو الأديب الذي كان دائماً هو صلة الوصل، باعتبار أنه صديق أبو إياد وعادل عبد الكريم، وعبد الله الدنان، ولم نكن نطرح أننا بدأنا من جديد، فكما أسلفت،أفكارنا واحدة، وعبد الله كان معنا في فترة تنظيم دمشق الأولى، وكذلك عادل عبد الكريم، وكانت الأفكار التي أمامنا، مطابقة لأفكارنا في الشام، فلم تكن هناك أية مشكلة مع الأخوة، وكنت أيضاً قد تعرفت على أبو إياد، وأبو الأديب في غزة، عندما ذهبت إلى هناك للتعاقد مع معلمين لبعثة قطر سنة 1960، وكانا يومها بالصدفة موجودين في غزة.
 
تشكلت اللجنة المركزية، كان عدد الأخوة الذين من تنظيم الكويت فيها خمسة ومن قطر اثنان، وفي دمشق كان محمود الخالدي، وفي غزة محمد الإفرنجي، وفي ليبيا محمود أبو الفخر، وهؤلاء هم اللذين قرروا الانطلاقة زائد الأخ حسام الخطيب الذي ترك ويعمل الآن مدرساً في الجامعة في الشام.
درسنا عملية الانطلاقة رسمياً في 1/9/1964، ويومها اختلفنا مع بعضنا، كان أبو جهاد في الجزائر، فحضرنا الاجتماع تسعة أعضاء هم:
 
محمود الخالدي، د. حسام الخطيب، محمود عباس، أبو يوسف النجار، عادل عبد الكريم، ياسر عرفات، محمود أبو الفخر، عبد الله الدنان ، محمد الإفرنجي.
 
وبدأ الخلاف على التريث في البدء، وعدم التريث، فبعض الإخوان كان رأيهم عدم البدء، دون أن يكون لدينا كامل الاستعداد.
 
البعض الآخر كان رأيه أن نبدأ ونتابع، نطلق رصاصة أخرى، ونتابع، لكن لا يمكن أن نبقى في انتظار حتى نكمل الاستعداد، فهذا مستحيل، لأنه في النهاية، قد يكشف التنظيم، ربما عند شراء سلاح، أو ذخيرة، ثم قد نعتقل مرة واحدة.
 
فلنبدأ وننطلق، فأطلقوا على الرأيين، رأي العقلاء، ورأي المجانين، و"كنت أنا من المجانين"، وكذلك أبو يوسف النجار، وأبو عمار، وفي التصويت كان صوتي هو الخامس والذي رجح كفة البداية.
 
واتفقنا في 1/9، لكن فشلت محاولة الانطلاقة في هذا التاريخ، وكانت فرصة للعقلاء لإثبات رأيهم، وأن أبو عمار لا يصلح.
 
عدنا إلى الكويت، ووجدنا الخلافات على أشدها، ففكرنا في تحديد موعد آخر، فرفض أبو عمار الفكرة، مما اضطرنا أن نضع معه قيادة، أي أن يكون بإمرة قيادة، وكان منهم أبو يوسف النجار، وتوفيق حوري اللبناني، أما كمال عدوان فقد ذهب من أجل متابعة إعلان البيان.
 
اتفقنا على 1/1/1965، وقلنا لأبو عمار أن يصمت، وأن يذهب بإمرة القيادة التي اتفقنا عليها، وأسميناها ( القيادة العسكرية).
 
طبعاً أبو عمار يرفض أن يذهب تحت إمرة أي أحد، وكلنا قلنا له، عليك أن تقبل، حتى نحصل على تأييد الآخرين، وهكذا أيدنا الآخرون، وأوصيناه أن (لا تفشلنا).
 
أعود لأقول أن الشعار شيء، والتطبيق شيء أخر، أن تحكي عن الكفاح المسلح، صح، وشيء عظيم، لكن أن تمارس الكفاح المسلح، فشيء آخر مختلف وممتلئ بالخطورة، لذلك كان لدى أبو عمار جماعة العسكريين، والذين رفضوا، فقط أبو ماهر غنيم كان مستعداً، أما البقية فرفضوا، ولذلك فشلت العملية للمرة الثانية.
 
ومن حسن الحظ حدثت عملية ( البطوف ) والتي استشهد على إثرها أحمد موسى، واعتقل محمود حجازي، وأثارت العملية انتشاراً في أخبار العالم، وانطلقت ثورة فتح من السرّية إلى العلن.
 
قصة منظمة التحرير:
 
في قصة المنظمة وفي رأي، أن منظمة التحرير ظلمت في كثير من الأحيان والمواقف، أولاً لكونها منبثقة عن الجامعة العربية، فنظر إليها على أنها جزء من الأنظمة العربية، لكن الحقيقة تختلف تماماً، وهذا يسجل للأخ أحمد الشقيري.
 
العرب أو الأنظمة العربية في سنة 1963و سنة 1964 بدأت تشعر أن هناك إرهاصات فلسطينية تعمل تحت الأرض، وكانوا يخشون أن تنفجر هذه الإرهاصات ذات يوم، فتؤثر على أنظمتهم، ثم نشرت (روز اليوسف) بأن هناك (34) تنظيماً فلسطينياً، معظمها، أو أغلبها موجودة في الكويت، وأهمها حركة فتح المرتبطة بالإخوان المسلمين، وهذه الصبغة التي ارتبطت بحركة فتح في البداية، كانت لأن معظم قياداتها البارزة مروا على حركة الإخوان المسلمين، أبو الأديب كان مع الإخوان المسلمين، كذلك أبو إياد، وأبو جهاد، وأبو يوسف، وأبو شاكر، وتركوها جميعهم، لكن عندما ظهرت فتح، ظلت هذه الصبغة مرتبطة بهم.
 
استدعت الدول العربية الشقيري وسألته، نريد أن نعرف ماذا يريد الفلسطينيون؟، فقال: وهذا ما أخبرنا به فيما بعد، لقد ذهبت مندوباً للجامعة العربية لفلسطين، وعدت مندوباً لفلسطين في الجامعة العربية.
 
وهذه النقطة الحساسة والمهمة، فهو لم يذهب ليقدم تقريراً للجامعة العربية عن الفلسطينيين، وإنما ذهب ليتكلم باسم الفلسطينيين في الجامعة العربية، ومنذ ذلك التاريخ أصبح عضواً في الجامعة العربية.
 
ثم ذهب في جولة إلى الدول العربية، زار قطر، والكويت، وربما الأردن، وذهب إلى غزة، وعندما جاء إلى الدوحة، أعددنا له مهرجان حضره آلاف من أبناء الجالية، وخطب فيهم، وقال لنا، نريد أن نعمل مجلس وطني وندعوكم إليه.
 
فأخبرناه بأننا سنقوم بعمل انتخابات بين الجالية الفلسطينية في قطر، لنختار أعضاء للمجلس الوطني، وسألناه عن العدد الذي يريده منا في قطر، فقال، ثلاثة أو أربعة، واتفقنا، وعملنا أول انتخابات في تاريخ قطر، وكانت قطر آنذاك مشيخة، أي أمارة، لا توجد فيها انتخابات أو ديمقراطية، ومع ذلك حكومة قطر سمحت لنا أن نجمع الفلسطينيين في مكان واحد وأن نجري انتخابات، ونجح من بين المرشحين تسعة أشخاص، اخترنا منهم ثلاثة للمجلس الوطني، أذكر كمال عدوان، رفيق النتشة، والثالث صدقي خضر وكان مستقلاً.
 
ومن هنا نشأ تشكيل المجلس الوطني، ودعي المجلس الوطني لأول مرة، ونجح الأخ الشقيري في عقد المجلس، واستطاع الخروج بلجنة تنفيذية، وقيادة، وجيش تحرير بقيادة اللواء المدني، وصندوق قومي فلسطيني، ترأسه في ذلك الوقت كما أذكر (شومان )، فإذا سألنا، ماذا نريد لنحقق تحرير؟، فالتحرير، قيادة سياسية، جناح عسكري، مال.
 
وانطلقت المنظمة في أول مجلس وطني، عقد في 9/ 1964، ثم مجلس آخر عقد في القدس، وآخر في غزة، ثم تتابعت المجالس الوطنية، وأصبحت منظمة التحرير الفلسطينية، حقيقة واقعة تمثل الشعب الفلسطيني، وصيغ الميثاق، كان فيه ثغرات كثيرة، ولكن في النهاية ولأول مرة أصبح لدينا مرجعية، أنشأها أحمد الشقيري، وأعتبره صاحب الفضل الأول في بلورة الشخصية الفلسطينية.
 
عملنا معه اتصالات، وكنا قد بدأنا سنة 1965 في العمل العسكري، ولكن لم يكن بيننا وبينه تفاهم جيد، لكن حصل تطور واقتراب بعد هزيمة سنة 1967، إنما لم يستمر بعد الهزيمة طويلاً، فاستقال تحت ضغوط.
 
جاء بعده يحيى حمودة سنة 1968، كنا في ذلك الوقت في نقاش طويل وصعب أمام المشاركة في المنظمة، هل نشارك أم لا؟ كذلك في المجلس الوطني؟.
 
كان ثمة رأي لماذا ندخل فيها؟ وهي مؤسسة ليست حرة ( لا إرادة، ولا قيادة) شعار قلناه، فماذا نريد منها؟.
 
وقلنا أيضاً أنها مؤسسة فلسطينية فلماذا لا ندخل فيها؟، وكما سبق كنا قد شاركنا في المجلس الوطني، كان لا بد من قرار، لقد شاركنا في المجلس الوطني بصعوبة بالغة، فالأخوة في الكويت عملوا أيضاً انتخابات كما حدث عندنا، وشارك أبو عمار في المجلس الوطني.
 
سنة 1968 أيضاً بدأ بريق المنظمة يضعف ويبهت، ورأت قيادة المنظمة أن من المناسب أن تدعو التنظيمات الفلسطينية، وأن تقلص عدد أعضاء المجلس الوطني إلى مائة شخص على ما أظن.
 
كانت برئاسة يحيى حمودة في ذلك الوقت وبعد فترة قليلة أعلن أنه سيستقيل، ولم يكن هناك أية طريقة إلاّ أن تستلم المنظمات الفلسطينية هذه المنظمة، ولم يكن على الساحة من هذه المنظمات غير فتح، كانت الصاعقة، وكذلك الجبهة الشعبية، والديمقراطية، ولكن الأقوى، والأكبر، والأوسع في ذلك الوقت حركة فتح، وفي اجتماع في المجلس الوطني في القاهرة حصل نقاش مرير سنة 1969، كيف نستلم؟، ولماذا نستلم؟، ومن الذي سيستلم؟.
 
ثم انتهى النقاش بقرار الاستلام، وقلنا، تعال يا أبو عمار، ستستلم أنت وتكون رئيساً للمنظمة، وبكى أبو عمار، وقال: أنا لا أريد، أبعدوني عن هذا الموضوع، وكنا مصرين بأن لا أحد يستلم غير أبو عمار، ورشحنا له أربعة من الإخوان من أعضاء اللجنة المركزية، أبو يوسف النجار، وأبو اللطف، وأبو السعيد، ودخل في تلك الفترة ياسر عبد ربه، ومجموعة من قيادات التنظيمات والمستقلين، وسرنا في هذه المسيرة إلى يومنا هذا.
 
معركة الكرامة:
 
جاءت سنة 1968، أي بعد هزيمة حزيران،كانت الأمة العربية كلها مهزومة، والشعوب محبطة تماماً،والأسباب واضحة، فالجيوش العربية لم تحارب، ومن هنا تغاضت هذه الأنظمة على حركة فتح وغيرها، وتركونا نعمل أي شيء، وأذكر أن الرئيس عبد الناصر كان يقول لأبو عمار ولإخواننا عندما كانوا يزورونه، أن افعلوا أي شيء، اضربوا أي شيء في الأراضي المحتلة،ثم زودونا بصواريخ.
 
كان يقول نريد أن نقول للعالم أن القضية لم تنته، وان العرب تقاتل، ولكن العمل في الحقيقة كان عملاً فدائياً.
 
بدأ الزخم يأتي إلى فتح، تدريب مستمر، خاصة بعد أن أخذنا بقايا السلاح الذي تركته الجيوش العربية في هزيمة سنة 1967، وجمعته فتح وبدأت تسلح به كوادرها، وبدأ الناس في التقاطر حولنا من كل مكان، وقمنا ببناء قواعد لنا في الأردن، وجزء في الجولان (كان العمل ممنوع في الجولان)، لكن في الأردن كانت لنا حرية واسعة، فانتشرت القواعد في الكرامة، وحولها، وفي الشونة الجنوبية، ووجدت إسرائيل أن عليها ضرب هذا التواجد، وفعلاً، اندفعت أعداد هائلة من الدبابات الإسرائيلية إلى الكرامة وبدأت تسحق الشباب في طريقها، وللحقيقة، أن الجيش الأردني لعب دوراً هاماً في صد القوات الإسرائيلية، وفي المشاركة الفعلية، وإيقاع الخسائر الكبيرة في الدبابات، والجنود الإسرائيليين، وكانت معركة الكرامة رمزاً لبطولة الجندي الفلسطيني والعربي، لأول مرة يقاتل ويواجه وينتصر.
 
كانت خسائرنا كثيرة وفقدنا كوادر من أهم الكفاءات، لكن هذه المعركة كانت علامة من علامات المقاومة العربية والفلسطينية، وبعد ذلك جاءت آلاف مؤلفة لتنضم إلى حركة فتح، كبرت الحركة وترسخت إلى أن وصلت هذا الشكل.
 
علاقات فتح:
 
منذ انطلقت الثورة وحتى سنة 1970، كثير من العرب أيدونا، وساعدونا، أذكر مصر، الجزائر، دول الخليج، السعودية. وهؤلاء السعودية والخليج كانا معنا دائماً، نحن في قطر مثلاً، وزير التربية والتعليم أعطانا كرت مفتوح، قال لنا: أعملوا ما تريدون، أمير قطر، ولا يزال حياً يرزق حتى الآن، لم يكن أميراً في ذلك الوقت (الشيخ خليفة) وهو شقيق وزير المعارف، كان يدعمنا، ويرسل لنا أموالاً في السر، فقد كان الإنجليز موجودين.
 
في الكويت، الكثير من الشخصيات الكويتية، الشيوخ، التجار، كانوا يدفعون لنا، وكانت تقريباً الكويت وقطر، هما المصدر الأساسي لنا.
 
طبعاً السعودية بعد سنة 1968، والذي قدمنا للملك فيصل، شخص اسمه (فهد المالك) رحمه الله، كان يعمل مستشاراً لسفارة السعودية في دمشق، وكان من مقاتلي سنة 1948، وبقي لديه الإيمان والحماسة للقضية الفلسطينية فلذلك كان يجير معظم وقته للعمل من أجل فلسطين، وقدم أبو جهاد للملك فيصل في جنيف ( رحمهما الله) وبعدها فتحت السعودية أبوابها، أما الجزائر ففتحت لنا منذ انتصرت الثورة.
 
باقي الدول العربية، فتحت بالتدريج، وسأروي حكاية حدثت في شهر آذار سنة 1965، أي بعد الانطلاقة بأشهر، كان هناك شخص من الإخوان المسلمين، مصري الأصل، سمع بعد هذه الفترة في الأخبار عن الانطلاقة، وأن هناك عمليات مقاومة، وكان يعتقد أنا نخبئ الموضوع، جاءني وقال لي، أريد أن أسألك سؤالاً؟، هذا الذي يجري في فلسطين، لدي إحساس أنك أنت وأبو يوسف لكما علاقة في الموضوع؟، قلت له بشكل متردد، يعني، قال لي تكلم؟، قلت له: إقسم لي بأن لا تخبر أحداً، فوافق، قلت له: نعم.
 
كان اسم الرجل عز الدين إبراهيم، قال لي: اسمع أنا أريد أن أساعدكم، وكان الرجل يعمل معنا موظفاً في وزارة المعارف فقلت له طبعاً: يا ريت، قال: سأذهب في رحلة، وإن شاء الله ربنا يساعدني.
 
وذهب إلى المغرب، وقابل هناك ( محمد خيضر) الأمين العام لجبهة التحرير الجزائرية، وشخص آخر مغربي معه، كان رئيساً لجمعية نصرة الجزائر،كانت ثورة الجزائر قد انتصرت، وانتهت مشكلتها، لكن الجمعية كانت لا تزال قائمة، وكان اسم الرجل، كذا الخطيب، لا أذكر اسمه الأول، لكنه لا يزال حياً.
 
قال له: إنكم ساعدتم الجزائر، والآن إخوانكم الفلسطينيين، بدءوا مقاومتهم، ويجب مساعدتهم، و(محمد خيضر) كان عنده مالية الثورة الجزائرية، فقال له: حاضر. ودفع له مبلغ، وقال له أكثر من ذلك، نحن كنا قد اتفقنا مع الألمان على صفقة أسلحة، ثمنها (300) ألف دولار، إذا أردتم، أذهبوا لإحضارها فهذا جيد، وعندما عاد، قال لي: إذا أحضرت لكم فلوس، لمن أعطيها؟.
 
قلت له: أنت طبعاً تعرف ياسر عرفات، قال لي، أعرفه، وكانت معرفته به تعود إلى أيام المقاومة في قناة السويس، عندما قاتلا معاً سنة 1956، قلت له إما أن تعطي المبلغ لياسر عرفات أو لتوفيق حوري.
 
فذهب إلى بيروت، وقابل أبو عمار، وقال له: أنا أحضرت لكم شوية فلوس، طبعاً أبو عمار سأله: كم يعني؟، قال له: توقع؟، قال أبو عمار: يعني 300 جنيه؟، وفي ذلك الوقت كانت ميزانيتنا كلها 300 جنيه إسترليني، قال له: لا أكثر، قال أبو عمار: 500 جنيه؟، قال له: كمان أكثر، ظل أبو عمار يرفع في الرقم حتى قال: 2000 جنيه فأجاب الرجل: اسمع، أنا أحضرت لك 15 ألف جنيه إسترليني، تلك اللحظة، كاد يغمى على أبو عمار، 15 ألف جنيه.. أيه؟، وقال له: 15 ألف جنيه إسترليني، ها هم في جيبي.
 
وسلم المبلغ لأبو عمّار، وفكر أبو عمار فوراً، وقال: هذا المبلغ يجب أن لا نتصرف به، سنضعه في البنك، لإنشاء جمعية أسر ومجاهدي شهداء فلسطين، فقد بدأ يصبح لدينا، شهداء، وأسرى، ولا نريد لعائلاتهم أن تتسول، فعلى الأقل نضمن لهم راتب ليعيشوا بكرامة، وكانت هذه لقطة مهمة في تاريخ فتح، لأن أسرانا وجرحانا، وشهدائنا سنة 1936، وسنة 1948 كانت تجربتهم مفجعة، فلم يسأل عن أسرهم أحد، وهكذا تأسست هذه الفكرة، لكنها نشأت بعد سنة 1967.
 
أنشأها سعيد عزيز عيسى رحمه الله، وفؤاد الخولي، ومحمد عزت دروزة، ومحمد الخضر وعدد من هؤلاء الناس، كان المبلغ جاهزاً وجمع له أيضاً أموالاً من الدول العربية.
 
وبعدها خرجنا بفكرة الطابع الفلسطيني، والضريبة الفلسطينية من الفلسطينيين والعرب، في الكويت، والسعودية، والإمارات، قطر، وللآن موجودة في السعودية، هذه المبالغ التي جمعت من فلسطينيين وعرب وغيرهم لصالح جمعية أسر ومجاهدي شهداء فلسطين، ثم عاد الرجل إلينا في قطر، وقال لي أنه أعطى المبلغ لياسر عرفات، ولا يزال الرجل حياً ويعمل في الإمارات، وهذه المكرمة الوطنية لا يمكن أن ننساها له.
 
محمود المغربي، كان معنا في قطر، ثم ذهب إلى أمريكا، وهناك تعرض لحادث طائرة احترقت بعد أن ضربت في الأرض، ولكنه خرج سالماً، بعد أن فقد جواز سفره، ثم أكمل دراسته في أمريكا، كان معه حقوق، فحصل على الدكتوراه في القانون، وحين أنهى دراسته احتار إلى أين يذهب؟.
 
فتذكر أن والده ووالدته من أصل ليبي، وجاؤوا إلى فلسطين في العشرينات، فذهب إلى السفارة الليبية، وأعطاهم اسمه، ومن أية بلدة في ليبيا أصوله، وقال لهم أنه أنهى دراسته ويريد جواز سفر ليبي، فرحب به وأعطي جواز سفر، وعاد إلى ليبيا، وعمل مستشاراً في شركة نفط.
 
بعد هزيمة سنة 1967 اعتقل ووضع في السجن بسبب اشتراكه في المظاهرات، وتعرف على القذافي، وخرج من السجن هو والقذافي، القذافي رئيساً لمجلس قيادة الثورة، وهو رئيسا للوزراء، وعندما استلم هذا المنصب، كنا نحن نعمل في الثورة في عمان، فقالوا لي، صاحبك أصبح رئيساً لوزراء ليبيا، فذهبنا إليه، وقمنا بزيارته، وتعرفنا على بقية رجال الثورة، وبدأنا معهم علاقات جديدة، مع النظام الليبي الجديد.
 
* نقلا دنيا الوطن


 


للتعليق على المقال
الإسم:
العنوان الإلكتروني:
التعليق

تعليقات القراء:

 

مواطن ليبى: انا ليبى واعرف ان ليبيا كانت سباقة لدعم منظمة فتح وللاسف ابو مازن لم يكن صادقا فى كلامه على ليبيا بل مجد الدكتاتور حيث ان القذافى لم يقم بمظاهرات فى حرب 67 ولم يمن فى السجن كان ضابطا طليقا حتى يوم الاقلاب المشئوم .اختشى على دمك وكن صادقا فيما تقول يا رئس الدولة الفلسطينية ان التاريخ يسجل وان لم تستحى فاعمل ما تريد واللى تختشو ماتو.



 

جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع >>>> ليبيا المستقبل منبر حر لكل من يطمح ويسعى لغد أفضل لليبيا الحبيبة

 

 

libyaalmostakbal@yahoo.com