19/10/2007
 

تساقط أوراق مؤتمر الخريف
(إذاعة هولندا-العربية)

 

غادرت وزيرة الخارجية الأمريكية كونداليزا رايس الشرق الأوسط بعد زيارتها السابعة للمنطقة هذا العام، دون تقدم ملموس باتجاه مؤتمر الخريف للسلام، حتى أنها لم تكن متأكدة ما إذا سيعقد مؤتمر الخريف في نوفمبر، أم في مطلع الشتاء سيعقد في ديسمبر، وبالرغم من أن الرئيس الأمريكي جورج بوش صرح يوم أمس في مؤتمر صحفي في البيت الأبيض، بأنه متفائل بشأن ما سيتوصل إليه مؤتمر الخريف، قائلا إن الفلسطينيين:" بحاجة لأن يروا أن مجهودا جديا تحقق وأنه يتركز على إقامة دولة". لكن كل ذلك لم يؤد إلى التقليل من الخلافات بين الطرفين الفلسطيني والإسرائيلي، لكن وزيرة الخارجية الإسرائيلية ليفني تسبي التي تترأس الوفد الإسرائيلي المفاوض، علقت قائلة:
 
" الفكرة ليست في رفع سقف التوقعات التي قد تؤدي إلى إحباط وإلى العنف لأننا في حاجة لأن نتعلم من التجربة السابقة".
 
وكانت رايس قد اجتمعت قبل مغادرتها مع رئيس السلطة الوطنية الفلسطينية محمود عباس، دون أن تنجح في تغيير موقفه، حتى أنه لم يصدر عن اللقاء أي بيان، ويعود ذلك إلى طلب رايس بإلغاء الجدول الزمني، الذي يصر عليه الفلسطينيون، وبإسقاط قضية اللاجئين من المفاوضات النهائية.
 
خريف أم شتاء ؟
 
من جهته اتهم محمود عباس الإسرائيليين بعرقلة التوصل إلى وثيقة مشتركة، بل أنه تحدث عن "اعتداءات مستمرة"، لم يذكرها بالاسم، ولعله كان يشير إلى مصادرة إسرائيل لأراض حول القدس، وللحفريات حول المسجد الأقصى. وصعد عباس من لهجته قائلا أنه:" لن يذهب إلى المؤتمر بأي ثمن".
 
من الواضح أن المؤتمر الدولي للسلام المزمع عقده في مدينة أنابوليس الأمريكية قبل نهاية هذا العام يمر بأزمة حقيقية، حتى أن كونداليزا رايس قالت عنه:" لدينا أشياء أفضل نفعلها أكثر من مجرد دعوة الناس إلى أنابوليس لالتقاط صور تذكارية". واصفة مبادرة الرئيس بوش بأنها:" أكثر الجهود التي بذلت لإنهاء النزاع جدية منذ سنوات."، ويبدو أن الطريق نحو المؤتمر التي بدأت بداية متفائلة، تخيم عليها سحب خريفية قاتمة قبل أن يعبر المتفاوضون المحيط الأطلسي نحو العالم الجديد. ذلك أنه لا توجد إرادة سياسية لدى الطرفين لتقديم تنازلات أكثر من تلك التي قدمت، والوقت يمضي سريعا وهو ليس في صالح إدارة بوش، ومن المحتمل أن يؤجل المؤتمر بسبب الخلافات القائمة إلى شهر ديسمبر، ومع ذلك لا يزالون يصفونه بمؤتمر الخريف، ولدرجة أن كونداليزا رايس حذرت الفلسطينيين والإسرائيليين والمصريين كما أوردت صحيفة يديعوت أحرونوت الإسرائيلية، من أن فشل مؤتمر السلام سيؤدي إلى سيطرة تنظيم القاعدة على الضفة الغربية وغزة في نهاية الأمر.
 
تشاؤم قدري
 
لا يبدو أن اسم المؤتمر المنتظر هو السبب فحسب، فقد أعطى اسم " مؤتمر الخريف " قدرا من الشحوب والتشاؤم، وخاصة أن موسم هو موسم تجرد الأشجار من أوراقها، ووقوفها عارية طوال الشتاء في انتظار الربيع، وعادة ما يتشاءم الفلاحون في المنطقة الذين يعتمدون على الأمطار في زراعتهم إذا حبست السماء أمطار الخريف، ويتفاءلون بموسم خصب إذا أمطرت في الخريف بغزارة، في حين يعتبر الخريف من أجمل الفصول في جنوب شرق آسيا حيث تتزين الأشجار بعدة ألوان خلابة، ولكن دورة الطبيعة، وما يصاحبها من اعتقادات راسخة بالتشاؤم والتفاؤل في المنطقة التي أنجبت معظم أديان وميثيالوجيات العالم لا علاقة لها بصعوبة أطول وأكثره تعقيدا على وجه الأرض.
 
من الواضح أنه لم يعد في إمكان الفلسطينيين التنازل أكثر، وكذلك ليس في وسع الإسرائيليين المضي أبعد، ولم يعد الخلاف حول المؤتمر محصورا بين فتح وحماس، ذلك أن الخلاف وصل على حركة فتح نفسها، وفي آخر فصول الخلاف بين محمود عباس، وفاروق قدومي الذي يعتبر الرجل الثاني في الحركة، أمر الأول بتشكيل لجنة للتحقيق في مخالفات الثاني، وخاصة أن مراسلات قدومي المقيم بتونس، والذي لا يزال يرأس الدائرة السياسية لمنظمة التحرير قد احتوت حسب وصف مقربين من عباس على عبارات مهينة في حق الرئيس، ويبدو أن عباس يرمي من وراء تشكيل هذه اللجنة لعزل قدومي، وإبعاده عن الدائرة السياسية، ليجد نفسه في أحضان المعارضين لاتفاقية السلام الذين يستعدون لعقد مؤتمرهم المعارض في دمشق مطلع الشهر القادم، وهم يمثلون كل الوان الطيف السياسي الفلسطيني من أقصى اليسار إلى أقصى اليمين، ويعلم أبو مازن أنهم يجتمعون في دمشق مثلما تجتمع الجوارح فوق من ضاع في الصحراء، تنتظر أن يلفظ أنفاسه، وإذا عاد من أنابوليس خال الوفاض فسوف ينقض عليه الجميع، وليس حماس فقط، وإذا كانت إسرائيل لا تخشى ما تخشاه كونداليزا رايس من سقوط الضفة وغزة في يد تنظيم القاعدة، فهي ستعلن الضفة كيانا معاديا مثلما أعلنت غزة، ولكن إسرائيل تتحسب من انهيار السلطة الفلسطينية، ونهاية الحل على أساس دولتين، والمطالبة بدولة واحدة لقوميتين، وعندها تكون إسرائيل بتعنثها قد حفرت قبرها بنفسها، ويكون الحلم الصهيوني بتأسيس دولة يهودية قد أنقشع ذات خريف شرق أوسطي، خاصة وأن الفلسطينيين يستعدون لإجراء أول تعداد سكاني لهم منذ عقد، ويخشى الإسرائيليون أن يتفوق عليهم الفلسطينيون عددا، وليس عدة.
 
أزمة وجود وليست أزمة حدود!
 
يبدو السياسيون الإسرائيليون في شغل عن هذه الأزمة، باستثناء وزيرة الخارجية ليفني، التي لم يجد رئيس الوزراء أولمرت وسيلة للتخلص من اعتراضاتها فكلفها بالتفاوض مع أبو قريع، وبذلك وضع بين يديها ما لا يريد أي سياسي إسرائيلي في الاقتراب منه، بينما يمم هو شطر موسكو، ليعرف ما جرى بين بوتن والإيرانيين خلال زيارته لهم، مؤكدا بذلك أنه يجيد توصيل الحرارة بين موسكو وواشنطن مهما كانت درجة البرودة بينهما، وهو يعلم أن ما دفع بوش يخطط لعقد مؤتمر السلام في " الخريف " هو النووي الإيراني، وإن كان أولمرت سيغلف هدفه الرئيسي من زيارة موسكو ببحث إمكانية استعادة الأسيرين لدى حزب الله، ومعرفة مصير رون اراد، إذا كان بوتن قد توسط بين الطرفين.
 
الفلسطينيون يمر بأزمة عرضية، بينما يمر الإسرائيليون بأزمة وجودية، لدرجة جعلت وزارة المعارف الإسرائيلية تقرر دعوة كل التلاميذ في إسرائيل، يهودا كانوا أو عربا للتوقيع على وثيقة استقلال إسرائيل، بمناسبة الاحتفالات بالذكرى الستين على قيام دولة إسرائيل، وهو يلخص الأزمة الوجودية بامتياز، ويجعل من مؤتمر الخريف كما وصفه بعض السياسيين المتشائمين بأنه مجرد مناسبة لتبادل الصور والابتسامات.
 
عن موقع إذاعة هولندا (العربية) 18-10-2007

 

libyaalmostakbal@yahoo.com