ابتداء عبرنا ومازلنا نعبر وسنظل مصرين على التعبير عن رفضنا للارهاب بكل
أشكاله سواء صدر عن الجماعات أو كان مأتاه كرباج الأنظمة ,حيث أن تقويمنا
لما يصدر أو صدر عن بعض الجماعات المتلجلببة بجلباب
الاسلام والتي ارتكبت جرائم بحق المدنيين والعزل والسياح الأجانب وحق
الأبرياء وحق الشعوب الامنة والبلدان المستقرة من شأنه أن يكون من
قبلنا سلبيا جدا وعلى درجة عالية من الاستهجان والرفض القاطع ,وهو في
تقديرنا ليس سوى انحراف بالدين عن سياقه الحضاري والدعوي التبشيري الذي
جاء به أصل الرسالات ومنبع التشريع السماوي.
لقد وقعت
عملية الاختطاف للاسلام من قبل دعاة العنف الأعمى بدعوى الانتصار للاسلام
واقامة شرع الله والتمكين للقيم والمثل السماوية,ولم تكن أعمال الحادي
عشر من سبتمبر وماتلاها من أحداث في مدريد ولندن الا تأويلة فاسدة للنصوص
أتت على أرواح الاف الأبرياء من المسلمين والمسيحيين وأصحاب الديانات
الأخرى لتشكل بذلك جريمة في حق شعوب بأكملها فيما بعد, حيث أنها مهدت
لزعزعة الاستقرار العالمي والشروع في حقبة "النيوكولونيليزم" كما يحبذ
البعض من مثقفي الغرب تسميتها ,أي حقبة من الاستعمار الجديد بعد أن ظننا
أن المجتمع الدولي قد طوى هذه الحقبة مع نهاية الستينات والسبعينات من
القرن العشرين...
جريمة
أحداث سبتمبر الكارثية وماتلاها من أحداث دولية مازالت تضع بصماتها على
العالم كله ,حيث ساهمت هذه الأحداث التراجيدية في اطلاق العنان للأنظمة
العربية المتسلطة من أجل القمع الواسع لشعوبها ونخبها ولكل المطالبين
بالاصلاح ,ومن ثم تبرير تخلفها السياسي وانغلاقها القروسطي بدعوى محاربة
الارهاب,ولم تكن حدود هذه المأساة السبتمبرية متوقفة على تعطيل مسارات
الاصلاح السياسي ببلاد الهلال الخصيب وانما امتدت لتشكل عملية خلط أوراق
تجاه كل ماهو عربي واسلامي حيث باتت بعض قوى اليمين المتطرف في
الغرب تضيق ذرعا بكل ماهو مشرقي الأصل والهوية وبالتالي محاولة محمومة من
أجل تحميل الاسلام مسؤولية ووزر كل الصغائر والكبائر التي تقع في المنطقة
وربما حتى العالم.
لم تكن
أزمة الصور الكاريكاتيرية الا احدى التعبيرات عن تحويل المسألة من سياق
فهم خاطئ ومختطف ومنحرف للاسلام الى سياق الرفض والقطيعة بين الشعوب
والدول والمجتمعات,ولم يكن تحجر بعض الأنظمة العربية وشذوذها في الافاق
السياسية والايديولوجية الا بساطا أحمر تمر عليه سياسات محاربة الاسلام
ولو في سياقه المدني الحضاري والنهضوي بمفهوم رحابة الفكرة وتألق منجزات
حضارة الأندلس,ولعل الشذوذ والعمى الذي أصاب نظام الحكم في تونس في
التعاطي مع مسألة الزي الاسلامي ومن ثم النظرة الدونية والنفاقية للدين
والتي وصلت الى حد تدنيس المصحف في السجون التونسية منذ أواسط التسعينات
بحسب شهادة موثوقة لسجناء سابقين ,وماحادثة رمي المصحف وركله مع التلفظ
بالسباب والشتام للأخلاق والفضيلة وكذلكم محاولة تأصيل الشذوذ الجنسي على
اعتباره ظاهرة حضارية مرغوب فيها من قبل بعض الأخصائيين النفسيين الذين
وكلت لهم مهمة "تثقيف" سجناء الرأي داخل المعتقلات...كل ذلك مع مامورس من
سياسات "الأبرتايد" في التعاطي مع الطيف السياسي عبر التنكيل المرضي
والسادي بسجناء التيار الاسلامي الوسطي في مقابل التعجيل باطلاق سراح
سجناء اليمين واليسار بمجرد استشعار بعض من الضغط الدولي...كل ذلك من
شأنه أن يعزز الشعور بأن ماتفعله السلطة هو محض عربدة سياسية ودينية ليس
لها من تفسير غير أن القائمين عليها لايولون للدين والمثل وشعارات
الاصلاح واحترام حقوق الانسان ودولة الحق والقانون أي اعتبار.
ان مايفعله
هؤلاء في البلاد التونسية لايمكن مقارنته بأي حال من الأحوال مع ماتفعله
السلطة في مصر,والتي بدى نظامها متكلسا وغير راغب في الاصلاح من باب
الحرص على التوريث والرغبة في اجهاض تجربة التداول السياسي والخوف من حكم
الجماهير على تجربة الحزب الوطني الذي بدى في المراحل الأخيرة من
الترهل...ان ماتفعله السلطة في تونس يعد حقدا وكراهية للخير والمثل بل هو
باختصار عربدة سياسية تروج دوليا بالرشوة الديبلوماسية وباللعب على وتيرة
شعارات المحافظين الجدد من خلال الكذب عليهم ومغالطتهم وتقديم العروض
المغرية لهم في مقابل الصمت على ذبح الديمقراطية والدوس على الكرامة
الانسانية والتعالي على طموحات شعب بأكمله الى رؤية بلده يعيش حالة من
التغيير الحقيقي باتجاه الأفضل بدل الكذب على الناس منذ مايزيد عن عقد
ونصف بالترويج والتسويق لتغيير موهوم لايصدقه حتى القائمون على الأمر..!
ان الأوان
لكل النخب بعد ماجرى للمحامين والقضاة والرابطيين وقادة الأحزاب
ومناضليهم من اهانات واعتداءات,ان الأوان للتونسيين والتونسيات بعد
الاعتداء على ضيوف تونس من الذين جاؤوا ليشهدوا المؤتمر السادس للرابطة
التونسية للدفاع عن حقوق الانسان,ان الأوان للنقابيين والنقابيات بعد
التفويت في مؤسسات تونس الوطنية لفائدة أشخاص أو جهات تسبح في الفساد,ان
الأوان لطلاب تونس وطالباتها بعد اهانة حق الأفراد في الاختيار الحر
للباس ,ان الأوان لأحفاد عقبة وحسان ,وخير الدين والثعالبي والخضر حسين
والعلامة الطاهر بن عاشور وأحفاد كل المصلحين الذين توالوا على تاريخ
البلاد منذ أن عرفت تونس حضارة التنوير الاسلامي لتشع باسطرلابها الحفصي
وفستقيات اغالبتها وأسوار مرابطيها ...ان الأوان لكل الوطنيين والوطنيات
أن يضعوا حدا لحالة الانهيار العام التي تشهدها البلاد وذلك بتصعيد
النضال المدني والمدني والمدني والسلمي والسلمي والسلمي حتى اجبار من هو
في سدة الحكم على الاذعان ثم الاذعان ثم الاذعان لروح العصر واحترام
ارادة الشعوب وكرامة الانسان وحرية المعتقد أو اجبار من استخف بنا
وبوطنيتنا وبمعتقداتنا وبتطلعاتنا الى غد أفضل على الرحيل ثم الرحيل ثم
الرحيل.
reporteur2005@yahoo.de
|