03/11/2007
 

أمريكا والعبث بالأمن القومي اللبناني
يحي ابو زكريا (عرب تايمز)

يعود الإهتمام الأمريكي بلبنان كما ورد في مذكرات الساسة الأمريكان الذين كان لهم نصيب في صناعة القرار في واشنطن إلى ما قبل الحرب الكونية الثانية كما يذكر هنري كيسنجر, فلبنان ورغم صغر جغرافيته أعتبر زاوية جيوسياسة مهمة زاد في أهميتها الجوار الجغرافي مع الكيان الصهيوني والإقتراب من محاور جغرافية وسياسية صمدت أمام الإرادة الأمريكية في الهيمنة على منطقة الشرق الأوسط.
 
وراهنا شكل بروز المقاومة الإسلامية فيه وتصديها بشكل لم يسبق له مثيل للجيش الإسرائيلي عاملا إضافيّا على الإهتمام الأمريكي ..
 
وإذا كان الحديث عن الخلفية التاريخية مهم لمعرفة مسارات الحركة السياسية الراهنة, إلاّ أنّ ما يهمّ راهنا هو سبر أغوار السرّ الأمريكي الكامن وراء الإتجاه لخلط الأوراق اللبنانية عبر تحريك أدوات المشروع الأمريكي في لبنان بقلب الطاولة إذا إستدعى الأمر ذلك ..
 
وفي هذا السيّاق يشار إلى أنّ إستراتيجيي السياسة الأمريكية وصانعي الفعل السياسي الأمريكي في العالم العربي والإسلامي جزموا بأنّ ما خططّوا له في أفغانستان والعراق قد إنتهى إلى الفشل الذريع, وهذا الفشل الذريع والذي من مصاديقه الإستقالات الكثيرة بالجملة والمفرّق للمحافظين الجدد من المؤسسّات الأمريكية وتخبطّ الجيوش الأمريكية في مواقع السخونة في العالمين العربي والإسلامي, جعل الإدارة الأمريكية تفكّر في البحث عن ساحة عربية إقليمية لتحقق فيها نصرا مموّها يعوّض عن جلّ خساراتها العسكرية والأمنية, فكانت الساحة اللبنانية التي تعتبر منذ فترة ساحة للتنفيس عن الصراعات الإقليمية و الدولية, وساحة للأجهزة الأمنية العالمية كل الأجهزة الأمنية.
 
وهنا يشار إلى أنّ واشنطن وفيما يتعلّق بالساحات العربية والإسلامية الأخرى غير لبنان لا تنسّق في الكليات والتفاصيل مع الكيان الصهيوني الذي يملك نفس الرؤية الإستراتيجية الأمريكية لجهة ما يتعلق بنسف العالم الإسلامي, لكن في الموضوع اللبناني هنا تنسيق كامل بل غرفة عمليات سياسية وعسكرية واحدة بين واشنطن وتل أبيب, وقد إزداد هذا التلاحم وهذا التنسيق الإستراتيجي بعد بروز المقاومة الإسلامية اللبنانية كقوة ضاربة في الساحة اللبنانية ضدّ الكيان الصهيوني, وبعد الضربات القاصمة التي وجهتها هذه المقاومة للجيش الإسرائيلي في حرب تموز – يوليو 2006 ...
 
وقد راهنت واشنطن وتل أبيب على مجموعة أمور لضرب المقاومة الإسلامية بدأت بالوسائل السياسية ومرّت بالدهاء السياسي وإنتهت بالعدوان العسكري وآلت إلى محاولة إحراق الجغرافيا اللبنانية بالصراع الداخلي لتحترق المقاومة الإسلامية بنيران الصراع الداخلي ...
 
وللإشارة فإنّ الأجهزة الأمنية الإسرائيلية والأمريكية و العربية فشلت فشلا ذريعا في إختراق حزب الله اللبناني أمنيا – على عكس الحركات الإسلامية المخترقة أمنيا بما ذلك تنظيم القاعدة – ويعتبر حزب الله من أقوى الأحزاب أمنيا وتنظيمه محصّن من أي إختراق, إلى درجة أنّ إبن الأمين العام لحزب الله الشهيد هادي نصر الله وعندما أراد أن يتفرّغ في حزب الله كتب في إسثمارة العضوية أنّه إبن الأمين العام حسن نصر الله فرفض طلب إنضمامه للحزب لأنّه لم يجب على مئات الأسئلة في ملف العضوية فذهب إلى والده شاكيا, فردّ عليه أبوه السيد حسن نصر الله بقوله لا دخل لي في هذه القضية وعليك أن تجيب على الأسئلة شأنك شأن الآخرين ..
 
ولأنّ الأجهزة الأمريكية والإسرائيلية تعرف هذه الحقيقة فقد لجأت في البداية إلى إيصال وبوسائلهم الخاصة عملائهم و حلفائهم إلى البرلمان بإعتبار أنّ النظام السياسي في لبنان برلماني وفيما لو رجحت الكفة لصالح عملاء أمريكا في البرلمان فإنّ ذلك سيفضي إلى بداية قصّ جناح المقاومة الإسلامية حسب مخططهم.
 
بل ضغطت واشنطن على دولة عربية كبيرة حليفة لتطلب من أحد رجالاتها في لبنان أن يلتحق بصفوف المعارضين للوجود السوري في لبنان وينضمّ للجوقة الأمريكية اللبنانية ورغم كل هذه الترتيباتو ما أتبعه من إتخاذ قرارات دولية والتي تركّز على القضاء على سلاح المقاومة فإنّ ذلك لم يحقق الرغبة الأمريكية – الإسرائيلية المشتركة , فخرجت سوريا من لبنان لكن عود حزب الله إزداد صلابة وقوة, وعندها لجأوا إلى ترتيب إغتيال رفيق الحريري زعيم تيار المستقبل وكان منفذو الإغتيال الذي تمّ بعقلية أمنية عالية بإعتراف خبراء غربيين, وكان هدفهم إحداث دويّ هائل في الساحة اللبنانية أقل نتائجة إنتاج حرب أهلية قاتلة يكون حزب الله طرفا فيها, لأّن الذي خططّ لإغتيال من هذا القبيل كان يهدف إلى إنتاج ردّ فعل من سنخ عملية الإغتيال الكبيرة, ونجحت المقاومة الإسلامية في تجاوز هذا القطوع بما تملك من مرونة سياسية وجهاز أمني قويّ أتاح لها معرفة الكثير من خيوط اللعبة الأمنية ومن وراءها في لبنان ...
 
وعندما أخفقت كل هذه المكائد السياسية نسقّت أمريكا مع إسرائيل في شنّ حرب ضروس على لبنان في شهر تموز – يوليو 2006 كان الهدف منها إنهاء المقاومة الإسلامية بقوة السلاح بل بقوة آخر منتجات مصانع الذخيرة العسكرية الأمريكية والصهيونية , و كانت النتيجة أن إسرائيل ضربت في عقر دارها ولولا تدارك الموقف ووقف الحرب لشاهد العالم صورايخ المقاومة الإسلامية تدكدك العاصمة الصهيونية تل أبيب, وقد إكتشفت واشطن كما تل أبيب قوة المقاومة الإسلامية وأداءها النوعي المدهش, بل لأول مرة في تاريخ الصراع العربي – الإسرائيلي تضرب إسرائيل وتضرب – بضمّ الباء – وتصفع وتصفع, وغيرت المقاومة الإسلامية قواعد اللعبة, وبعد أن كانت كل الأوراق بيد الكيان الصهيوني, أصبح للمقاومة الإسلامية أوراق ليس كالأوراق ..
 
ولأنّ المقاومة الإسلامية إنتصرت, ولأنّها ما زالت تحتفظ بكل الأوراق الرابحة والضاغطة, فقد إستمرّ القرار ألأمريكي – الصهيوني بنزع هذه الأوراق منها لئلاّ يتكررّ ما حدث في تموز سنة 2006 لأنّ ذلك في حال تكررّ مؤذن بإنهيار الحلم الصهيوني و بالتالي المشروع الصهيوني ...
 
وحسب الأجندة الأمريكية والتصوّر الأمريكي فإنّ وصول رئيس لبناني من المجموعة الأمريكية في لبنان من شأنه أن ينفذّ الأجندة الأمريكية الممثلّة في حزمة القرارات الدولية والتي هدفها واحد وهو تجريد المقاومة من سلاحها, وإلحاق لبنان بسلسلة الدول المتأمركة عربيا والشروع في التطبيع مع الكيان الصهيوني, ولتحقيق هذا الغرض أصدرت واشنطن أوامر واضحة إلى عملائها الرسميين العرب المعروفين بأن تكون كل تحركاتهم فيما يتعلق بالملف اللبناني من وحي هذا الهدف, وكذلك كان الأمر حيث تحركت الكواليس الديبلوماسية والأجهزة الإعلامية والأمنية على حدّ سواء في هذا السياق, وكلف العملاء المحليون في الداخل اللبناني بتنفيذ هذه الأجندة حتى لو أدىّ ذلك إلى إحراق لبنان, ثمّ أليس دافيد وولش هو من أمر بتطهير نهر البارد لأنّه يصدّر مقاتلين إلى العراق ...
 
إنّ أمريكا شرّ مطلق والرهان عليها خسارة مطلقة, ومنطقها دوما الإنتصار للسنافير السياسيين والإيديولوجيين حتى لو أدى ذلك إلى خرم التوافق وكسر الإجماع وإحراق البلدان.
 
المصدر: عرب تايمز

http://www.arabtimes.info/portal/article_display.cfm?ArticleID=3309

 

 

libyaalmostakbal@yahoo.com