الدكتاتورية هي الاستعمار
الجديد
تأتي الأحداث التي
تشهدها بورما (والتي تصرفت الدكتاتورية حتى باسمها لتطلق
عليها اسم ميانمار) لتذكرنا جميعا أن إشكالية تقرير المصير
تغيرت منذ زمن بعيد وقل من ينتبه أن أكبر خطر يتهدد جل شعوب
العالم الثالث سابقا ليس المحتل الخارجي وإنما المحتلّ
الداخلي.
أول من استعمل
تعبير حق تقرير المصير هو الرئيس الأمريكي ويلسون في نهاية
الحرب العالمية الأولى في إطار نقطه الأربعة عشر لإحلال سلام
دائم بين الشعوب (نقلا عن لينين واليسار الروسي في القرن
19). ومنذ ذلك اليوم والمفهوم يعني آليا حق تقرير المصير
بالنسبة لمحتل خارجي. هذا ما يظهر بوضوح في قرار الأمم
المتحدة 1514 في 14 ديسمبر 1960 حيث يقول" إن الجمعية العامة
على أتم الاقتناع أن موجة التحرر عارمة وغير القابلة للرجوع
للوراء ولا بدّ لتفادي الأزمات الخطيرة من وضع حدّ للاستعمار
والتمييز الذي يصحبه" وقرابة نصف قرن بعد هذا النص، نجد نفس
الفكرة في قرار الأمم المتحدة لشهر سبتمبر2007 بخصوص الشعوب
الأصلية حيث تعترف لها أخيرا بحق تقرير المصير، دوما بالنسبة
لطرف أجنبي احتل أرضها حتى ولو أصبح جزءا منها كما هو الحال
في أستراليا والولايات المتحدة. تأتي الأحداث التي تشهدها
بورما (والتي تصرفت الدكتاتورية حتى باسمها لتطلق عليها اسم
ميانمار) لتذكرنا جميعا أن إشكالية تقرير المصير تغيرت منذ
زمن بعيد وقل من ينتبه أن أكبر خطر يتهدد جل شعوب العالم
الثالث سابقا ليس المحتل الخارجي وإنما المحتلّ الداخلي.
من يعرف أحسن من
العرب عمق هذا الواقع الجديد وهم الذين قال شاعرهم طرفة وظلم
ذوي القربى أشدّ مضاضة على المرء من وقع الحسام المهنّد ما
لم يتوقعه أحد في الستينيات عند انطلاق موجة "الاستقلال" أن
الكثير من الشعوب لن تفعل سوى استبدال سيد بسيد، محتل بمحتلّ
وأن المحتل الداخلي قد يكون أقسى بكثير من المستعمر.
لنتذكر الفرق
الهائل بين ما عاناه الشعب الكمبودي تحت الاستعمار الفرنسي
وتحت حكم الخمير الحمر. حقا ليست كل حالات الاحتلال الداخلي
بفظاعة ما جرى في كمبوديا حيث أفنى النظام الاستبدادي قرابة
ربع الشعب، لكن الثابت هو أن ما عرفته الشعوب المحتلة من طرف
الدولة الوطنية كان بعيدا كل البعد عما ناضلت من أجله ودفعت
كالشعب الجزائري ثمنا باهظا له. وفي بلد مثل تونس يمكن
معاينة وضع الاحتلال الداخلي بالبصر وفي وضح النهار.
فالبوليس المجهّز أحسن من الجيش والأكثر عددا، متواجد بكثافة
ملفتة لنظر كل الأجانب في الشوارع، في مداخل المدن، في
تقاطعات الطرق، في الأرياف البعيدة، وهو طول الوقت في حالة
استنفار واستعراض للقوة لإرهاب الشعب وتكريس الذل والخنوع.
قد يجد البعض من المغالاة تشبيه النظم الاستبدادية المحلية
بالاستعمار، لكن ليتمعنوا قبل رفض المفهوم في خصائص دولة
الاحتلال الخارجي وهي أربعة: 1- التغطية السياسية الخبيثة
(جئنا لتحضيركم أو لفرض السلام والديمقراطية والتقدم الخ) 2-
استنزاف الثروة الجماعية لصالح المستعمر وترك الفتات
للمنتجين. 3- القبضة الأمنية الحديدية للمحافظة على "الأمن
والقانون" في إطار مصادرة كل الحقوق الفردية والاجتماعية 4-
وقف الاعتبار على الخاصة (المستعمر وأذنابه) ومعاملة العامة
بكل أصناف الاحتقار. إنها كلها وبحذافيرها خصائص النظم
الاستبدادية وخاصة منها العربية. قد يواصل البعض الاحتجاج
بالتذكير بضرورة التفريق بين الأنظمة الشمولية والأنظمة
الاستبدادية. فمن الممكن أن تعتمد دولة ما القبضة الأمنية
الحديدية والتأطير الأيدولوجي دون أن يكون هناك فساد أو
احتقار للشعب،حيث العكس هو الصحيح، كما كان الحال في نظام
عبد الناصر أو بومدين أو بورقيبة أو اليوم في الصين ,ومن ثمة
فإنه من التجني اعتبار هكذا أنظمة ، أنظمة احتلال داخلي.
المشكلة أن مثل هذه الأنظمة ليست إلا المرحلة الأولى لتطور
حتمي نحو أنظمة احتلال داخلي. انظر لما تبع نظام بومدين وعبد
الناصر وبورقيبة وستكتشف أن الفساد والاحتقار أضيفا بسرعة
لآليات كان أصحابها يعتقدون بحسن نية أنها مجرد اختزال الوقت
للتقدم بخطي أسرع باتجاه التحرّر. هذا التطور من دولة وطنية
أتوقراطية نحو دولة احتلال داخلي كامن في طبيعة النظام
الاستبدادي نفسه حيث لا يستطيع المستبد ، أيا كانت نواياه
وبحكم طبيعته وطبيعة النظام، إلا التخلص من كل الشخصيات
القوية وتجميع المنافقين والانتهازيين والجبناء الذين لا
يطمحون إلا لتملقه والحصول على رضاه بالكذب عليه وتغليطه
والانسياق لكل أخطائه. بمرور الوقت تتراكم الأخطاء ولا حرية
رأي قادرة على التنبيه له ولا آليات تصحيح تمكّن من تداركها
في الإبان. وفي نفس الوقت تزاح الكفاءات الحقيقة وتتكدس في
أعلى هرم السلطة كل قوى الفساد والشرّ التي سترث السلطة بعد
رحيل من كان يريد نفسه المستبد العادل. آنذاك ينطلق كل
الفساد وتشتد القبضة الحديدية ويظهر مدى احتقار ذكاء وكرامة
الناس بالانتخابات التاسعة والتسعينية وعبادة الشخصية لأناس
كانوا مجرد خدم عند مؤسس كانت له على الأقل شرعية تاريخية.
* ولو تأملنا الآن
في نواة أنظمة الاحتلال الداخلي لاكتشفنا أنها تتخذ كل
الأشكال: أحزاب أيدولوجية متخلفة كما هو الحال في كوريا
الشمالية أو سابقا في كمبوديا... عصابات حقّ عام كما هو
الحال في تونس... مؤسسة عسكرية كما هو الحال في الجزائر أو
في بورما... مزيج من كل ما سبق كما هو الحال في سوريا. لكن
رغم تعدد الأشكال فإن نظام الاحتلال الداخلي واحد في آلياته
الخفية وهي آليات شبيهة بتلك التي يعتمدها الفيروس عندما
يدخل خلايا الجسم. كل الأطباء يعرفون أن الفيروس يهاجم نواة
الخلية ويستولي على "مقاليد الحكم" داخلها التي هي حامض الـ
د. ن. أ. وبهذا الاستيلاء يوظف الفيروس طاقة الخلية
وإمكانياتها لمصلحته. الكثير من الفيروسات تحاول الحفاظ على
الجسم حتى تواصل التعيش عليه، لكن الجسم المنهك ينتهي أحيانا
للموت. نفس الشيء عن نظام الاحتلال الداخلي فهو يسارع
للأجهزة الكبرى للدولة لاستعمالها لمصالحه. هكذا يصبح
البوليس جهازا لحماية الجريمة المنظمة على أوسع نطاق من
المجتمع وليس حماية المجتمع من الجريمة المنظمة على أوسع
نطاق. هكذا يصبح القضاء وسيلة للتغطية على الظلم بالقانون.
هكذا تصبح الصحافة للتضليل لا للتوعية . هكذا يصبح الاقتصاد
البقرة الحلوب للأقلية المستعمرة. الخ.. لا أحد يستطيع تقدير
ثمن الاحتلال الداخلي هذا. فالإحصائيات حول عدد السجناء
السياسيين وضحايا التعذيب وعدد المنفيين أو كمية المال
العمومي المنهوب، مجرّد أعراض سطحية للمرض. لكن الأضرار
الأخطر لا ترى إلا لمن يعكف على تشخيص معمق لحالة المجتمع
الواقع تحت احتلال ذوي القربى. هذه الأضرار هي التي تمسّ
الأنظمة الضرورية لحياة المجتمع وتواصله مثل النظام التعليمي
والنظام الصحي والنظام الاقتصادي وما يمكن تسميته بالنظام
الأخلاقي أي جملة القيم الضرورية لتماسك أدنى بين أفراد
المجتمع. فسياسة الاستحواذ على القرار وتهميش كل قوى التصحيح
تضع على رأسها أصحاب الولاء لا أصحاب الكفاءة... كل هذا يؤدي
إلى تكاثر أخطاء الأداء دون أمل في تقويم وإصلاح في الإبان.
فلا تنهي فترة الاحتلال الداخلي إلا ويكتشف الشعب المنكوب
الانهيار التام لمؤسسات غطى على وضعها الحقيقي خطاب التضليل
المستمر الذي اعتمده النظام ويتطلب إعادتها لعمل طبيعي سنوات
وأحيانا عقود. وبانتظار وصول الصخرة المتدحرجة للقاع، فإن
الشعب المحتل يتحرك في اتجاهين. الأول هو الانفجار نحو
الداخل عبر ارتفاع نسبة الانتحار والجريمة والطلاق والثاني
هو الانفجار إلى الخارج عبر الصعود للجبال أو الركن لما يسمى
الإرهاب كما وقع في الجزائر وفي "السعودية" أو النزول للشارع
كما هو الحال اليوم في بورما وغدا في أكثر من بلد محتل
داخليا.
* إن قضية حق
الشعوب المحتلة داخليا في تقرير المصير هو اليوم إشكالية
سياسية رئيسية لعلاقتها الوثيقة بحق هذه الشعوب في التقدم
الاقتصادي والاجتماعي والأخلاقي والسلام الداخلي. لكنها لم
تعد إشكالية داخلية فهي بحكم الترابط الوثيق بين الشعوب
مسألة أمن وسلام على الصعيد العالمي. إن السياسات قصيرة
النظر التي تمارسا كبرى الدول الغربية في دعمها لأنظمة
الاحتلال الداخلي العربية هي أحسن دليل على التعاطي الخاطئ
للإشكالية . فهذه الدول تعتبر أن دعم الأنظمة الاستبدادية
العربية هو لقطع الطريق على "الإرهاب" والهجرة غير الشرعية،
والحال أنه أصبح واضحا للجميع أن هذه الأنظمة هي أكبر سبب من
أسباب هذه الظواهر. إن كانت مسؤولية التحرّر تقع على عاتق
الشعوب المحتلة بتنظيم كل أشكال المقاومة السلمية ضدها، فإنّ
هناك مسؤولية الأسرة الدولية. إنه من الضروري أن تتوجه كبر
منظمات المجتمع المدني في العالم للأمم المتحدة حتى تعيد
تحديث قرار 1960 وتوسيع مفهوم "الحق في تقرير المصير" إلى
المحتل الداخلي ووضع الدكتاتورية في مصاف الاستعمار
والعنصرية ومعاداة السامية واعتبارها تهديدا للأمن والسلام
على صعيد العالم. هناك أيضا جملة من الآليات التي يجب أن
يجاهد المجتمع المدني الدولي لفرضها كما فرض المحكمة
الجنائية الدولية. فمن الضروري أن تكون هناك هيئة أممية
تراقب الانتخابات في البلدان الواقعة تحت الاحتلال الداخلي
وتحكم بزيفها وتوصي بعدم الاعتراف بالأنظمة المنبثقة عنها
والتعامل معها. وعوض التلويح بالحصار الذي لا يضر إلا شعوبا
مغلوبة على أمرها، فإنه يجب فرض هذا الحصار على المسؤولين،
خاصة تتبع أموالهم واعتبار الحفاظ عليها في أي بنك غسيل
أموال إجرامية. ثمة أيضا إمكانية إحداث جائزة نوبل معاكسة
يمكن تسميتها جائزة هتلر وتسند سويا من قبل لجنة دولية ذات
مصداقية عالية لمجرم السنة. إن كل الشعوب المحتلة وخاصة
شعوبنا العربية تمرّ بوضعية مأساوية جرّاء أخطاء وخطايا
ارتكبها أناس شرفتهم الأقدار بكبرى المسؤوليات فخانوا
ضمائرهم وخانوا شعوبهم وضعوها ووضعوا أنفسهم في الزاوية دون
ترك أي منفذ لا لهم ولا لها. هنا آخر الاقتراحات لتوفير أكبر
الحظوظ لانتقال سلمي نحو الاستقلال الثاني وهو مقايضة هذا
الانتقال بعدم المحاسبة. لا يجب أن ننسى أن الحياة أهم من
العدالة، وأن العدالة ليست فقط عقوبة المجرم وإنما تعويض
الضحية. وفي كل الحالات فإن هذه الآليات التي قد ترى النور
يوما وقد تبقى أضغاث أحلام لا تعفي القيادات السياسية
والاعتبارية العربية من مسؤوليتها في تنظيم المقاومة السلمية
وتهيئة العصيان المدني كآخر مراحل المعركة من الاستقلال
الثاني لأننا مع الأسف نواجه أنظمة تخاف ولا تستحي وهي اليوم
في ذروة الخوف وعدم الاستحياء ومن ثمة هي في ذروة خطورتها
على المجتمعات التي ابتليت بها.
نقلا عن موقع
الوسط التونسية
|